الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

ما لم أفعله في صغري

حدثني أحدهم أنه طالما تمنى الحصول على جائزة نوبل على الرغم من أنه صاحب محل ملابس!.. وحدثتني أخرى عن فرصة أضاعتها ذات يوم وهي على أعتاب اللقاء بنيلسون مانديلا..

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2017/04/19، العدد: 10607، ص(21)]

ونحن نحتفل معها ومع أسرتها وأحفادها بعيد ميلادها السابع والستين.. قالت كمن يدلي بتصريح خطير إنها ستعمد من الآن فصاعدا أن تفعل كل ما كانت تحلم أن تفعله وهي صغيرة وحالت الظروف دون تحقيقه.. فضحكنا كمن استمع لنكتة.. لكنها أردفت بجدية لا لبس في نبرتها “لماذا تضحكون؟.. أنا جادة جدا.. فكم تمنيت أن أقفز بالمظلة من علو شاهق وكنت أخاف وأرتبك.. وكم تمنيت أن أتسلق الجبال وجسدي مشدود بالحبال فأتعلق بين السماء والأرض دون خوف أو وجل.. وكم تمنيت وتمنيت.. والآن حان الوقت لتحقيق كل الأمنيات التي لن يحول دونها ظرف أو نهي أو توبيخ.. وسأفعل كل ما بوسعي لتحقيق أحلامي..”

هكذا بدأنا الحوار الذي صار أشبه بسؤال وجودي خطير رحنا نطرحه على بعضنا.. لتتراوح الإجابات بين هازئ ساخر وبين جاد حقيقي وفي الصميم.. بين رغبات صغيرة جدا مثل ارتداء ثوب مفتوح أو تدخين سيجارة من نوع خاص.. وبين أحلام كبيرة من قبيل أريد أن اكتشف العالم بباخرة.. أو أريد أن افتح مدرسة خاصة تعلم الأطفال التقبّل وحب الحياة وحب الآخرين..

بقيت أياما أدور حول هذا السؤال وأطرحه على كل من تجاوز منتصف العمر.. وقد تطلب الأمر أيضا أن يعقب ذلك سؤال آخر “هل ستعمل على تحقيق ما لم تحققه من رغباتك وأنت صغير؟.. أم أنها مجرد رغبات قديمة ما عاد لوجودها من معنى؟”.

ووجدت نفسي أقع في فخ من يتمنى الحصول على شيء دون سعي أو تعب.. وهو ما يندرج ضمن قائمة الأحلام المستحيلة.. وبين من يتحسر على فرصة فاتته ولن تأتي مرة أخرى.. فقد حدثني أحدهم أنه طالما تمنى الحصول على جائزة نوبل على الرغم من أنه صاحب محل ملابس!.. وحدثتني أخرى عن فرصة أضاعتها ذات يوم وهي على أعتاب اللقاء بنيلسون مانديلا.. وقالت أخرى إنها تتمنى أن تعثر ذات يوم على فتى أحلامها الذي لم تجد شبيها له على الأرض.. ورحت أحرص على أن أعيد صياغة السؤال بطريقة أوضح “ما الذي تمنيت فعله ولم تفعله في حياتك؟.. وهل يمكنك فعله الآن أم لا؟”…

وكم بدت الإجابات أحيانا عجيبة ومتناقضة.. فقد أجاب أحد أصدقائي الذي عانى طويلا من الفقر والعوز.. أنه يتمنى أن يدخل كل المطاعم ويطلب كل قوائم الطعام ولا يتوقف عن الأكل حتى يصاب بالتخمة ولن يهمه إذا ما أصبح أسمن رجل في العالم!.. بينما قالت لي إحدى صديقاتي.. وهي تعاني فعلا من آفة السمنة الزائدة.. إنها تتمنى منذ زمن بعيد أن تتمتع ذات يوم بالجلوس على العشب الأخضر وهي تضع ساقا على ساق!..

وإذ شاكسني أحدهم بسؤال مضاد “وما هو المغزى من هذا السؤال؟.. لماذا تطرحينه علينا؟.. أليس هذا نبش في الماضي الذي قد يولد إحباطا أو حسرة لدى من يعيد النظر فيه؟”.. فأجيب “بل هو تحريض على الحياة.. فالعمر قصير.. وما فات منه أكثر بكثير مما هو قادم.. فلماذا لا نحاول أن نحيا كل لحظة فيه كما يجب أن تعاش؟.. ولماذا لا نطرح على أنفسنا ذلك السؤال ونسعى لتحقيق إجابته الدامغة؟”.

صباحكم أمنيات صغيرة تتحقق..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر