الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

نصوص شعرية يدخلها القارئ شخصا ويخرج منها شخصاً آخر

  • سواء أكانت المفارقة الإبداعية منطقيّة أم بصريّة، تعالج اللاّنهائيّ خيارا أم تمشّيا علميّا فهي تسحرنا وتذهلنا. وهي تنقلنا إلى ما وراء حدود الإدراك والفكر الإنسانيّين. ومع ذلك فإنّ أهمّيتها لا تكمن فقط في المتعة الذّهنيّة التي يمنحها التّعامل معها؛ إذْ تتكشّف المفارقة في أغلب الأحيان أقلّ عبثا ممّا كانت تبدو عليه.

العرب أشرف القرقني [نُشر في 2017/04/12، العدد: 10600، ص(14)]

شاعر يعيش المفارقة بين براءة الماضي وقسوة الحاضر (لوحة للفنان إسماعيل الرفاعي)

خلال العشرات من قصائد النّثر التي كانت قصيرة في مجملها، استطاع الشاعر السوري ميثم راضي، في مجموعته الشعرية الأخيرة “كلمات رديئة”، أن يستضيف قرّاءه إلى ما تخلّفه الحرب والأهوال في قلب شاعر وما تحدثه من تحوّلات عميقة في نظرته إلى الكون.

وقد راوح في ذلك بين ما يجمعه بأهله الذين شاركوه “حوض المصائب الكبير” إذ يقول “ولقد كنت عذبا وعميقا بما يكفي…/ لنربّي مصائبنا داخلك كأسماك صغيرة للزّينة”، وبين أنا الشّاعر التي تنفتح على غير ما تنفتح عليه الذّوات الأخرى من “تلعثم” بليغ “تُحاولُ الكلام/ مثل طفل لم يعرف نارا أكبر من عود ثقاب/ وعليه الآن…/ أن يصف غابة كاملة تحترق”.

زمنان متناقضان

تنشدّ معظم قصائد “كلمات رديئة”، الصادرة عن منشورات المتوسّط، إلى زمنين مختلفين تنتظمهما المفارقة التي يطّرد حضورها بشكل لافت لا باعتبارها مجرّد خيار أسلوبيّ خطابيّ، بل بوصفها موقعا في العالم يتّصل بنمط الحضور فيه وتمثّله.

الزّمن الأوّل هو زمن الطّفولة بكلّ عوالمه العميقة إنسانيّا والمشرع على الحياة والأمل وآفاقهما البعيدة. إنّه زمن اليوطوبيا بامتياز، تجتاحه الحكاية الخرافيّة اللذيذة التي يتعامل معها الطّفل بجدّيّة وإيمان صادق.

وكما يقول في قصيدته “النّعاس في مجرّة أخرى”: عندما كنّا صغارا وجدنا خرزة على الأرض/ قال: هذه الخرزة سقطت من الله/ تعال لنعيدها له/ لا بدّ أنّه يحتاجها ليصنع منها كوكبا بعيدا/ وبقينا نرميها نحو السّماء لمدّة ثلاثة أيّام… في هذا الزّمن تمّحي الحدود بين المتخيّل والواقعيّ ويهيمن الحلميّ والشّعريّ بوصفه ما هو كائنٌ.

النصوص الشعرية في هذا الكتاب تقوم على زمنين هما زمن الطفولة المشرق وزمن البلوغ والاصطدام بمفارقات الواقع

أمّا الزّمن الثّاني فهو زمن الكبر والبلوغ والاصطدام بتلك المفارقة التي تكمن بين العالم القديم المتمثَّل بقلب طفل والعالم منكشفا وعاريا. وتعتبر الحرب بكلّ بشاعاتها اللامحدودة في قصائد ميثم راضي أحد العوامل الرّئيسية التي تسكن هذه المفارقة وتجعلها تتجلّى للقارئ ناتئة ومتوحّشة.

يقول “كما الآن../ ألمحه أحيانا، وسخا ومتعبا من النّاس../ يخرج الخرزة من جيبه ويحدّق بها.. ثمّ يستلقي على أيّ رصيف/ وينام في مجرّة أخرى”.

لعلّ مكسب القارئ إذ يغادر جزئيّا هذه القصائد أن يخرج بصفعات وكدمات على وجهه تظلّ تذكّره بأنّه ينتمي إلى هذا العالم البشع صاحب “الأيّام التي لا يمكن التّعبير عنها”، (تلك الأيّام، ص 67).ماذا يفعل الشّاعر إذن في هذا الكتاب إن كان لا يمكن لأيّامه أن يعبّر عنها؟

إنّه يدوّن محاولة خلقها من جديد في اللّغة وعلى نحو فنّي بوصفها إشارة حارّة إلى ما لا يقال في أيّامنا المغرقة بدماء الأطفال ورؤوسهم المقطوعة. وفي هذا المستوى تستعيد الكتابة الحديثة عمقها الفلسفيّ. فلا مجال للخطابة والصّراخ الذي امتلأت به أرواحنا وآذاننا. لا مكان يتّسع لزركشة بلاغيّة أو حذلقة بيانيّة.

تتخفّف قصائد النّثر التي يكتبها ميثم راضي -مثلما كانت منذ بداياتها الأولى وخاصّة مع بودلير- من غنائيّة فجّة. إنّها تخلق مسافة تبعدها عن الخطابيّة وفق منظورها القديم القائم على تزيين بديعيّ لمعان جاهزة أو مولّدة.

قصائد تتنفس هواء الحروب

الذّات المنشئة في القصائد تتحدّث بصوت خافتٍ وبعيدٍ. إنّه صوت هادئٌ يتسرّب إلى القارئ وفي اكتمال الصّور التي يرسمها ووحدة رسمها تُسمع انفجارات بعيدة في الدّاخل. على هذا النّحو تطرح النّصوص الشّعريّة في هذا الكتاب نفسها إمكانا لعالم لا يغادره القارئ مثلما دخله سواء على المستوى النّفسيّ أو أعمق منه في مستوى نظرته إلى الأشياء.

القرية العجيبة

انبنت مجمل قصائد المجموعة التي وسمها صاحبها على الغلاف بـ”قصائد نثر” على ما يمكن أن أسمّيه السّرد الشّعريّ. ثمّة حكاياتٌ يقصّها وفق نظرة شعريّة. يحملها انطلاقا من ألفتها المعهودة إلى متخيّل عجيب وغريب يحقّق صدمة ومفاجأة ويفضي في النّهاية إلى استفزاز القارئ ودفعه إلى الدّهشة أو التّساؤل أو النّظر على نحو جديد إلى الأشياء والعالم. كلّ هذا دون أن يغادره حسّه المفارقيّ المتأصّل والطّريف.

“قطَع الأثاث الخشبيّة أيضا تكاتب الغابة…/ مثل أبناء بعيدين يكاتبون أمّهاتهم/ وحدها الشّجرة التي صنعوا من ابنها تابوتا/ لا يصلها أيّ بريد”، كما يقول في نص “رسائل الأثاث”.

ولعلّه من الموفّق أنّ القصيدة التي ذهبت بعيدا في مسألة السّرد والقصّ هذه معتمدة على حكاية استعاريّة مركزيّة في تدلالها تتفجّر رؤية الشّاعر، هي القصيدة التي يحاكي عنوانها عنوان الكتاب: “كلمات سيّئة”.

يحدّثنا السّارد في هذا النّصّ عن انتمائه إلى قرية عجيبة “كلّما يموت واحدٌ فيها تختفي كلمة من أحاديثها إلى الأبد”. تموت طفلة من الجفاف، فتختفي كلمة نهر. وتموت أمّها من الحسرة عليها، فتختفي كلمة مطر. تختفي الكلمات الواحدة تلو الأخرى إثر اختفاء النّاس وموتهم جوعا أو قتلا. ينقلب نظام التّواصل. وفي غياب الكلمات الجيّدة “صرنا نستخدم طرقا معقّدة للكلام/ سمعتُ أحدهم يصرخ: يا الطّفل الذي مات في الانفجار… وكان يقصد يا الله”. ينتهي النّصّ باستعادة ضمير الأنا من ضمير الجماعة بعد أن استهلّ به الخطاب الشّعريّ: “أنا ما زلت أعيش هناك/ وكلّ يوم أحاول النّجاة ككلمة جيّدة”.

يكثّف النّصّ حبكة سرديّة عجيبة يمكن أن يستوعبها نصّ روائيّ أو قصصيّ. لكنّه يعمد إلى استنفاد كلّ إمكانات التّركيز اللّغويّ في لغة تقف عند الحدود الأجناسيّة حيث تشرق قصيدة النّثر بين سرديّ وشعريّ. إنّها إقامة في المفترق حيث الهجانة عبقريّة من يرى بأكثر من عينين ويتكلّم بأكثر من لسان.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر