الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

موروث ثقافة الطفل في العراق

بعد الردّة الكبرى الحاصلة في العراق إثر الاحتلال الأميركي وما نتج عنه، تراجعت دار ثقافة الطفل، مثل جميع المؤسسات الثقافية.

العرب محمد حياوي [نُشر في 2017/04/19، العدد: 10607، ص(14)]

لفت انتباهي وأنا أتابع بثّاً حيّاً عن افتتاح معرض بغداد للكتاب ما وصل إليه حال ثقافة الطفل في العراق، والتي كانت رائدة ثقافة الطفل في العالم العربي يوم كانت تحظى برعاية واهتمام الدولة العراقية لتستقطب خيرة المشتغلين في هذا المجال من كتّاب الطفل والرسامين والباحثين والمختصين العراقيين، وأصدرت مئات، بل آلاف الكتب المتميزة بمتانة محتواها الإبداعي وشكلها الفني ونوعية طباعتها الراقية، مما خلق رصيداً هائلاً لكتب الأطفال المتميزة في العراق توفرت للأسر والمدارس بأسعار مدعومة تناسب مداخيل أبسط العائلات العراقية، ناهيك عن إصـدار مجلة “مجلتي” الرائعة للأطفال وجريدة “المزمار” لليافعين وهما من أكثر مطبوعات الأطفال اتقاناً وإجادة في مجالهما.

كما أن تقانة الطباعة والتجليد، التي كانت تتم في اليابان وبعض البلدان المتطورة، أعطت لمنشورات دار ثقافة الطفل العراقية تفرداً ملحوظاً.

الآن، وبعد الردّة الكبرى الحاصلة في العراق إثر الاحتلال الأميركي وما نتج عنه، تراجعت تلك الدار، مثل جميع المؤسسات الثقافية، وعجزت عن إصدار أيّ مطبوعات تذكر بعد أن تحولت إلى تكية للعاطلين غير المنتجين الذين باتوا يعيشون كالطفيليات على جسد الثقافة العراقية من دون أدنى شعور بالمسؤولية أو الغيرة الوطنية، وبات جل ما يخصص من أموال لثقافة الطفل العراقي يذهب إلى جيوب هؤلاء المنتفعين على شكل رواتب ومخصصات دون مقابل.

ولأنَّني مدرك تماماً استحالة إصلاح ذلك الاختلال المريع ما لم يأتِ ضمن عملية إصلاح شاملة قد تكون شبه مستحيلة في وقتنا الحاضر، فإنني أدعو كافة المنظمات الثقافية العراقية في الداخل والخارج لإزاحة الغبار عن مطبوعات دائرة ثقافة الأطفال في العراق وإعادة نشرها باعتبارها موروثاً ثقافياً وتربوياً وطنياً تعود ملكيته الفكرية للعراقيين جميعاً، من أجل أن تتوفر مادّة ثقافية وفكرية ومعرفية للأجيال الجديدة التي حُرمت من هذا الخزين وهي تعاني من فقر مُدقع على صعيد كتب الأطفال والمطبوعات المتخصصة ذات المضامين المتينة الموضوعة على أسس علمية مدروسة وفق الفئات العمرية نظراً لصعوبة إصدار كتب أطفال بهذا المستوى حالياً لأسباب عدة، ليست أولها عدم توفر بيئة تعليمية حقيقية، وليس آخرها الكلفة المرتفعة لأجور الكتّاب والرسامين والطباعة بمستويات راقية شرط توفيرها بأسعار مناسبة ومدعومة كي تكون في متناول أغلب الأسر والمدارس والجهات المعنية بتنمية مدارك الطفل في العراق، حتّى لو تطلب الأمر إعادة نشرها بمستويات طباعة أقل على صعيد الورق والتجليد.

فالمهم هنا هو المحافظة على جودة المحتوى وشكل الرسومات الرائعة المصاحبة للنصوص فيها، وهي نصوص وموضوعات متينة وشيقة ومنزهة من لوثة الأسلمة والطائفية التي باتت للأسف منتشرة في العراق الجديد، كما أنَّها ذات توجهات علمية مدروسة ومخصصة للفئات العمرية التي تستهدفها مباشرة، على العكس من كتب الأطفال التي تُطبع في بعض الدول العربية وتصل إلى العراق بطريقة أو بأخرى، ويغلب عليها طابع الهم التجاري البحت والسذاجة الفكرية وهزال الرسومات المصاحبة في أغلب الأحيان.

إن تبنّي مثل هذا المشروع لا يتطلب موافقات تذكر شرط توحيد الجهة المشرفة عليه وتوفير الدعم اللازم له من جهات وطنية وعربية ودولية واعتماد دار نشر موثوقة داخل العراق لتضطلع بالمهمة، بالإضافة إلى توفير الدعم الفني اللازم لمثل هكذا مشروع وطني مهم وحساس للغاية لأنَّه يمسّ ثقافة ووعي الأجيال الجديدة في العراق التي ظُلمت في ظل انتشار المفاهيم الطائفية والانهيار شبه التام لنظام التعليم.

فهل بالإمكان تأسيس دائرة ثقافة أطفال رديفة يا ترى؟ سؤال مطروح أمام جميع المعنيين بالأمر.

كاتب عراقي

محمد حياوي

:: مقالات أخرى لـ محمد حياوي

محمد حياوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر