السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

داليا بعاصيري تفتح صندوق الجير العجائبي

  • تقدم الفنانة اللبنانية داليا بعاصيري مجموعة من أعمالها الفنية الجديدة في معرض يحمل عنوان “من تحت الغبار” في صالة "جانين ربيز" بالعاصمة اللبنانية بيروت، وترفق التشكيلية أعمالها بنصوص قصيرة تشير إلى أهمية الغبار في تشكيل معالم المعرض الداخلية والخارجية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/04/14، العدد: 10602، ص(17)]

الأبيض بين حضور وغياب

بيروت – تقول الفنانة اللبنانية داليا بعاصيري في معرض تقديمها لموجودات معرضها المقام حاليا في صالة “جانين ربيز” البيروتية، والمعنون بـ”من تحت الغبار”، إن “الغبار متعدد الأوجه، يتراكم ويندثر ويتحول بشكل مُستمر، لا يعرف حدودا تقف أمامه، يجتاح الفضاء ليسيطر فارضا قوانينه”.

بالرغم من كلام الفنانة عن الغبار باعتباره العنصر الأساسي الذي تتألف منه أفكار أعمالها، فإن ما يلفت النظر ليس حضوره أو أثره في الأشياء من الناحية الشكلية أو الفلسفية، بل حضور اللون الأبيض ككاتم لصوته، أي لصوت الغبار، وكغاز لمفهوم تخطي الموت وتخطي النسيان.

تذكّر أعمال الفنانة داليا بعاصيري بلوحات الفنان روشنبرغ التي تحمل عنوان “لوحات بيضاء”، هي كل شيء إلا بيضاء، لوحات مشحونة بمعنى للون الأبيض المُحمل بكل التجارب والأفكار والمشاعر الإنسانية.

في المعرض تضع الفنانة نصا يمكن اعتباره نصا تمهيديا لفهم مكونات المعرض، ترفق النص ببضعة ممزقات بيضاء هي أقمشة ورقية يُنظف بها عادة الغبار من على الأثاث، كتب عليها أشخاص بضع كلمات عن أشياء بقيت معهم طويلا قبل أن يتخلوا عنها ويقدموها للفنانة كي تتصرف فيها بالشكل الذي تراه مناسبا من ضمن معرضها هذا.

هؤلاء الأشخاص غرباء التقتهم الفنانة أثناء وجودها في مدينة نيويورك، عكفت على تجميع بعض الأشياء التي استغنوا عنها، ولكن ضمن شروط محددة نصتها بالشكل التالي “كل شيء يقدمه أحد الأشخاص يجب أن يكون مرفقا برسالة تتضمن أجوبة عن هذه الأسئلة: ما هو اسم الشيء؟ لماذا تتخلى عنه؟ لماذا اشتريته؟ وأخيرا من أين اشتريته؟”.

الأشياء التي استقدمتها بعاصيري من الغرباء نجت من الموت بعد أن ألقت عليها بنفسها رداء البياض المجمد للتحلل

من نافلة القول إن شروط التخلي هذه لا بد أن تكون شجعت أصحاب الأشياء على التخلي عما احتفظوا به طويلا، لأنها أعطت شرعية وأهمية تخفف من وطأة فعل التخليّ الذي هو من أصعب ما تفرضه الحياة بشكل عام على كل من سار فيها ململما شظاياه ورافعا هامته عاليا في وجه هبوب ضرباتها المتتالية.

غلفت الفنانة تلك الأشياء بأقمشة تنظيف بيضاء اللون، وجمعتها على طاولة واحدة في المعرض، من حول هذه الطاولة نثرت لوحاتها التجريدية/المفهومية المشغولة هي أيضا بفوط تنظيف بيضاء رقيقة، تذكّر حينا بأمواج من زبد هش، وأحيانا أخرى بأقمشة رثة شفت على بعضها البعض حتى بدت كالشاش الذي تضمد به الجروح.

من قلب هذه التجريدية البيضاء رشحت أشكالا واضحة لأشخاص يسيرون في الطرقات سُلخت منهم مآسيهم، ولعصافير معلقة في الفضاء ولجبال مُفرغة، ولشطآن مُسطحة ضاع فيها الأفق واختصرت فيها المسافات ونُزع عنها فعل الزمن السام المتربص بالأحياء وقصصهم.

أعطت الفنانة عناوين للوحات تشير في معظمها إلى المادة التي استعملتها في تكوينها، أي الغبار، نذكر من تلك العناوين “تراكم الغبار”، و”هجرة الغبار” و”قمم الغبار”.

تكمن المفارقة في أنه إذا كانت المادة التي استخدمتها الفنانة في تشكيل ما وضعته في لوحاتها هي الغبار مع البعض من الغراء ونُتف من فوط التنظيف، فإن الغبار ليس هو ما تنطق به أعمالها، بل هو كل ما نجا منه، ضرب من ضروب التفاؤل الفانتازي الذي ربما غفلت عنه الفنانة ذاتها.

ليست الأعمال فحسب، بل صالة العرض بمجمل أجوائها كساها ما يشبه طبقة خفيفة من بورة الجير الصخري الأبيض الذي اعتاد من عايش الحروب في بلاده أن يراه منثورا على الأماكن التي حدث فيها موت فظيع، أو اكتسحت فيها الشوارع مواد ملوثة كالنفايات.

الذاكرة في أعمال الفنانة لا غبار عليها

الذاكرة في أعمال الفنانة لا غبار عليها، بل هناك طبقة من الجير تحافظ عليها وعلى ذكرياتها من التلف. فهل فعلا تخلى الأفراد عن الأشياء التي قدموها للفنانة؟ أم هم وهبوها حياة أكثر تشويقا مما عرفتها عندما كانت في كنفهم؟

معظم ما تخلّي عنه يشبه في دلالته غرضا واحدا وضعته الفنانة بين الأغراض التي تخلى عنها أصحابها، إنه “الوسادة الجميلة” التي أهدتها أم لابنتها والتي “لم تهتم بها ابنتي يوما”، حسب كلمات الوالدة المكتوبة على قماش التنظيف الأبيض والمعلق على جدار صالة العرض.

وتضيف الأم “هذه الوسادة لم تكن من ضمن الأشياء التي أخذتها معها ابنتي يوم غادرت المنزل إلى غير رجعة”.

الأشياء التي استقدمتها من الغرباء نجت من الموت بعد أن ألقت عليها داليا بعاصيري رداء البياض المُجمد للتحلل، والمُبرد للعواطف والنازع للتفاصيل، فساهمت في أيقنتها تماما كما فعل أصحاب الأغراض الذين تخلوا عنها كي يهبوها فرصة أن تكون لها حياة جديدة بعيدة عنهم.

من ضمن الأشياء المنقولة إلى عهدة الفنانة مجموعة صغيرة من “ضفادع” كستها داليا بالورق القماشي الأبيض كشأن الأشياء الأخرى، إلى جانب هذه الضفادع “المُضمدة” كلام يوضح تاريخ مجيئها “إنها من صديقة لم أرها منذ عشر سنوات.. كنا نلتقي يوميا لنأخذ وجبة الغداء سويا، أعطتني علبة الضفادع آخر يوم رأيتها فيه، اشتاق إليها، لكن الوقت حان كي أدع الضفادع ترحل”.

تقول الفنانة إن “الغبار كلما طال وجوده غمق لونه”، ينطبق هذا القول على معرضها هذا، في المعرض استحالت كل الأشياء المعروضة إلى ضفادع “تنُق” مللا ولوما من تحت رشح أبيض عرف بحكمته وشموليته كيف يهدّئ قليلا من روعها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر