الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

كتّاب تونس يحتفون بمرور 150 عاما على وفاة شارل بودلير

  • من يتحدث عن الشعر في مساره العالمي لا يمكنه أن يغفل اسم الشاعر الفرنسي الرائد شارل بودلير، الذي غير مفهوم الشعر وفتح آفاقا جديدة فيه، شاعر قطع أولى خطوات الشعر في اتجاه قصيدة النثر، واستنبت جماليات جديدة من عناصر مستحدثة. فضل بودلير على الشعر العالمي وتأثيره ما زال قائما إلى اليوم حيث لا يموت الشعر البعيد عن سطوة الزمن.

العرب حسونة المصباحي [نُشر في 2017/03/20، العدد: 10577، ص(14)]

شاعر استخرج الجمال حتى من الشر

الاحتفاء بمرور 150 عاما على وفاة الشاعر الفرنسي شارل بودلير(1821-1867) سيكون من ضمن الفقرات الهامة في برنامج الدورة الـ33 من معرض تونس للكتاب. وباستثناء الشاعر المنصف الوهايبي، سيكون جميع المدعوين لتنشيط هذه الفقرة أساتذة جامعيّين. معنى ذلك أن الاحتفاء بصاحب “أزهار الشر” على الطريقة التونسية جاء مُتناقضا كليا مع روحه، ومع عالمه الشعري الذي كان ولا يزال خارج التصنيفات الأكاديمية، وخارج القوالب التي يرغب المختصون، أو من يسميهم هو “الأساتذة المُحلّفين”، في حبسه فيها.

وحتى هذه الساعة، لا أحد من الذين تخصصوا في دراسته تمكن من أن “يقبض” على أسراره. فهو دائم التحليق بعيدا، ودائم القدرة على الاختفاء والتملص من التصنيفات الجاهزة مثل كل مبدع كبير. وهو الذي شارك بحماس في ثورة 1848، وطالب المتمردين بإطلاق الرصاص على الجنرال أوبيك الذي كان يمثل الطبقات الرجعية، تراجع بعد أن تجاوز سنّ الثلاثين عن حماسه الثوري، ليهتم بالشعر والفن، ولن يحيد عنهما حتى اللحظة الأخيرة من حياته.

الجرح والسكين

صحيح أن بودلير كتب نصوصا بديعة عن الفنانين الكبار الذين تميّز بهم عصره. وصحيح أيضا أنه انشغل بترجمة قصص الشاعر الأميركي إدغار ألن بو، إلاّ أن الكتاب الذي شغله أكثر من غيره من الكتب، كان “أزهار الشر” تماما مثلما سيكون الحال في ما بعد مع والت ويتمن في “أوراق العشب”. لذلك أمضى الشطر الأكبر من حياته في نحت قصائده، وتعديلها، وفي الشطب والمحو، وفي الحفر في الكلمات، وفي نقشها ليكون الكتاب”البداية والنهاية”. وكان يبرر عمله الدؤوب هذا بالقول إنه من العسير استخراج الجمال من الشر.

ولكن ما الجمال بالنسبة إلى بودلير؟ إنه ذاك الذي يُحيلنا إلى “طريقة جديدة في الإحساس وفي الشعور”. وليس ذاك الذي يرسم له “المختصون” قواعد محددة ومضبوطة ليكون “وحدة شاسعة رتيبة، عادية، وهائلة مثل الضجر والعدم”. معنى هذا أن الجمال يفترض التنوّع، والاختلاف، والتعدد، والدهشة الدائمة، والخروج عن المألوف، والغرابة التي تثير الذهول. وعكس ستاندال الذي كان يقول إن “الجمال وعد بالسعادة”، كان بودلير يرى أنه -أي الجمال- لا يمكن أن يتوفر من دون الشقاء، ومن دون الشر، ومن دون العناء. لذلك كان قلب بودلير يتأرجح بين اللطف والحنان، وبين القسوة والسخرية المرة.

وفي مطلع قصيدته “القديمات الصغيرات”، كتب يقول “في الثنايا المتعرجة للعواصم القديمة، حيث كلّ شيء، بما في ذلك الهول، يتحول إلى مصدر للابتهاج، أترصّد، مُطيعا لأمزجة مشؤومة، كائنات غريبة، منهوكة، وظريفة. تلك الكائنات المرعبة المتصدّعة، ولو كانت نساء من قبل، إيونين أو لايّيس. كائنات مُرعبة مُحطمة، حدباء، أو مجنونة، لنحبّها. فلا تزال لها أرواح، تحت التنورات وتحت الأقمشة الباردة”.

لا حدود للزمان والمكان ولا بين الأشياء

صغيرا أحسّ بودلير بـ”عواطف ومشاعر تتأرجح هي أيضا بين النفور والرعب من الحياة، وبين الابتهاج بها”، عواطف ومشاعر تصعد به إلى الصفاء الإلهي حينا، وحينا آخر تهبط به إلى حيث الحيوانية الشيطانية. لذلك هو يقول إنه “جلاّد نفسه”، و”الجرح والسكين”، وهو”الخدّ والصفعة”، و”الجلاد والضحية”. التناقض ركن أساسي في حياته وفي عالمه الشعري، بل هو الحق الذي يطالب به دائما وأبدا، ومنه يتغذّى روحيا وشعريا، وبه يعيش في حياته اليومية متسكعا في باريس التي تبدو له أحيانا شبيهة بسدوم الآثمة، ومرة تتجلى له شبيهة بروض للسعادة والحب والنشوة.

المثالي والواقعي

واصفا حالته وهو يكتب قصيدة من قصائد “أزهار الشر”، كتب بودلير يقول “عندما تضرب الشمس القاسية بخطوط مضاعفة على المدينة وعلى الحقول، على السقوف وعلى سنابل القمح، أنصرف لأنشغل وحدي بمسابقتي العجيبة، متشمّما في كل الأركان مصادفات القافية، مُتعثّرا في الكلمات مثلما أتعثر على بلاط الشوارع، مصطدما أحيانا بأبيات كنت قد حلمت بها منذ زمن بعيد”.

ومخاطبا قصائده، كتب بودلير يقول “أيتها الملائكة المكلّلة بالذهب، وبالأرجوان وبالحجر الكريم، آه يا أنتنّ، كنّ شاهدات على أنني أدّيت واجبي، مثل كلّ خيميائي ومثل كل روح مقدّسة إذ أنني من كلّ شيء استخرت الجوهر والخلاصة. لقد منحتنّني الطين وأنا من الطين صنعت الذهب”.

وفي قصائده يولي بودلير الصورة والاستعارة اهتماما كبيرا، ويمجدهما لأنهما “عشقه الدائم والحقيقي”. وجميع الصور والاستعارات تعكس أمزجته المتقلبة، وحياته المضطربة. لذا هو غالبا ما يشعر بأن كل شيء يتحول عنده إلى استعارات وإلى صور رمزية. والطبيعة من حوله تصبح “غابة من الرموز”، والمثالي يتحاور مع الواقعي، والعكس بالعكس، والروائح والألوان والأصوات تتنادى وتتجاوب مع بعضها البعض، وبودلير يتحاور مع شعرائه المفضلين في كل الأزمنة، وفي كل اللغات والثقافات.

فلا حدود في الزمان ولا في المكان ولا بين الأشياء، ولا بين الأجناس والطبائع. والكون المرئي والملموس ما هو في الحقيقة إلاّ محل كبير من الصور ومن الإشارات يمنحها خيال الشاعر واقعا وحقيقة. والخيال عند بودلير هو “ملكة الحقيقي والواقعي”. وهو دائما في حوار مع اللانهائي، ومع المطلق. والشاعر تؤرقه وتعذبه من دون انقطاع رغبة في الكشف عن المخبوء في أغوار النفس والطبيعة والمدينة بكل ما فيها، وفي السعي الدؤوب لبلوغ المطلق.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر