الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

كل نص يكتب هو رسالة تفتش عن متلق

  • يؤثر الواقع في ما يكتبه الأدباء، وربما هذا ما نلاحظه خاصة في الأدب العربي الخارج من مناطق النزاعات والحروب، مثل العراق، البلد العربي العريق الذي انعكس واقعه على أدبه. لكن هل يصح أن نصف أدبا عميقا مثل الأدب العراقي بكل تفاصيله بـ “أدب الحرب”؟ “العرب” التقت الروائي العراقي نوزت شمدين وكان لنا معه هذا الحوار حول الأدب والحرب.

العرب همام طه [نُشر في 2017/04/14، العدد: 10602، ص(15)]

أؤمن بالشراكة مع القارئ

من ثمرات المطابع في معرض أربيل للكتاب رواية “شظايا فيروز” للكاتب العراقي نوزت شمدين، وهو صحافي وروائي مغترب من الموصل. يفكّك شمدين في منجزه السردي هذا، الصراع في بلده من الداخل، فيقارب مسائل الحب والحرب والتنوع والهوية ساعياً إلى رد الاعتبار للعمق الإنساني. فكأننا بالكاتب يقدّم مرافعة رمزية عن مدينته وبلداتها عبر خطاب سردي جدلي.

أدب الحروب

مبكراً دفع المشهد الثقافي في مدينة الموصل العراقية ثمن الحروب، فعاشت حالة من الصمت الإبداعي القسري. هذا ما يؤكده نوزت شمدين لـ”العرب”، قائلا “تراجع النتاج الأدبي عموماً في نينوى عقب الاحتلال في 2003. وتحولت المدينة إلى ساحة حرب واستباحتها تنظيمات متطرفة. هذا الفراغ الأمني تسبب بمقتل أكثر من 60 زميلاً صحافياً لي، والآلاف من كل شرائح المجتمع، فكان من الطبيعي أن يحتفظ الأديب في الموصل بما يكتب، أو يعزف بشكل تام عن الظهور في انتظار فسحة أمن مستقبلية، فهو لا يدري من ستُغضب نصوصه، والقتل من أجل كلمة أسهل ما يرتكبه المجرمون بمختلف مسمياتهم في بلاد لا أمن فيها”.

تعرّض ضيفنا لمحاولتَي اغتيال عام 2013 بسبب نشاطه الصحافي في الموصل فاضطر للهجرة مع عائلته إلى النرويج. وبعد سقوط المدينة في يد داعش منتصف عام 2014، سخّر شمدين قلمه وأنشطته في الخارج لعرض مظلومية المدينة والفظائع التي طالت ثرواتها البشرية والعمرانية والحضارية.

“شظايا فيروز” تجربة سردية تجمع الذاتي بالعام، والوجداني بالسياسي، والتاريخي بالواقعي. وهي كما يصفها كاتبها “قصة حب مستحيل لاعتبارات دينية وقومية. المكان هو نينوى والموصل في زمن احتلال داعش لهما. استندت الرواية إلى وقائع لكن شخوصها وأحداثها برمتها جاؤوا من الخيال”.

من خلال قصة الحب بين مسلم وإيزيدية كثيمة أساسية سعى الكاتب إلى مقاربة قضايا الحساسيات الدينية في المجتمعات المتنوعة المضطربة، وكشف المشاعر البشرية الطبيعية العابرة للهويات العقائدية، إضافة إلى إثارة تساؤلات “إنسانية” معمقة حول ظاهرة الإرهاب.

وفي قراءته للمشهد السردي العربي في ظل تحولات المنطقة وسطوة لحظة العنف التي فرضت سكوتاً قهرياً على أدباء العراق، يشير شمدين إلى أن “حضور الرواية في النطاق العربي كان أكثر فاعلية مقارنة بالعراق، لكن بعد أن خرج بلدنا من حروب طاحنة، وخاض مجتمعه تجارب قاسية، آن للرواية العراقية أن تقول كلمتها”، مستدلاً على ذلك ببروز أسماء عراقية لامعة مؤخراً مع نتاج روائي غزير. ويؤيد شمدين إمكانية اضطلاع السرد العربي بدور تنويري حداثي في مواجهة الوعي الأصولي الديني، ويوضح قائلا “نعم سيفعل هذا، ولكن ليس الآن، ربما بعد سنوات تكون فيها المنطقة بأسرها قد تعافت من الحروب وقالت وداعاً للسلاح”.

الرواية نسخة حياتية بكل ما فيها من بياض وسواد، يعيد الروائيون تشكيلها وفق أخيلتهم للغوص في الذات الإنسانية

ويعترض الكاتب العراقي على تصنيف روايتَيه “سقوط سرداب” و”شظايا فيروز” ضمن ما يمكن تسميته بـ”أدب الحرب”؛ فلا يمكن، في رأيه، أن يتم تصنيفهما في هذا الإطار، لأننا إن فعلنا هذا نعلن أن كل النتاج الأدبي العراقي منذ أول صفارة إنذار أعلنت حروب العراق المتلاحقة مجرد أدب حرب. يقول “نحن شعب أكلته الحروب وغيّرت ملامح شكله. لذا فمن الطبيعي أن تسمع دائماً في كتاباتنا أصوات المدافع وتشاهد صور الخراب وإعلانات الموت المعلقة على الجدران”.

ورداً على سؤال “العرب” عن حدود إسهام الحبكة الروائية في تعميق فهم المتلقي لمخاضات الحياة، يوضح شمدين أن الكثيرين -وهو منهم- يؤمنون بأن الروائي لا يكتب عن شيء لا يعرفه، بمعنى أن ما نجده في الروايات هو تجارب معيشة أو متخيّلة، حدثت أو يمكن أن تحدث لأي شخص، والقارئ يطلع على التجربة في إطارها الروائي وبلا شك ستشكّل بالنسبة إليه إضافة معرفية مّا.

وحول إمكانية توظيف الحلول التي تطرحها الروايات لصراعاتها في بناء وعي مضاد لاحتقانات اجتماعية تتخذ طابعاً فئوياً وطبقياً شرساً، يؤكد نوزت شمدين أن الروائي جزء من المجتمع، والحلول للمشاكل الجمعية تقدم من مختلف الفئات. والرواية بنحو عام لم تصل إلى مرحلة تقديم العلاجات، بل نحن في الأصل نعيش في زمن تضخمت فيه مشكلة هجر القراءة.

سلطة القارئ

الأدب بطبيعته فعل وانفعال إنسانيّان، لذلك هو رسائلي بالضرورة ولا يخلو من أبعاد قيمية هادفة إلى التغيير تتجلى في صورة “قلق إبداعي”. يقول شمدين في هذا الشأن “كل فعل كتابي هو بحد ذاته رسالة تفتش عن متلقّ. بالنسبة إلي المستقبل يشكل هاجساً جوهرياً. وأعني بذلك الجيل أو الأجيال المقبلة، لأنها لن تعرف عن الحقبة التي عشناها سوى ما جادت به ذاكرة الإعلام الذي غالباً ما يكون سطحيّا ومسيسا، مع أو ضد. ولطالما كان الأدب خير وسيلة لأرشفة الذاكرة، ولا سيّما في منطقتنا التي نادراً ما أنجبت مؤرخا حياديا كتب غير متأثر بجيوب السلاطين أو سيوفهم”.

تجربة سردية تجمع الذاتي بالعام

وفي مناقشة الأثر المعرفي للرواية ينحاز ضيفنا إلى الرأي القائل إن خيال ولغة الرواية يمنحان القارئ معرفة ضمنية وليس متعة مجردة فقط، فيشدد على أن “الرواية نسخة حياتية بكل ما فيها من بياض وسواد، يعيد الروائيون تشكيلها وفق أخيلتهم. والفعل الأدبي عموماً غور في الذات الإنسانية، لذا فالمعرفة المتأتية منه عميقة”، معرباً عن اعتقاده بأن الخيال هو ما يميّز الأدب عن قراءة كتاب في التاريخ أو السياسة أو الفلسفة. فالسرد من وجهة نظره “يتيح للكاتب استخدام المعارف المختلفة وتطويعها في نص واحد، بعكس كتب المعرفة المتخصصة”.

ويرى شمدين، الذي كتب الشعر والقصة القصيرة قبل أن ينتقل إلى الصحافة ثم الرواية، أن وظيفته ككاتب هي “إخبار القصة فقط”، مؤكداً انشغاله بإثبات حضوره عن تصنيف أعماله فنياً فهذه برأيه “مهمة نقدية”. ويضيف “لأنني مستقل وبعيد عن التحزبات القومية والطائفية، أضطر إلى نشر أعمالي والترويج لها بنفسي، وهذان أمران في غاية الصعوبة في عصر باتت فيه الجوائز الأدبية معياراً لجودة الأعمال الأدبية للأسف، فكثيرون يعتقدون أن الرواية الجيدة هي التي فازت في مسابقة، وتلك مشكلة إضافية بل كارثة حلّت بالرواية العربية”.

ويؤمن نوزت شمدين بالشراكة مع القارئ في “لعبة الخيال” فهو لا يميل إلى نهايات حاسمة لأحداث رواياته، بل يذهب إلى فلسفة مغايرة قائلا “أحب النهايات المفتوحة، وأن أترك لخيال القارئ حرية الاختيار عقب انتهائه من قراءة الرواية، فيخمن كما يشاء. في جوف كل منا مقدار من الخير والشر، يظهر ويختفي ونحن ماضون في مسارات حياتنا، وكذلك الحال مع شخوص أي رواية، فالرواية كما أسلفت نسخة حياتية بكل ما فيها”.

ولا ينحصر تعويل شمدين على المتلقي في التقاط المعاني المبثوثة في نصوصه فحسب، بل يفصح عن شغفه بالإصغاء لردود أفعال قرائه؛ ففي عصر ما قبل الإنترنت كان الكاتب مدمناً على متابعة كل ما ينشر في الصفحات الثقافية للصحف اليومية أو الأسبوعية، علّه يقبض على شيء كتبه أحدهم عن قصة له أو روايته الأولى “نصف قمر”. ولم تكن بالوسع مناقشة الناقد حول رؤيته إلا برسالة بريد عادي أو لقاء نادر قد يحدث في مناسبة ثقافية مّا، فيما الآن يمكننا نشر المادة وتلقي النقد مباشرة والردّ عليه، سواء كان نقداً متخصصاً أو انطباعياً لمتلقٍ عادي، كما يقول شمدين.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر