الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

ليلة واحدة كانت كافية للحديث عن ست سنوات من تاريخ مصر

  • العمل على الواقع واستخراج شخصيات وأحداث وأفكار روائية منه أمر بالغ الدقة، حيث يلعب فيه الروائي على خيط دقيق بين عوالمه السردية التي تهدف إلى المتعة وبين عناصر الواقع المعيشة سلفا، والتي لا تملك إثارة في ذاتها، لذا يكون الروائي مطالبا بتحقيق المتعة والدهشة من عناصر واقعية لا دهشة فيها ولا متعة.

العرب سامح الخطيب [نُشر في 2017/03/15، العدد: 10572، ص(14)]

عشيقا الليلة الواحدة يحكيان قصصا مؤلمة (لوحة للفنانة ريما سلمون)

القاهرة- بعدما نجحت روايته السابقة “باب الخروج” في تصور سيناريوهات ما بعد انتفاضة 25 يناير 2011 في مصر، يواصل الكاتب المصري عزالدين شكري فشير ربط جسور فنية بين الواقع وعوالمه السردية في أحدث أعماله الروائية “كل هذا الهراء”، ليقدم من خلالها أحداثا واقعية جرت تفاصيلها على مدى السنوات الست التي تلت الانتفاضة، من خلال وجهتي نظر مختلفتين.

بطلان من الواقع

يلتقط فشير أحداثا مثل قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني ومذبحة ملعب بورسعيد وفض اعتصام ميدان رابعة العدوية، لينسج منها سلسلة من الأحداث والعوالم السردية التي تبدو منفصلة السياق والملابسات في ظاهرها، إلا أنها مرتبطة بشكل وثيق في عمقها بخيط واحد، هو بطل الرواية عمر فخرالدين، ذلك الشاب الذي يمثل عينة من شريحة كبيرة من الشباب المصري المثقل بهموم الواقع التي يتحول أغلبها إلى إحباط عميق.

في أحد مساءات القاهرة، تجمع الظروف عمر (22 عاما) الذي يعمل سائق سيارة أجرة بأمل مفيد (29 عاما) المحامية المصرية-الأميركية المفرج عنها للتو، بعد عام كامل قضته خلف القضبان على ذمة قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، وينتهي بهما الأمر في شقتها بالزمالك. من هناك تبدأ الحكايات في التوالد من بعضها البعض، حكايات جميعها تبدأ وتنتهي فوق الفراش داخل شقة أمل، التي تقرر أن تقضي ليلتها الأخيرة في مصر قبل العودة إلى الولايات المتحدة.

الحكايات التي يسردها عمر لأمل عن زملائه وأصدقائه، تختلط جميعها بفواصل من المضاجعة بين الشاب والمرأة المتزوجة التي تكبره بسبع سنوات، ورغم ما قد يمثله ذلك من حاجز أخلاقي أو يثيره من تحفظات لدى بعض القراء، فإن الحكايات التي يسردها عمر جادة وبعضها مأساوي، يقدم فيها قصصا عن المجتمع المصري بمختلف شرائحه، وهو الذي خبره وعاشر تفاصيله، وتمثل صورا عميقة عن البلد وأهله.

الرواية، الصادرة عن دار الكرمة بالقاهرة، تطرح قضايا اجتماعية وسياسية غاية في الحساسية، إذ هي أشبه بالتعرية الصريحة والجريئة للواقع المصري، وربما هذا ما حدا بالكاتب إلى وضع فصل بعنوان “تمهيد وتهديد” في بداية الرواية، يعرب فيه عن عدم ارتياحه للأجواء التي باتت تسود عالم الكتابة في مصر من تضييق على المؤلفين ومقاضاتهم بسبب أعمالهم الإبداعية.

رغم "سوداوية" الحكايات التي يسردها عمر أو أمل ونهاياتها المأساوية ينجح المؤلف ببراعة في عرض الرأي والرأي الآخر

يمهد المؤلف للحكايات المتتالية التي يسترسل فيها بتقديم بطليه أمل وعمر ومن أين جاءا، حيث تروي أمل كيف تحولت من محامية إلى ناشطة في مجال العمل الأهلي، وكيفية قدومها إلى مصر وما شهدته في السنوات القليلة الماضية، وصولا إلى القضية التي وجدت نفسها متورطة فيها دون أن تفهم ملابساتها، وأُودعت على إثرها السجن.

حكاية أمل استوحاها فشير من الواقع، حيث كانت السلطات في مصر قد أحالت أكثر من 40 مصريا وأجنبيا إلى المحاكمة في فبراير 2012 بتهمة مخالفة القانون وتمويل جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية.

أما عمر فيقول إنه نشأ في معسكر لجماعة الجهاد في السودان، بعد أن تركه والده هناك في رعاية الجماعة، وسافر للجهاد في أفغانستان، قبل أن يعود ويأخذه إلى مصر ويستقرا بها. ورغم الخلفيات المدهشة والمفاجآت التي تحملها قصة كل منهما، فإن الحكايات التالية التي يسردانها جميعها من وحي الواقع، لأحداث مشهودة مرت بها مصر، لكنها تروى من وجهتي نظر مختلفتين وهو ما تلاعب به المؤلف، فقدم من خلال بطلي روايته الحادث الواحد بروايات متعددة.

حكايات متعاقبة

تتعاقب الحكايات عن أشخاص مختلفين لكل منهم قصته، وهي كلها قصص مقتبسة من الواقع؛ مثلا الحكاية الأولى لثلاثة شبان التقوا وتعارفوا قبل انتفاضة 2011 وانخرطوا فيها بشكل أو بآخر وبدوافع مختلفة، إلا أن الحال انتهى بمقتل اثنين منهم في حادث ملعب بورسعيد عام 2012 من بين 72 مشجعا، قتلوا في أعمال شغب عقب مباراة كرة قدم، فبقي ثالثهما يعيش بعاهة مستديمة في قدمه، وفي نفسه.

قصص منفصلة يحكيها بطلان مختلفان

نجد أيضا قصة فتاة نشطت بعد الانتفاضة لمناهضة التحرش الجنسي سواء الفردي أو الجماعي والذي تكرر قبل انتفاضة 2011 وبعدها، وهي حوادث حقيقية، قال عنها حقوقيون مصريون إنها استُخدِمت سلاحا معنويّا ضد الناشطات السياسات.

الفتاة هند تتعرض لحادث اعتداء جنسي في الطريق العام، لتتحول إلى ضحية بعد أن ظلت على مدى سنوات تقدم الدعم والمساندة لضحايا التحرش. يمتد أثر الحادث إلى باسم حبيبها الذي يحاول الوقوف إلى جانبها واستعادة حقها، لكنه في النهاية يدفع حياته ثمنا لذلك.

حكاية أخرى يقدمها بطلا الرواية عن ميدان رابعة العدوية، الذي ارتبط اسمه باعتصام جماعة الإخوان المسلمين عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، ومن داخله يروي لنا المؤلف يوميات شاب وفتاة تحابا قبل ذلك بفترة، لكن الخلفيات الفكرية لأسرة الفتاة تجبرها على المشاركة في الاعتصام، ليلحق بها حبيبها، لكن ينتهي بها الحال جثة في المشرحة.

الحكاية الرابعة والأخيرة التي تطرحها الرواية هي قصة شابين مثليين جنسيا، بدأت علاقتهما قبل الانتفاضة في الخفاء، وظنا أنه مع الإطاحة بالنظام القديم ستزول الأفكار والقيود الاجتماعية الراسخة منذ سنين، إلا أن حياتهما تنقلب ويقف ضدهم الجميع حتى أقرب الناس إليهما، وينتهي بهما الحال إلى منبوذين في الولايات المتحدة.

رغم “سوداوية” الحكايات التي يسردها عمر أو أمل ونهاياتها المأساوية ينجح المؤلف ببراعة في عرض الرأي والرأي الآخر. الرأي هنا يمثله عمر بحكاياته التي عاصرها وأبطالها الذين عرفهم واقعيا، أما الرأي الآخر فتمثله أمل التي تطرح دوما رؤى مختلفة للأحداث وتساؤلات وسيناريوهات محتملة لما يعتقد عمر أنها حقائق ثابتة، وهو ما يشعل لعبة ذهنية تتقد منذ بداية الحكايات وحتى نهايتها.

يمتد هذا التأرجح بين حكايات الماضي وحكاية أمل وعمر نفسيهما، ويصل هذا المزيج في الزمن والمكان والأحداث والشخصيات إلى ذروته مع لحظة الفراق، وانتهاء مغامرة الفراش واستعادة كل منهما لدوره الأساسي في الحياة بعد ساعات طويلة من الحكي. تحاول أمل فتح الأفق أمام عمر وتخليصه من أثقال الماضي، وتبديد أحزانه بينما يظل هو على اعتقاده بأن ما آل إليه حاله هو قدره المحتوم الذي لا مفر منه ولا سبيل إلى تغييره. وتبقى النهاية مفتوحة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر