الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

ربيع الصحوات

دخلنا الربيع بحق وبدأ الدفء وجاءت الصحوات: صحوات الحيوانات والنرجس وباقي الأبصال التي كانت في سبات. بدأت الضفادع تخرج بعد سبات الشتاء وعيونها لا تزال جاحظة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/04/18، العدد: 10606، ص(24)]

في أوائل عهد الاحتلال الأميركي للعراق، كانت هناك مقاومة مسلحة. هذا طبيعي ومألوف. الغريب والخاص بالمقاومة في حينها أنها كانت سلسلة عمليات معقدة جدا يقوم بها الناس في نومهم. هناك من يتكلم أثناء النوم طبعا وهناك من يمشي وحتى يغير ملابسه وهو في سبات عميق. وعندنا أيضا من يتحدث أثناء نومه، والناس تصغي بشغف وانتباه تامّين لمن يتحدث في نومه، فالسامع يتوقع أن الإنسان سيبوح بأسرار كبرى وهو نائم.

لكن من يستمع لصوت النائم عادة ما يعود خائبا فلن يسمع سوى حروف مختلطة وأصوات مزعجة. أما بالنسبة للمقاومة في العراق فقد كان هناك الآلاف الذين يخططون وينفذون عمليات عسكرية فائقة الدقة والمهارة وهم نيام. هذا هو التوصيف الأميركي الرسمي لتلك العمليات، لأن من يتوقف عنها يقال إن عنده صحوة.

ولا نعرف سبب الصحوة التي أيقظت حامل المتفجرات من نومه. لعله انفجار عبوة لئيمة أو مجرد سماع صوت يقول “إذا أفقت من نومك وتوقفت عن القتال والتفجير فستحصل على أموال طائلة أو تفوز بمقاولات بناء أو عقود استيراد وتصدير”. لا نعرف تحديدا، لكننا نعرف أن هناك ما يجعله يستفيق ويصحو. والزعم بأن المقاومين كانوا نائمين زعم قادم من دولة عظمى ومتقدمة علميا ولا شك أنهم يعرفون عما يتحدثون.

الذي ذكرني بالصحوات وحملني على الحديث عن النوم واليقظة هو أننا دخلنا الربيع بحق وبدأ الدفء وجاءت الصحوات: صحوات الحيوانات والنرجس وباقي الأبصال التي كانت في سبات. بدأت الضفادع تخرج بعد سبات الشتاء وعيونها لا تزال جاحظة بسبب شحوب الوجه وهزاله من طول الجوع، تشبه المؤمنين في أواخر شهر الصوم، يعني فيها من هزال النسك والزهد لأنها لم تأكل لشهور.

هذا سبب. السبب الآخر هو أني كنت هذا الأسبوع في سيارة نقل المرضى في طريقي إلى مستشفى. كان معي في السيارة رجل عجوز وامرأة أكبر منه سنا. كان الرجل في منتهى الحيوية والبريق والمرأة في سبات عميق فاغرة فاها الخالي من الأسنان وكأنه منطقة يحرم وجود الكالسيوم فيها بقرار أممي.

الرجل كان يحكي عن نفسه وعن أخيه الذي يعيش في لاس فيغاس، ثم وصل به الكلام عن العجوز المئوية النائمة بجانبه وقال معرفا بها “إنها أمنا”. قال إن عمره ثلاثة وسبعون وهذه أمه وعمرها ستة وتسعون عاما.

هنا تحرك شيء في وجدان العجوز فانتبهت من سباتها وقالت بانزعاج “عمري خمسة وتسعون وليس ستة وتسعين”. لا تخطئوا في عمر المرأة بالزيادة حتى لو كانت في سبات ولو كان الخطأ واحدا في المئة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر