الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

شاعر مغربي يغامر جهة القصيدة التي تخفي أكثر مما تظهر

  • من أبرز الجوائز الشعرية العربية نذكر جائزة الأركانة المغربية للشعر، التي تقدمها جمعية بيت الشعر المغربي للشعراء العرب والأجانب العالميين وذلك تقديرا لإنتاجهم الأدبي والفكري واعترافا بما قدموه في هذا المجال. وكانت الجائزة في دورتها الأخيرة 2016 قد منحت للشاعر المغربي محمد بنطلحة الذي تسلمها أواسط شهر فبراير الماضي.

العرب حسونة المصباحي [نُشر في 2017/03/17، العدد: 10574، ص(14)]

تسلم محمد بنطلحة لجائزة الأركانة للشعر

بتتويجه بجائزة الأركانة للشعر في دورة عام 2016، وبإصدار بيت الشعر المغربي لأعماله الشعرية الكاملة، إضافة إلى العديد من كتبه النظرية حول الشعر، وحول تجربته الشعرية التي بدأت مطلع السبعينات من القرن الماضي، يكون الشاعر محمد بنطلحة المولود في مدينة فاس عام 1950، قد اكتسب المكانة اللائقة به ضمن قائمة شعراء الحداثة، لا في بلاده وحدها، وإنما في العالم العربي.

تتويج بنطلحة يتيح له كلّ هذا الخروج من دائرة العزلة والصمت التي اختارها لنفسه منذ بداية مسيرته، ليصبح أكثر اقترابا من القراء وأحباء الشعر، ولتوفر أعماله لهؤلاء فرصة اكتشافه هو الشاعر الصعب المراس الذي يغرف من منابع متعددة، من الفلسفة، ومن الرواية، ومن السينما، ومن الفنون التشكيلية ومن الحياة في جوانبها المعتمة والغامضة غموض شخصيته وغموض عالمه الشعري. وهو عالم يُحيلنا إلى الشعراء الذين يحب أن ينتبه إليهم مثل مالارميه، وسيلفيا بلاث، وإيميلي ديكنسون، وربما بورخيس إذ أنه مثله يرتاد الأطلال ليبحث عن نفسه في متاهاتها.

على الشاعر أن يلتزم الحذر في كل خطوة يخطوها، وعليه أن يعرف كيف يضع الكلمة المناسبة في المكان المناسب

كتابة المحو

في كتابه “الجسر والهاوية-سيرة شعريّة”، يشير محمد بنطلحة إلى أنه استشعر وهو طفل، توترا بين الكلمات. وكان عليه أن ينتظر وقتا طويلا لكي تتوفر له الأداة الكافية للتخفيف من ذلك التوتر، أو لنقضه تماما. ولم تكن تلك الأداة غير الشعر الذي انجذب إليه بشدة بعد أن قرأ قصيدة للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي الذي كان أول شاعر ينال إعجابه.

في البداية كان محمد بنطلحة يعتقد أن الشعر” تغيير في نظام الأشياء”، لكن حين شرع في متابعة مجلة “الآداب” البيروتية، تأكد له أن الشعر “تحويل عارم للأنساق وللقيم، وأنه لغة تتغذّى بشراهة من ظلالها”. وفي كلية الآداب بفاس، طرح على نفسه السؤال التالي: من أين تنبثق القصيدة؟ وبنفسه أجاب على السؤال قائلا “لها-أي القصيدة- أن تنبثق من حُطامها أو من حتفها الصاعق المسيّج بالنفايات والأنقاض وفلتات اللسان. قطرة الماء وهي جمرته. كلاهما لا يستقرّ بين الأصابع. حفيف يلغي نفسه بنفسه. ينبثق فجأة ثم يضيع في رمشة عين”.

منذ ذلك الحين أصبحت قيمة القصيدة تكمن عنده “في ما تخفيه، وليس في ما تبرزه عن قصد”. وما يهمه هو أن “تأتي القصيدة من مستقبلها وليس من ماضيها”، لكي تظل “مفتوحة على أيّ طارئ أو هامش يمكن أن يوفر لها حريتها وطراوتها”. من هنا ندرك لماذا يميل محمد بنطلحة إلى ما يسميه “كتابة المحو”. وهي كتابة تناسب “مزاجه المتقلب”، كتابة قابلة للمراجعة، وللتشطيب، وللتقويض، ولهتك الأحجبة، وتمزيق الأقماط في أي لحظة. وذلك القلق الكامن دائما في أعماقه يجعله “لا يستريح أبدا إلى ما يكتبه، أو كان قد كتبه”.

قصائد مشبعة بالشعرية العربية

وإذا ما كان الشعر عند الآخرين أداة لتبديد القلق، فإنه يصبح عند محمد بنطلحة مضاعفا للقلق، ومكثقا له. ولعل لجنة جائزة الأركانة كانت محقة عندما كتبت في تقريرها تقول “يكتب محمد بنطلحة قصيدته بكامل التأني الذي يُوجبه الصبر الشعري. وفي هذا الصبر الشاق، يمحو الشاعر في كتابته الشعريّة أكثر ممّا يُبْقي، أو على الأصح، فهو يبقي ما يبقيه من كتابته ماحيا (…) لا تستقيم الكتابة عند محمد بنطلحة إلا بالمحو”.

طريق خطرة

منذ مجوعته الأولى “نشيد البجع”، يتجلى لنا محمد بنطلحة شاعرا مسكونا بحزن عميق، حزن الشعراء في أوقات الشدة والضيق. ففي دمعته الأخيرة “وارى حبّا مات في وهج الظهيرة”، وعن وجهه “جرح نزّ في الشفتين”. والأشجار “شحّت بالثمر اللذيذ فليس غير الحنظل المر”. ولا صوت سوى “خطى الصمت وصدى هديل يقرع البابا”. ولا شيء غير “عواصف الريح تأتي مخضبة بلون الحزن” تحمل الشاعر على “فرس من ريح”. إلاّ أن حزن بنطلحة لا يمنعه من الغناء. وغناؤه لا يشبه غناء البجع الذي يطلقه عندما يوشك على الموت، بل هو غناء “يناقض الجانب الجنائزي والمكتئب”. وهو غناء لـ”هزم الموت بالنشيد الذي يبعث الدفء في أوصال البجع فإذا به ينتفض، يمدّ أجنحته إلى أعلى” فيذوب الجليد وينبثق مصير جديد.

لا يحبّ بنطلحة أن يكون الشعر طريقا سهلة يسير فيها الشاعر مكتنفا بالأمان والطمأنينة، وإنما يبتغيها ملتوية، محفوفة بالمخاطر، فيها تكثر الكمائن والأسلاك الشائكة. لذا على الشاعر أن يلتزم الحذر، وعليه أن يعرف كيف يضع الكلمة المناسبة في المكان المناسب. فالكلمة في الشعر مثل إشارات المرور، إنْ لم تحترمها تعرّض نفسك للخطر، لذلك يرى بنطلحة أن قَدَرَ الشاعر الحقيقي هو “أن يهرمَ وهو يسير في غبار تلك الطرق الملتوية حيث لا نجمة ولا دليل أزرق”.

وفي العديد من قصائده، يبدي محمد بنطلحة نفورا من “الماضي العربي المجيد” ، ويرفض أن ينتسب إلى سلالة الأبطال والنبلاء وصانعي التاريخ. وحده الشعر يمنحه القيمة والنبل والمجد. لذلك هو لا يخشى أن يكون “سليل الهمج”، وأن تكون ولادته في مقبرة قد تكون صورة لفاس القديمة التي أفل نجمها وذوت أيام عزها. كما لا يخشى أن يموت في حانة على غرار الشعراء البوهيميين وجوابي الآفاق. وككائن هيروغليفي يعيش مع الكلمات وبالكلمات. “يبيع الخمر للموتى”. وفي أوقات الشدة يقول للحضارة “لست أمي”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر