الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

ديريك والكوت الشاعر الذي قاد الأوذيسة الكاريبية في بحار العالم

  • شاعر مجيد ومسرحي ورسام وناقد تشكيلي وأكاديمي بارع ذلك هو ديريك والكوت صاحب “طائر البلشون الأبيض” الذي ودع عالمنا يوم أول من أمس، وهو الشاعر الذي أطلق في صوته أصوات الكاريبي وعذوبة الكاريبيين وجمالهم الروحي العميق، وصوّر في تراثه الشعري الخلاق عذابات عهود الاستعمار وآلام العبودية والقهر والكفاح لأجل الحرية. إنه شاعر الزمن الكاريبي الجديد وقد مزق بشعره المجدد حائط الصمت عن صرخات العهود المتعاقبة التي أسرت الفضاء الإنساني في تلك البقعة المدهشة من العالم، وهو، أخيراً، النوبلي الذي حمل تلك المغامرة الخلاسية المبدعة للكاريبيين إلى كل مكان في الكرة الأرضية، وأدخل بشعره الأوذيسة الإنسانية الكاريبية إلى تراث الشعري العالمي.

العرب هالة صلاح الدين [نُشر في 2017/03/19، العدد: 10576، ص(15)]

ديريك والكوت.. رحيل طائر البلشون

أعظم شعراء الكاريبي يغادر

شهد الشاعر والرسام ديريك والكوت غربةً ناعمة آثرها قصيةً عن مولده في سانت لوسيا عام 1930 بيد أنه عندما انصرف عن الحياة غادرها مواطناً كاريبياً مكتمل المواطنة. لم يخلف فناً إلا وأناره، ترجل عن الشعر فألَّف مسرحاً ومن المسرح قفز إلى الصحافة فالنقد فالفن التشكيلي، كما درَّس في أشهر جامعات العالم ومن بينها جامعتا كولومبيا وهارفارد.

فتَّت شعر والكوت رماديات الزمان والمكان في البحر الكاريبي المناقضة لجمود الأبيض والأسود، جمود الثلاثي المعهود، العبودية والقهر والعوز، فكانت جائزة نوبل التي نالها عام 1992 عن “تعقد حالته” و”بهائه المجيد”. يتسم شعره برونق متفرد وفي الوقت ذاته بقوة لا يستهان بها. أسلوبه رخيم النبرة وحساس الوقع، أجمع النقاد أنه مذِّكر بشعراء العصر الإليزابيثي.

عبودية مجروحة

ردد شعره -المبكر والناضح على حد سواء- أصداء الإنكليزيين دابليو إتش أودن وشكسبير الذي تجرأ على نقده وإعادة تقييمه ضارباً عرض الحائط بتجذّره الشعري في التاريخ. كان يقول إن “الخوف من التقليد يخيف الشعراء الصغار وحدهم”. ولكن هذه اللامبالاة جعلت أبياته شبيهة بالبطاقة البريدية “أتمنى لو كنتَ هنا!”. في قصيدة “حياة أخرى” (1973) تطالعنا عبوديةٌ مجروحة أهلكها الشعراء حديثاً وميثودية تربى والكوت على قوانينها وإن كانت لا تعنينا في شيء:

أبصر والكوت نور الميثودية حقاً، وعلى خطى أمه تملكه الرضا في إيمان بريء كان فيه من الطفولة الجذلة ما اعترف به عن طيب خاطر

الشرفات، فيها صفحات البحر

ما هي إلا كتاب تركه مفتوحاً

سيدٌ غائبٌ

في منتصف حياة أخرى –

أبدأ هنا من جديد،

أبدأ حتى يصير هذا المحيط

كتاباً مغلقاً، ومثله مثل مصباح،

تخبو فتائل القمر الأبيض.

نعمة الميثودية

أبصر والكوت نور الميثودية حقاً، وعلى خطى أمه تملكه الرضا في إيمان بريء كان فيه من الطفولة الجذلة ما اعترف به عن طيب خاطر. على ذاكرته انثالت تراتيل كنسية شدا بها الصغار، “هناك تل أخضر بعيد” و”القدس الذهبية” والوعد بابتهاج ردهات صهيون بالأغنية. “أواه أيتها البلد الحلوة المباركة، هل سأرى وجهك أبداً؟ أواه أيتها البلد الحلوة المباركة، هل سأفوز بنعمتك أبداً؟”

وفي قصيدة “خطاب إلى بروكلين” من ديوان “في ليل أخضر” تكتب عجوز لراوي القصيدة “بأسلوب عنكبوتي، وكل شخصية ترتعد”، عن أبيه الراحل وعن ثقته اللامحدودة في أنه يتربع مكاناً في الجنة. “ومرة أخرى يتولاّني الإيمان، أؤمن بكل شيء، فلا أحزن لموت رجل”.

يتغلغل في قصيدته الملحمية “أوميروس″ (1990) سردٌ روائي يجمع بين العنف المجاني والجمال الخصيب. تنهل القصيدة من إلياذة هوميروس، ومع ذلك يصدح منها الإيقاع قبل الفكر والنغمة قبل الواقع الضبابي. قد نلفى صدى عالياً ينبعث من “الرجال التافهين” ثم تذكرة برؤية أشعياء لصهيون في سطر واحد، وبعدها أخيل الذي يتنقل على بغتة إلى جزر الهند الغربية.

في أحد فصول “أوميروس″ المشؤومة، تتضح لنا نسخة والكوت الزاخرة بالامتنان من شعر ت. س. إليوت حين كان يصف لقاءه بشبح أبيه وارويك، فتنقلب حديقة إليوت المفعمة بالزهور الصوفية حقلاً من الأعشاب الميتة مع والكوت، وفيها “ينبعث الماء أنهاراً أنهاراً”.

في قصيدة والكوت الملحمية “أوميروس″ (1990) يتغلغل سردٌ روائي يجمع بين العنف المجاني والجمال الخصيب

أوج الحزن

إن الفسيفساء الثقافية واللغوية لمسقط رأس والكوت تنعكس غرائبيةً على أبياته التي ألفاها في خير حالاتها “وهي في أوج الحزن.” يستهل ديوانه “في ليل أخضر” (1962) بفاتحة تشي بوطن مذبوح أركانه بأذيال التيه:

أنا، برجلين متربعتين إزاء ضوء النهار،

أرقب قبضتيّ السحب المُبَرْقَشة

المحتشدة فوق القسمات الجافية لهذه الجزيرة.

جزيرتي المسطحة.

هيمنة أبدية

لا يبرأ مسرح والكوت الخصب من كوميديا تراجيدية تدين القاصي والداني وإن لم ينل منه اليأس عند أول عقبة. كان قد انتقد هيمنة لندن على الحياة المسرحية البريطانية، بل والعالمية. وحينها احتار النقاد، أهو يدأب على انتقاد بريطانيا الثقافة أم بريطانيا المحتلة؟

في مسرحية “حلم على جبل الحمار” الفائزة بجائزة أوبي عام 1971 لمح أرضاً وطأها المستعمر، تلطخت بفقدان الذاكرة والعبودية، فكانت عارية من السكينة كعري ساقيه الشهيرتين في بعض صوره. ولكن عبقريته لم تظهر إلا عام 1973 مع نشر ديوانه الرابع “حياة أخرى” الذي يسرد أصداء من سيرته الذاتية ويمزج الطبيعة الصاخبة بعالم حسي يتعمد أن يقطن أفراده في قصور من الوهم.

هوية إيجابية

الحق أن هناك تيبسا غير خافٍ في استحضار والكوت المتتابع للكولونيالية. يتكشف لنا منذ ديوانه المبكر “في ليل أخضر” (1962) في قصيدة “كجون إلى باتموس″، وبعدها في قصيدة “جزر”.

أواه أيها العبد، أيها الجندي، أيها العامل

أسفل الأشجار الحمراء النائمة،

اسمع ما أحلف به الآن، كما فعل جون:

أطري على الحب، الأحياء والموتى البنيون،

أسعى،

كما يسعى المناخ إلى أسلوبه، أن أكتب

نثراً هشاً كالرمال، رائقاً كضوء الشمس،

بارداً كالموجة المتكسرة،

عادياً ككأس من مياه الجزيرة.

وفي ديوان “مملكة التفاح النجمي،” يعلو صوت الراوي فوق وصفه لنفسه كزنجي:

عبقرية والكوت لم تظهر إلا عام 1973 مع نشر ديوانه الرابع 'حياة أخرى' الذي يسرد أصداء من سيرته الذاتية ويمزج الطبيعة الصاخبة بعالم حسي يتعمد أن يقطن أفراده في قصور من الوهم

أنا مجرد زنجي أحمر يحب البحر،

تلقيت تعليماً كولونيالياً جيداً،

في باطني الهولندي والزنجي والإنكليزي،

إما أنا نكرة أو أمة.

وكلمتا “إما” و “أو” تعيدنا صاغرين إلى عبارة “مجرد زنجي أحمر”، وترغمنا على اختيار أحدهما. هذا ما يعنيه النقاد حين يباشرون إعادة تعريف ما بعد الكولونيالية. يعنون أن هدفها هو تحديداً التأكيد على هوية إيجابية في مواجهة الإهانة، وبلغة الإهانة في الوقت ذاته؛ انتصار الزنجي ولمعان سيرته.

يعتبرها النقاد تحدياً للحماقة البليدة والتحامل العنصري غير أنها في حالة والكوت أشد بهجة ومجداً من هذا التعريف المباشر. لم يعرِّف والكوت نفسه أبداً ككاتب أسود وإنما ككاتب كاريبي. وديوان “مملكة التفاح النجمي” ما هو إلا احتفاء بكاريبيته، “بلعب الشمس على صفحة البحر والرمال”، “رياح تنير الأحجار البيضاء،” “أحجار تنير بطبيعتها المتحجرة،” “اليوم المشرق، الصبا المترقرق”، “القرص الذهبي تحتويه كرة من النداوة البلورية”، بل إن هناك وفرة في ضوء متوازي الأضلاع يرقد على أرضية المطبخ.

حاضر أزلي

هناك لا يكف والكوت عن العودة إلى الشاعر الإنكليزي جون كلير، “جون كلير، اغفر لي”. لا يمسك عن إقحام الشاعر بعد الآخر بين السطور، تلك الصحبة الطيبة. والصاحب الحقيقي كان الإنكليزي جيرارد هوبكنز الذي اقتبس منه والكوت ما اقتبس وأسر في تذكرته فورانَ “عظمة الله”.

لقد استوعب الحاصلُ على منحة العبقرية من مؤسسة ماك آرثر الوقتَ استيعاباً لا يبدو كونياً في الظاهر، وإنما يليق بجزيرته وحدها. لا يعني هذا ضيق الفكر، فقد استغل المحدود ليعبر عن الأشمل “المشهد هنا خالٍ من السردية، فيه يكمن الفعل الحاضر على الدوام. هناك تفعيلات شعرية مختلفة، أبعاد مختلفة. ليس لدينا فصول. الإشراق يطغى على كل شيء، طيلة الوقت. إنه صيف أبدي. إن لم يكن لديك تلك التقسيمات الموجودة في المناخات الأخرى، كيف لك أن ترصد الوقت؟ ماذا سيحل بفلسفتك؟ تاريخك؟ فنك؟ إنك تعمل مع “حاضر” أزلي، تعمل مع دهشة متجددة”.

طنانة فلكلورية

وبعد نشر قصيدة “تجربة مختلفة عن أفريقيا” طفق النقاد يدعون والكوت “بسيد الطنانة” الفلكلورية. والحق معهم، فأحياناً ما تزعجنا قدرة والكوت الهائلة على البلاغة واستغلال علم البيان. بين سطور القصيدة تبرز الكلمات المزوقة والمنمقة كشمس بلاده، وجمل عامرة بعلامات تعجّب لا داع منها على الإطلاق. لم يحاول والكوت صد هذه الادعاءات أو فك أغلال التهمة بأنه متحذلق! تابع مرفوع الرأس خلق لغة متباهية يعيبها الإسراف والإسهاب، شأنه شأن أستاذه أودن. تلك اللغة التي عدَّدها أحد النقاد “اعتداء على الحواس”!

ديوان 'طيور البلشون الأبيض' يكشف عن ولع والكوت بالتجريب ومقته للاستعمار كما فهمه المؤرخ روبين بلاكبيرن الذي كثيراً ما استعار جمله في أحاديثه

حياتي، مبكرة ولا شك على السيجارة العميقة،

مقبض الباب المستدير،

السِكينة تدور في أحشاء الساعات.

مرة أخرى تمسح الضرورة البهيمية يديها

في منديل القضية القذرة، مرة أخرى

إهدار لعاطفتنا.

سجن روسي

إن شعر والكوت بمثابة بوتقة لشعراء العالم. لا تخشى قصيدته “غابة أوروبا” عن الشاعر الروسي ماندلستام استلهام اتحاد مثالي جمع بين منفى الشاعرين الروسيين ماندلستام وجوزيف برودسكي الذي يوجه إليه الخطاب في القصيدة. وفي ثناياها تحليل ثاقب لغربة والكوت “المختارة”.

الغريب أن الشاعر القدير شبَّه الجزر الكاريبية بسجن روسي ضم ماندلستام ولسان برودسكي المتحدث بالإنكليزية. وأبياته وفقاً للناقد الإنكليزي جيمز وود “تصك نفسها في تشبيهات مجازية تنطح نطحاً، وهي نفسها علامة تكريم لقدرة ماندلستام المجازية العظيمة”.

رد له برودسكي المعروف عندما هاجم منتقدي والكوت ممّن أطلقوا سهامهم على “مكانة الشاعر المحلية”. تحليل المغترب الروسي هو أنهم يبصرون اللغة الإنكليزية وكأنها امتياز، ومن ثم فهي حكر على الرجل الأبيض، “عازفون عن الاعتراف أن شاعر اللغة الإنكليزية العظيم رجل أسود!”.

تاريخ صدامي

لا يخفى عن المعنيين بالأدب التاريخ الصدامي بين الشاعر الراحل وفي إس نيبول حامل نوبل أخرى في الأدب. ولكن الحق يقال نيبول كاتب يستحضر الأرواح! ولكن والكوت يكفيه أنه صاحب ديوان “طيور البلشون الأبيض” (2010) الفائز بجائزة ت. س. إليوت. ديوان لا ترهبه المخاطر، وصفه الحكام بأنه “تقنياً،لا تشوبه شائبة”. يكشف عن ولعه بالتجريب ومقته للاستعمار كما فهمه المؤرخ روبين بلاكبيرن الذي كثيراً ما استعار جمله في أحاديثه. والفرق بين والكوت ونيبول يتجلى في مقولة باسكال يوماً، “عندما تكتشف أسلوباً طبيعياً، يخالجنا الاندهاش لأننا نتوقع أن نلتقي بكاتب غير أننا وجدنا إنساناً”. وبالرغم من عجرفة والكوت الصادمة، وبالرغم من تصريحه المرة بعد المرة أنه لا يود أن يصبح شاعراً، وإنما “مختارات أدبية”! يظل والكوت إنساناً.

“هذه السطور التي أكتبها الآن”، “دعني أكتبها”، “دع هذه السطور” -قبل أن تبحر في العالم الأرحب- “تقابل وتحيي وتبهر”:

عند نهاية هذا السطر يقف باباً مفتوحاً

يشرف على شرفة زرقاء سيستقر عليها نورس

بأصابع معقوفة، وقتذاك، مثلها مثل صورة تخلف فكرة.

كاتبة من مصر

اقرأ

اختيار: الرجال الذين مازالوا يغنون لحواء التي أحبت آدم

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر