الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

طائرُ الوحدات الجميل

من المؤكد أن أحمد دحبور لم يعش نشوة النجومية التي عاشها غيره دون وجه حق أحياناً، إلاّ أنه قدم براهينه الكاملة على تناغم شعري وإنساني قلّ نظيره.

العرب علي جعفر العلاق [نُشر في 2017/04/17، العدد: 10605، ص(14)]

كان ذلك في مربد البصرة في 1972 على ما أعتقد. كانت الجلسة الشعرية غير قابلة للنسيان طوال تلك السنوات لما مثلته من ثراء وجداني. نهض سعدي يوسف بتثاقل المتعب الحزين، وكنت أرى بينه وبين منصة الإلقاء عشرين سنة من الغياب. تهيأنا للاستماع إليه. فهو قادم إلينا بعد سنوات من الغربة الطويلة. بدأ قصيدته متعثراً بخجل البصرة وًبحمولته الباهظة من الحنين الجارف. وحين خذله صوته غصت روحه بالدمع، وتناثرت من صوته آلاف الطيور التي أنهكتها مرارة الغربة.

لم يستطع سعدي يوسف إكمال قصيدته في تلك اللحظة، فصعد إلى المنصة الولد الفلسطيني، أحمد دحبور، بكامل وسامته. وكان ذلك الحدث بداية صعوده الشعري، فقد كان الجمهور الشعري العراقي دائماً محكّا حقيقيّا للقصيدة الحقة.

شدتني إلى أحمد دحبورصفتان أصيلتان، لا تتوفران في العادة إلاّ للشعراء الموهوبين بشكل استثنائي: نضجه الشعريّ السابق لأوانه، وبساطته التي ترتقي إلى مستوى الخجل النبيل. ومع أنه لم يتوفرعلى تحصيل علمي منظم، فإنه أقبل إقبال المولع الشغوف على قراءة الشعر العربي، قديمه وحديثه، مما أتاح لموهبته الشعرية أن تتفتح في وقت مبكر.

وقد تجلى ذلك النضج الشعري في اكتمال إيقاعي، خصب، ومتنوع، لم يتحقق ربما إلاّ للقلة من شعرائنا العرب. وفي الوقت الذي هيمن على الكثير منهم إدمان واضح على بحور بعينها، لم يكن أحمد دحبور عبداً لبحر شعري بذاته، أومجموعة من البحور، تستبد بقصائده أو تلزمه نهراً موسيقياً ضيقاً. كان يستخدم الكثير من البحور بطلاقة عالية، واقتدار لا غبار عليه. فلم يعترض تدفقه الشعري أيّ ضنك عروضي أو رتابة إيقاعية.

وهكذا لم يظهر على شعره ذلك الكدّ وتصيّد القافية، لم تكن قصائده، كما يحصل لدى البعض، تتفصد عرقاً في بحثها المضني عن شعرية متقصدة حد الافتعال، أو إيقاعات لا تستجيب إلى عذاب النفس أو بهجتها. بل كان كلّه الشعري، أعني مجمل منجزه الإبداعي تجسيداً حياً، للوعة النفس وبساطتها الآسرة من جهة، واشتباكها بالمكابدة النضالية في انصهار بالغ العذوبة من جهة أخرى.

كان أحمد دحبور بعيداً عن التعنت في الخلطة الإيقاعية التي يصرّف عبرها توتره الانفعالي الصافي. ليس هذا فقط بل كان أيضاً في منأى عما كنا نشهده، أحياناً، من تجارب شعرية ناشفة، بيّنة الافتعال، وغير قابلة للحياة إلاّ بقوة الشلليات المصفقة لا غير. وكان شعره عامراً بثراء وجداني لا ينضب، وارتباط أصيل بين ذاته الفردية المجروحة وعذابه الفلسطيني الشامل.

أما بساطته الإنسانية فقد تجلت على مستوى رفيع في ذلك الترفع الشخصي عن كل ما يثلم صورة الإنسان في الشاعر. لذلك لا أراني مبالغاً في القول إن أحمد دحبور يصلح، بشاعريته الفذة وتواضعه المبالغ فيه حد الحرج، نموذجاً للموهبة التي تضيء في العزلة حد الاحتراق. كان على وئام مع موهبته وصفائه الإنساني، وقضيته التي رهن لها عمره كله.

غير أن شيئاً آخر، لم يكن يحرص عليه أحمد دحبور، شيئا لا يمت للموهبة بصلة، لكنه يرتبط بمنطق السوق الشعرية والمداهنات الرائجة، شيئا تعفّ عنه كرامة أحمد دحبور وصدق تجربته. أعني: الرافعة الإعلامية. كانت الموهبة وحدها لا تكفي في ربوعنا العربية. لا بد من شللية ضامنة. لا بد من قبيلة محاربة، ولا بد من أكفّ يدميها تصفيق قد لا يخرج من القلب كله.

من المؤكد أن أحمد دحبور لم يعش نشوة النجومية التي عاشها غيره دون وجه حق أحياناً، إلاّ أنه قدم براهينه الكاملة على تناغم شعري وإنساني قلّ نظيره، في مشهد لا يخلو من الشعوذات الشعرية والمهرجين.

وهكذا رحل طائر الوحدات الجميل، وفي نفسه حرقة كبرى ليس على الحياة فقط، بل على الشعر الذي كان يموت، كما مات أحمد دحبور تماماً، “بهدوء وسكينة”، بعد أن قُتلتْ فينا الحواس كلها، كما ينقل عنه صديقه واسيني الأعرج، وبعد أن “صُغِّر كل شيء، بما في ذلك الشعر”.

شاعر عراقي

علي جعفر العلاق

:: مقالات أخرى لـ علي جعفر العلاق

علي جعفر العلاق

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر