السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

الحركة التشكيلية العراقية تمرض ولكنها لا تموت

  • شهدت فترة الستينات من القرن العشرين أولى مراحل تجربة الفنان التشكيلي العراقي فاروق حسن التي تواصل العطاء حتى الآن، والتي بدأها مقلدا الطبيعة ومستنسخا لوحات لبعض المشاهير من الفنانين العالميين، لينوع إثرها تجاربه بين رسم القصص الشعبية، ورسم أخرى واقعية وثالثة تراثية وصولا إلى التعبيرية التجريدية، رافضا التقيد بنمط تشكيلي محدد، “العرب” التقت حسن فكان لنا معه الحوار التالي.

العرب محمد الحمامصي [نُشر في 2017/03/17، العدد: 10574، ص(17)]

إبهار لوني وتقني

توجه التشكيلي العراقي فاروق حسن في ستينات القرن الماضي لرسم القصص العربية الشعبية كـ”ألف ليلة وليلة” و”سيف بن ذي يزن” و”الزير سالم” و”كليلة ودمنة”.

ونفذ رسم مجموعة لوحات لقصائد مشاهير الشعراء العرب القدامى، لا يزال يحتفظ بها في أرشيفه، وعن هذه المرحلة يقول لـ”العرب” “اعتمدت على أسلوب الفن الإسلامي كملهم لي، وأفادني ذلك في التعرف على جمالية هذا الفن، وما تميز به من بساطة وتلقائية وحساسية لونية فائقة، تم تنفيذ هذه المجموعات بألوان “البوستر” على الورق وبأحجام صغيرة، وكان للمواضيع الاجتماعية والشعبية جانب كبير في بدايات أعمالي الفنية، نفذتها بأسلوب التعبيرية التجريدية، وبالألوان الزيتية على القماش، وكان ذلك خلال فترة الستينات من القرن العشرين”.

وفي فترة السبعينات من القرن الماضي بدأ الفنان العراقي يستخدم مواد وخامات مثل الخشب والمعدن والأسلاك، للتعبير عن مواضيع واقعية وتراثية، بأسلوب الحفر والنحت والحرق، وتلوينها بألوان الزيت أو الأكريليك، ويضيف “رغبةً في الدراسة وزيادة المعرفة غادرت البصرة عام 1976، للالتحاق بأكاديمية الفنون الجميلة في روما بإيطاليا وأكملت دراستي سنة 1980”.

ويلفت فاروق حسن إلى أن تناول مواضيع ذات صلة بالمجتمع والتراث أو الفكر الإنساني والوجودي، هو منهجه الفني في تنفيذ أعماله الفنية وبخاصة الأعمال ذات الأحجام الكبيرة، إذ يُعدّ لها دراسة مصغرة “اسكيتشات” لتكون الأساس الذي ينطلق منه.

ويوضح “في تناولي لموضوع معين أقوم بإحاطته واستيعابه من جوانبه الفنية والفكرية والتعبيرية، ثم صياغته في قالب فني جمالي، ويغلب دائما الجانب الفني والتقني ليصبح الموضوع ثانويا، وأهم المواضيع التي تناولتها خلال ممارستي الفنية موضوع “القدر” عام 1980، وقد كنت كمن يتنبأ من خلاله بالحرب العراقية الإيرانية قبل حدوثها”.

ويشير “في ثمانينات القرن العشرين وتسعيناته كان موضوع تراثيات شرقية محببا إليّ لما له من صلة بالتراث العربي والإسلامي، كان الاهتمام فيه منصبا على جماليات الأشكال النسائية والألوان، مع الأخذ بالأسلوب التعبيري التجريدي”.

وتناول حسن بعد عام 2003 موضوع التراث العراقي القديم، وهو الأساطير السومرية والبابلية تحت عنوان “أساطير عراقية”، كما تناول موضوع “طفولة لم تكتمل” للتعبير عن المآسي والأحداث الدامية التي جرت للعراق بعد عام 2003 ثم بعد عام 2014، ودخول الإرهاب إلى شمال العراق، وما قام به الإرهابيون من سبي وقتل واغتصاب للنساء العراقيات.

وعن ذلك يقول “عبرت عن تلك المأساة بتنفيذ 30 لوحة بأحجام كبيرة تحت عنوان ‘نساء في أقفاص من زجاج’، وأنا الآن بصدد إكمال مجموعة لوحات تحت عنوان ‘نساء ومرايا’. إن المواضيع التي تخص المرأة والتي لها أثر ومسار كبير في أعمالي الفنية، امتدت من نهاية ثمانينات القرن الماضي حتى الوقت الحاضر، وهي تمثل رمزا للخصب والحب والجمال، بل وأصلا للوجود”.

ويعترف فاروق حسن بأن للكمبيوتر تأثيرا كبيرا في أعماله الفنية الحديثة، وخاصة عند التحضير لها كـ”اسكيتشات” لونا وتقنية، لكن تبقى خبرته وتجربته هي الأساس في إنتاجه الفني.

فاروق حسن: المرأة في لوحاتي تمثل رمزا للخصب والحب والجمال، بل وأصلا للوجود

ويضيف “تتنوع ذائقتي وأدائي الفني تبعا لاختياري للموضوع الذي له تميزه وخصوصيته في تكوين اللوحة وأبعادها التقنية واللونية، مع احتفاظي بأسلوبي في الأداء الفني بأن تكون للون أولويته، إضافة إلى استخدام المواد والخامات المختلفة لإغناء سطح اللوحة بملمس التضاد الناعم والخشن، وجعلها أكثر ديناميكية وتعبيرية”.

وحول أسلوبه في الوقت الحاضر، يقول “أميل الآن إلى المدرسة التعبيرية التجريدية، وأعتبر المرأة محور الوجود، فهي أصلا رمز للخصب والحب والجمال، كما أنها أضحت رمزا للاضطهاد والتعسف”.

ويؤكد فاروق حسن أنه في حركة دائمة لا تقف عند موضوع معين، قائلا “أتمرد دوما على نفسي، وأرفض أن أكون أسيرا للأسلوب الذي يجعلني مقيدا بنمط واحد، لا أقبل أن أرى لوحة رسمتها في الستينات من القرن الماضي تشبه لوحتي عام 2017، وأحاول أن أكون عالميا بأداء عراقي وعربي”.

ويرى حسن أن الحركة التشكيلية العراقية تعتبر من أهم الحركات الفنية في الوطن العربي، لما لها من تاريخ وأصالة في ما ضمت من نخب فنية ممتازة وصلت إلى العالمية، وما حوته من إبداعات وأعمال تضاهي أعمال كبار الفنانين في العالم، كما كان لهذه الحركة تأثير كبير على معظم حركات الفن التشكيلي في الوطن العربي، وخصوصا الأقطار المجاورة للعراق.

وزخرت الحركة بأسماء بارزة في مجالات التشكيل كافة، أمثال الفنان الراحل جواد سليم صاحب النصب المشهور والذي أصبح رمزا لبغداد، والفنان الراحل فائق حسن وحافظ الدروبي وإسماعيل الشيخلي، كما أبدع الفنان محمد مهر الدين في حركة التشكيل الحديثة، وظهرت جماعات فنية كثيرة في فترة ستينات القرن العشرين وسبعيناته ملأت الساحة الفنية بالنشاط والحيوية والتنافس الحر.

أما الآن، يقول فاروق حسن، فقد “باتت الحركة التشكيلية العراقية تعيش ‘شبه خريف’ بسبب ما جرى من أعمال نهب وسلب للمتحف الوطني في عام 2003، وموت وغياب الكثير من الفنانين البارزين، إضافة إلى مغادرة الكثيرين منهم أرض الوطن والعيش في المهجر”.

ومع ذلك، يقر حسن بأن الفن التشكيلي العراقي “يمرض لكنه لا يموت”، وذلك “بظهور بعض الفنانين الشباب وتحمسهم لإعادة الحركة إلى أول عهدها وريادتها، وخاصة بتشجيع ورعاية مؤسسات فنية كجمعية التشكيليين العراقيين، وبعض مؤسسات المجتمع المدني وإدارات قاعات العرض الخاصة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر