السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

في 'الخوذ البيضاء' ثنائية الحياة والموت تتقدم السينما

  • أثار فوز فيلم “الخوذ البيضاء” بجائزة الأوسكار كأفضل فيلم وثائقي قصير ضجة كبيرة وأفرز آراء متضاربة حوله؛ سواء من حيث الاحتفاء الكبير بأول فيلم يتناول القضية السورية على منصات الأوسكار من جهة، أو الاستنكار الشديد والتشكيك في الفيلم وأحقيته في نيل جائزة بهذا المستوى من جهة ثانية، كان بعضها على خلفية سياسية (مؤامراتية)، وبعضها الآخر من منطلق أصول صناعة الوثائقي.

العرب أيهم سلمان [نُشر في 2017/03/14، العدد: 10571، ص(16)]

وجهة نظر مغايرة

لا شك أن السينما كانت ولا تزال أرضا خصبة للتجاذبات ووسيلة للدعاية السياسية وترسيخ مفاهيم معينة، تنصر طرفا على حساب آخر، هنا سيكون انتقاد الخصوم (الأيديولوجيين) للفكرة أمرا منطقيا، كما حصل في مرات سابقة مع أفلام تناولت مواضيع خلافية، كالمحارق اليهودية وحرب العراق وشخصية تشي غيفارا.

قد يكون الموضوع هنا أكثر حدة مع الفيلم الوثائقي “الخوذ البيضاء” الحاصل على أوسكار أفضل فيلم وثائقي قصير في الدورة الـ89 لأعرق الجوائز العالمية، لكون الصراع مازال في أوجه خلال الحرب السورية، إذ أن مسألة الرفض هنا حتمية، لكل ما ينتج من قبل الخصم أو عنه، ودون الاطلاع حتى على المحتوى المُعترض عليه.

الحكاية ذاتها

هكذا كان الحال بالنسبة إلى فيلم “الخوذ البيضاء” الذي لم يكن متاحا للمشاهدة إلا في العروض الخاصة، قبل حصوله على الجائزة، لربما حمل وجهة نظر مغايرة، خاصة أن العملية النهائية كانت بين يدي مخرج بريطاني، ولعل التشكيك هنا في توجه صناع الفيلم في الأصل، حيث يعتبر البعض أن القصة التي يلاحقها الفيلم مُختلقة أساسا، وظهر هذا جليا في بعض التعليقات الشخصية والرسمية التي ركزت على شخصيات الفيلم الثلاث، واصفة أصحابها بـ”الممثلين”.

قد تكون حكاية الفيلم معروفة للجميع حتى بالنسبة إلى من ينكرها، بعد أن ذاع صيت “القبعات البيض” منذ تأسيس فرق الإنقاذ التطوعية ثم تنظيمها ومأسستها سنة 2013، وصولا إلى ترشيحها لجائزة نوبل للسلام العام الماضي، بسبب إنقاذها للآلاف من الأرواح خلال الحرب السورية، لكن الفيلم هنا يركز على ثلاث شخصيات، هم: أبوعمر الرجل الأربعيني، والحدّاد السابق الذي وجد نفسه خلال الحرب منجرفا بحماسه لإنقاذ حياة من حوله ولإيمانه العميق بالله، حيث يعتبر الآية القرآنية “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا” سببا كافيا للقيام بهذا العمل، وهي الآية ذاتها التي نقلها مخرج الفيلم لحظة صعوده إلى منصة التتويج، نيابة عن مدير الدفاع المدني الغائب عن الحفل.

أما الشخصية الثانية، فهو خالد فرح الشاب العشريني الذي يودع في اللحظات الافتتاحية للفيلم طفلته التي ترتدي خوذة الدفاع المدني، ويغادر منزله متجها إلى المركز مع أحد زملائه.

وعلى مائدة الإفطار ينتفض الجميع ويركضون باتجاه السيارات لحظة سماعهم هدير الطيران الحربي، حيث يميز خالد نوع الطائرة وهوية من فيها من صوتها، وهو أمر يومي اعتادوه حتى أصبح من بديهيات حياتهم.

أكاديمية الفنون الأميركية تجاوزت دورها السينمائي ومنحت فيلم "الخوذ البيضاء» الجائزة تضامنا مع قضيته الإنسانية

أما محمد الذي مثل الشخصية الثالثة في الفيلم، فيعترف للكاميرا أنه أخطأ يوما ما، حين انخرط في العمل المسلح، لكنه اختار بعد مراجعته لذاته أن يكون منقذا للأرواح بدلا من أن يكون خاطفا لها، من هنا يُظهر محمد، جوهر دافعه الشخصي لارتداء الخوذة، فالحياة بالنسبة إليه تملك قيمة أكبر بكثير من الموت، ولن تحوله الجثث الباردة التي ألفها، إلى واحدة منها.

وهذا ما يظهر جليا على وجوه كل المنقذين الذين لا يزالون يتتبعون أخبار أهلهم وأصدقائهم في حلب بعد أن غادروها للخضوع لتدريب متخصص، وكأن كل واحد منهم يواجه الموت لأول مرة في حياته.

والموت بالنسبة إليهم أمر لا يمكن الاعتياد عليه، عكس الحياة، فزيارة “الطفل المعجزة” الذي أخرجوه رضيعا من تحت الركام ذات يوم، كفيلة بالتمسك بالحياة وعدم الاستسلام لنقيضها.

الأوسكار بديلا لنوبل

ربما كانت القيمة الفنية للفيلم لا تؤهله عمليا لنيل جائزة على هذا المستوى برأي الكثيرين، لكن السينما الوثائقية لا تنفصل حكما عن موضوعها الذي يسلم منتقدو السوية الفنية ذاتهم بأهميته، وحتى لو كانت الرواية مكشوفة للجميع، بسبب الكم الهائل من الصور التي رآها العالم عن أبطال الفيلم قبل إنتاجه، إلا أن تقييم الفيلم سينمائيا مرتبط بتقدير القضية التي ينطلق منها، أما استعراض إمكانيات المخرج هنا، فلن يضيف شيئا للفيلم، وهو ما أدركه البريطاني أورلاندو فون إينسيديل الذي أدار الفيلم عن بعد، معتمدا على الشبان الثلاثة لنقل صورة ما يجري يوميا في حلب.

يقول فادي الحلبي وهو أحد المصورين، لـ”العرب” لقد “كنا نتواصل مع المخرج عن طريق الإنترنت، وشعرنا بالفعل بفجوة في هذا التواصل مع وجود مخرج تنفيذي لتقريب وجهات النظر، استمر التصوير لسبعة أشهر صورنا خلالها ما يزيد عن مئة ساعة، لم يشاهد منها الجمهور إلا الدقائق الأربعين المختارة”.

السينما كانت ولا تزال أرضا خصبة للتجاذبات ووسيلة للدعاية السياسية وترسيخ مفاهيم معينة على حساب أخرى

ربما يمكننا القول إن أكاديمية الفنون تجاوزت هنا دورها السينمائي ومنحت الفيلم الجائزة تضامنا مع قضيته الإنسانية، دون الدخول في تفاصيل صناعة السينما وقواعدها وأعرافها، طالما أن الفيلم يحقق العاملين الأساسيين في العمل الفني، وهما إيصال الرسالة، وخلق التأثير، ولكن ما هو دور المخرج الأجنبي وفريقه في هذه الحالة؟

يقول حسن قطان، وهو أيضا أحد المصورين الثلاثة “بالتأكيد قضية الفيلم هي التي أكسبته تلك القوة، توجد العديد من الأفلام قد تكون أفضل فنيا وتقنيا، لكن قضية القبعات البيض هي الأبرز، مع أننا نعتبر أننا التقطنا الكثير من الصور المتميزة فنيا، رغم أننا نعمل تحت القصف”.

ويضيف قطان “كان من الصعب أن ننجز هذا الفيلم المنافس بمفردنا، دون أصحاب الخبرة في المهرجانات العالمية، قد نكون مميزين بالتصوير والوصول إلى أماكن لا يمكن الوصول إليها، ولكن تنقصنا الخبرة في المونتاج والميكساج على سبيل المثال”.

وفي المقابل، حرم المصور الثالث خالد الخطيب من حضور حفل توزيع الجوائز نيابة عن زملائه بسبب مشكلة في جواز سفره، رغم حصوله على تأشيرة الدخول، كما امتنع مدير الدفاع المدني رائد صالح بسبب انشغاله بمتابعة عمل الفرق، عن حضور أول تتويج لفيلم عن قضية سورية ليغيب كل صناع الفيلم السوريين عن التتويج، صناع القصة والفيلم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر