الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

هذا البرنامج وهذا المذيع

برنامج الإبراشي اتخذ له منذ فترة سمة جديدة، فقد أصبح يتصيّد كل يوم إحدى المشكلات... التي يقع مثلها في كل مكان من العالم، دون أن تصبح حديث الساعة في الإعلام.

العرب أمير العمري [نُشر في 2017/04/19، العدد: 10607، ص(16)]

هناك برنامج يومي من برامج “التووك شو” يقدمه الصحافي وائل الإبراشي، كان قبل سنوات يناقش القضايا والمواضيع السياسية التي تتعلق بالشأن المصري تحديدا، فلا علاقة لمعظم برامج “التووك شو” المصرية بل والفضائيات المصرية عموما، بما يجري خارج مصر، بعد أن أصبحت مصر منغلقة على نفسها، مستغرقة بالكامل في همومها الداخلية.

غير أن برنامج الإبراشي اتخذ له منذ فترة سمة جديدة، فقد أصبح يتصيّد كل يوم إحدى المشكلات أو الأحداث والحوادث الفردية التي يقع مثلها في كل مكان من العالم، دون أن تصبح حديث الساعة في الإعلام، والهدف من هذا التركيز على صغائر الأمور هو أساسا الإثارة، وإلهاء الناس عن متابعة ما يستحق من قضايا كبرى يجب أن تشغل الرأي العام في مصر.

الملاحظة الأساسية أن الإبراشي تخلى عن دور المذيع أو المحاور الجاد الذي يجب أن يتحلى بالموضوعية والحيادية وأن يدرس موضوعه بجدية قبل أن يظهر أمام المشاهدين على الهواء، وأن يطرح التساؤلات التي تدخل في صميم الموضوع، لكنه أصبح يقوم في الواقع بدور ضابط الشرطة الذي يستضيف ضيوفه لكي يستجوبهم ويحقق معهم ويستفزهم بل ويعنفهم ويعطيهم أيضا دروسا في الأخلاق.

فقد أصبح الإبراشي الذي لم نعرف له صلة بجماعة الإخوان المسلمين، أكثر تشددا من الإخوان والسلفيين، يدعو إلى التمسك بالقيم والأخلاق الحميدة، كما أصبح يصدر أحكاما شديدة الانغلاق والتزمت على ضيوفه، وهو أمر لا يدعو فقط للدهشة بل للاستنكار والغضب، فمن الذي وضع الإبراشي رقيبا على سلوك الأمة، يحدد للآخرين اختياراتهم في الحياة، ويحاسبهم ويقيم لهم المحاكمات الإعلامية الغوغائية على الهواء كل ليلة؟

أحدث حلقات الإبراشي الاستفزازية ما شاهدته مؤخرا عندما استضاف أستاذة جامعية أوقفتها إدارة الكلية التي تدرّس بها الأدب الإنكليزي وأحالتها إدارة الجامعة للتحقيق ربما تمهيدا لفصلها من عملها، بسبب أنها نشرت على صفحتها الشخصية على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، صورا لها بملابس البحر على أحد الشواطئ، وشريط فيديو لها وهي ترقص في منزلها، بدعوى أن هذا يعتبر خروجا عن القيم الجامعية وإهانة لدور أستاذ الجامعة.

وهي مزاعم يفهم منها على الفور أن أستاذة الجامعة محرّم عليها التعبير عن نفسها بالرقص، كما يحظر عليها نشر ما ينشره العامة عن أنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو معنى يتضمن بالضرورة أن الرقص عيب وسلوك خارج عن الأخلاق بحيث يمثل إساءة لقيم الجامعة، وأن نشر صورة السباحة بالمايوه، خروج عن قيم المجتمع.. وهو ما يصب في صالح قوى التطرف الظلامية التي يزعم الإبراشي أنه يقاومها!

المشكلة أن الإبراشي أخذ يكرر ما لا يقل عن 23 مرة معنى واحدا يسوقه إلى الأستاذة الجامعية التي كانت تستمع إليه في صبر عجيب دون أن تردعه: كيف تسمحين لنفسك بأن تفعلي هذا؟ أليس من الواجب أن تحترمي منصبك؟ لا يا دكتورة، حريتك الشخصية داخل المنزل فقط أما خارجه فأنت لست حرة.. ألا تشعرين بالخجل من نفسك أو بالندم على ما فعلت.. على الأقل لم يكن يصح نشر هذه الأشياء.. إلخ.

الإبراشي بهذا السلوك الفاشي الذي يفتش في ضمائر الضيوف ويسمح لنفسه بتلقينهم دروسا، يتظاهر أمام مشاهديه بالقيام بدور المصلح الاجتماعي الداعي، لكنه في الحقيقة يلعب دور المحقق لصالح جهات محددة في السلطة، وهو ما جعله يضرب عرض الحائط بكل قواعد العمل الإعلامي، ويسمح لنفسه بإصدار التعليقات المشينة، واستخدام ألفاظ ترقى إلى مستوى القذف والسب والتشهير، ويصدر الأحكام على من يخضعون للتحقيق القضائي، وهو أمر يستوجب المساءلة والحساب.

ولكن كيف سيحدث هذا بعد أن أصبح بعض المتنطعين يستبيحون إذاعة تسجيلات لمكالمات هاتفية شخصية لمن يرونهم خصوما للنظام، بدعوى حماية الوطن، فسلوك الإبراشي أصبح كسلوك ضابط شرطة يمارس التعذيب العلني على الهواء. ويا له من مصير أسود لما بلغه الإعلام المصري!

ناقد سينمائي مصري

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر