الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

ظلال قاتلة

الإبداع في صورة من صوره تنكر وتمرد وخيانة، ليس بالمعنى الذي يتحول فيه الأستاذ إلى عدو بل بالنحو الذي يحول بينه وبين تملك مصائر مريديه وطلبته.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2017/04/19، العدد: 10607، ص(15)]

تلزم الرسام والروائي والباحث في حقول الفكر والمعرفة مسارات فردية، دون مرافقين ولا مرشدين، فالأسلوب الإبداعي والفكري يحتاج إلى مجال للخطأ والزيغ، كما يشترط مفارقة الظلال لاكتساب هوية، والخروج إلى الشمس الحارقة التي تصهر المؤثرات وتنير الداخل العميق. فعلّة الظلال مهلكة، ومورثة لأسقام شتى، ليس أقلها الاستكانة إلى اليقين، وفقدان القلق الضروري للكشف المولّد، وخمول التوق إلى التجريب وترك الأنماط الجاهزة.

وبقدر ما يحتاج الكاتب والفنان إلى الهواء والشمس فإنهما في حاجة أيضا إلى قدر معتبر من التجرد العاطفي، وإلى القدرة على كبح عواطف الحب والالتزام والوفاء، فالإبداع في صورة من صوره تنكر وتمرد وخيانة، ليس بالمعنى الذي يتحول فيه الأستاذ إلى عدو بل بالنحو الذي يحول بينه وبين تملك مصائر مريديه وطلبته، وطمس ملامحهم، فخيانة الأستاذية هنا تجسيد لإرادة الوجود خارج الظلال تلك اللازمة لصياغة الأسلوب والصورة والاسم.

ولعل أكبر استعارة دالة على مأساوية المسارات المستكينة إلى الظلال، والمطحونة بعواطف الحب والوفاء تلك التي جسدتها كميل كلوديل النحاتة الفرنسية العبقرية التي صارت تفصيلا في حكاية فنان أسطوري هو “رودان”، الحكاية التي خلدتها السينما وأدبيات الفن، وعشرات كتب سير، بوصفها نموذجا للتوحد القاتل بين فنان معلّم وتلميذة موهوبة تشربت أسلوبه وحذقت صناعته وأحبته بجنون أفضى بها لأن تلازمه برغم قسوته ونزوعه المرضي إلى مصادرة طموحها وأحلامها.

انتهت كلوديل في مصحة أمراض عقلية، لأزيد من ثلاثة عقود، بعد أن أنهكتها الغيرة والوسواس والاكتئاب المزمن. وقبل كلوديل وبعدها تكررت أقدار ومسارات مماثلة لنماذج تند عن الحصر، رهنت مصيرها بعمالقة في الفن والأدب والبحث العلمي، وانتهت إلى حالات عصابية عصية على الفهم، وإلى إنتاج كراهية على القدر ذاته من العنف الذي زرعت به المودة لمن حماها بظلاله يوما. لهذا يخيّل إلي، أحيانا، أن الإبداع لا يحتمل العشق والوفاء للمعلمين والملهمين، مهما كان حجم عطائهم… بل إني اعتقد إلى حد بعيد أن رعاية تلاميذ نبغاء تقتضي عدم توريطهم في محاكاة أسلوب شخصي مهما عظم قدره، وجلت وسيلته، فليس من شأن ذلك أن ينتج إلا الأشباه والنظائر الباهتة.

وأذكر في هذا السياق ذاته أن من السجايا النادرة التي صنعت ثقافة الاستقلالية الفكرية والنضج والعقلانية بالجامعة المغربية حينا من الدهر، تلك التي جعلت رعيلا من الأساتذة المتحققين يحولون باعتقاد صادق عددا ممن يقتنعون بهم من تلاميذهم إلى أنداد وإلى أصدقاء حقيقيين يعاملونهم بتقدير شديد ودونما رغبة في الإحساس بتبعيتهم أو امتنانهم،… وفي اللحظة التي بدأ يتلاشى فيها هذا السلوك الناضج، توارت سمة أساسية لحداثة الجامعة المغربية، التي باتت تحث الخطى للعودة إلى تقاليد الزاوية.

كاتب مغربي

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر