الجمعة 20 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10518

الجمعة 20 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10518

الكتابة العابرة

الفكرة هي عموده الفقري، وبالتالي فإن الفكرة هي التي تمنح الديمومة للنص إذا ما كانت مرتبطة بالإنسان ومشكلاته التي لا تنفد مع الزمن.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2017/01/10، العدد: 10508، ص(14)]

أعني بالعابر الزائل المؤقت الذي لا يدوم. والكتابة العابرة تلك الكتابة التي لا يطول بها العمر إلا قليلاً أو تولد فاقدة قدرتها على البقاء أصلا. فمن شيمة الكتابة البقاء أو قل من أهداف الكتابة أن تخلد الأثر المكتوب. والكتابة بوصفها إبداعا تطمح لأن تحضر بوصفها نصا للقراءة.

الآخر هنا هو من يمنح الكتابة البقاء، وإذا لم تجد الكتابة مكانا في الوجدان والذاكرة ولم تكن منطوية على إغراء بالقراءة فإنّنا نطلق عليها كتابة عابرة. ولهذا فإن ما وصل إلينا من المكتوب عربياً هو الذي استمر بالحضور وحملنا على أن نجعله مصدرا من مصادر وعينا سواء تمثلناه أو انتقدناه، اختلفنا معه أو اتفقنا.

ولكن ما هي ماهية الكتابة العابرة؟ لنحدد الكتابة العابرة بنقيضها الكتابة الأدوم والأبقى. الكتابة الأدوم والأبقى ما اتحدت فيها القيمتان: الجمالية والفكرية الفلسفية أو ما احتوت على إحدى القيمتين على نحو أخٰاذ.

فالجمال والحدس الفلسفي لا يصيبهما البِلى مع الزمن وهذا ينطبق على كل ضروب الأدب، فالشعر والرواية والقصة القصيرة تتحدد فيها هاتان القيمتان. وعليه فالكتابة الأدبية العابرة هي الكتابة الخالية من هاتين القيمتين. ولكن من ذَا الذي بقادر على أن يقرر حضور الجمالي والفلسفي من عدمه؟ إنه ولا شك المتلقي قارئاً كان أو ناقدا عبر زمن طويل من ولادة النص الأدبي دون أن يتلوث التلقي بالموقف الأيديولوجي المسبّق.

غير أننا نواجه هنا مشكلة المتلقي من حيث ثقافته، من حيث ذائقته الجمالية ووعيه الفكري، فكيف لنا أن نجعل المتلقي إذا كان ثمرة ثقافة تعيش عصر انحطاطها معيارا للحكم على النص العظيم؟ إن الحكم على الكتابة من حيث انتمائها للعابر أو للدائم يحتاج إلى زمن طويل وليس إلى تلك اللحظة التي شهدت ولادة النص فقط.

فلقد سمح لي دوستوفسكي أن أشرف على رسالة ماجستير اقترحتها على إحدى طالباتي بعنوان “الحدس الفلسفي في روايات دوستوفسكي”، وذلك بعد مرور قرن وثلاثين سنة على وفاته. وقِس على ذلك.

كما سمحت لي نصوص أبي العلاء المعري أن أكتب دراستين طويلتين عن الإنسان في اللوزوميات، بل إن هناك المئات من الكتب والمئات من الرسائل الجامعية والآلاف من المقالات حول هاتين القامتين المبدعتين للنص الأدوم. وهكذا.

وإذا كان النص الأدبي يحتاج إلى وحدة القيمتين الجمالية والفكرية – الفلسفية فإن النص الفلسفي، وإن كان يزداد تأثيرا إذا ما انطوى على قيمة جمالية، فإن الفكرة هي عموده الفقري، وبالتالي فإن الفكرة هي التي تمنح الديمومة للنص إذا ما كانت مرتبطة بالإنسان ومشكلاته التي لا تنفد مع الزمن.

ولهذا نجد تاريخ الفلسفة حاضرا دائما في اللحظة الراهنة، ومصدرا مهما من مصادر الإلهام الجديد لإنتاج المفاهيم. على النقيض من هذا الدائم نجد العابر وقد اختفى إلا من الأرشيف الذي قد يعود إليه باحث لجعله مضرب المثل على العابر.

حسبنا النظر إلى أرشيف ما سمي بعصر الانحطاط العربي لندرك ماهية العابر. وحسبنا التأمل في الراهن وما ولده من القيل الذي لا هو بالجمالي ولا هو بالفلسفي لندرك ماهية المرحلة عبر هذا العابر.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر