الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

أم الترفاس وأم البسباس

إذا كان البسباس كالمصابيح البيضاء فالترفاس كأقراط الفضة المستلقية في الأرض البكر، لا تقيدها السلاسل، إنه الكمأ أو الفقع أو بنت الرعد، وكأنها توأما لماء السماء.

العرب كرم نعمة [نُشر في 2017/04/17، العدد: 10605، ص(24)]

كان المشهد ربيعيا بامتياز بينما مرت شاحنة حمل صغيرة محملة بخضار البسباس، وكأن صاحبها أراد أن يغري العيون فتركها من دون غطاء، رتب قطع الخضار بطريقة أنيقة فبدت وكأنها مصابيح بيضاء تمر على الطريق القريب من مدينة الحمامات التونسية. انتبه سائق المركبة التي تقلني إلى انشغالي بمنظر الخضار والإغراء الذي يقدمه، فقال إن الشاحنة قادمة من “أم البسباس”!

ما أجمل أن تسمى المدن باسم الخضار أو الفواكه، ولأن المدينة التونسية الصغيرة متميزة بزراعة الشمر أو البسباس صار اسمها مقترنا به، أمر يدعو إلى التفاؤل بصحتنا حقا.

“أم البسباس” في تونس وجدت لها معادلا مثاليا في “أم الترفاس” في ليبيا.

تلك المدينة الليبية تجود عليها الأرض وأمطار السماء معا بتلك الثمرة التي صارت تقدم على موائد الأثرياء والفقراء معا، توضح الحكمة التي جعلت الذاكرة الشعبية تطلق على المدن أسماء النباتات، فالمدينة أم أخرى للترفاس، مثلما كانت الأرض هي الأم الأولى. إذا كان البسباس كالمصابيح البيضاء فالترفاس كأقراط الفضة المستلقية في الأرض البكر، لا تقيدها السلاسل، إنه الكمأ أو الفقع أو بنت الرعد، وكأنها توأما لماء السماء.

الفقع كافيار الأرض، ثمرة تجعلنا نعيد تفسير العلاقة بالطعام للتخلص من مجزرة الحيوان، فالأرض أم رؤوم تمنحنا ما هو ألذ من اللحوم. البسباس لا يكتفي بأنه الخضار الأكثر فائدة، بل له القدح المعلى في صناعة الشراب بنكهته، فامتلك مواصفات عالمية غاية في التقطير.

أن استعيد البسباس والترفاس من دون مناسبة، فلأن اللحوم أفسدت علاقتنا بنوعية الطعام الصحي، وجعلتنا نهمل ولا نقدّر أهمية الخضار على وقع إغراء اللحوم، إذا كان الفقع نادرا وموسميا، فأن البسباس يكاد يمتد على مساحات شاسعة من الحقول، فلماذا لا يكون مصباح المائدة الأبيض؟

يبدو لي أن النصائح الطبية والكلام الكثير في وسائل الإعلام عن فوائد الخضار، غير كاف في إعادة مسار علاقتنا بالطعام، نحن بحاجة إلى تفسير ذاتي يوقفنا عن غريزة النهم، والتمتع بالمذاق.

من السهولة معرفة آلاف الوصفات والطرق المنشورة والمتداولة في طهي اللحوم، ومن السهولة أيضا تباهي الطباخين والطباخات بأفكارهم في مزج المكونات والخروج بتشكيلات وأطعمة مبتكرة صارت تسلب الألباب والأذواق! لكن من المؤسف ألا نرى على نفس المستوى ما يحرض على إغراء تناول البسباس مثلا!

ظهرت مرة الطاهية البريطانية الشهيرة نايجيلا لاوسون، وهي تعد طبخة جديدة، وعندما امسكت البسباس رفعته أعلى وجهها وقالت “جميل جدا”! فهل يكفي مثل هذا الاحساس بالجمال؟

كرم نعمة

:: مقالات أخرى لـ كرم نعمة

كرم نعمة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر