الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

ناقدة عراقية تكتب عن الواحد والمتعدد في النقد العربي

  • يظل أفق الكتابة النقدية مجالاً للأسئلة، وللاستكشاف والإضافة والتجاوز، وهو ما يعني القبول بالمختلف والضدّي، والتعاطي مع مفاهيمه ومقولاته ومصطلحاته دونما حساسية قامعة، بوصفه "الحيّز" كما يسميه عبدالملك مرتاض، الذي يستوعب مُحفزات الجدل واشتغالاته.

العرب علي حسن الفواز [نُشر في 2017/04/15، العدد: 10603، ص(16)]

الكتابة عالم من الثنائيات (لوحة للفنان سعد يكن)

ينفتح الكتاب الجديد للناقدة العراقية بشرى موسى صالح “الواحد والمتعدد” على مقاربات جمالية وثقافية، عبر منظور يستدعي أطروحات النقد الثقافي وما بعد الحداثة، ليس للفتِ النظر إليها، بل لوضع فاعلية القراءة النقدية في سياقات مغايرة، ومراجعات نسقية تكشف عن ثنائية “الواحد والمتعدد” في الخطاب النقدي، وفي التعرّف على “المنهجية النقدية المجانسة له”.

قراءات شعرية

يحتوي الكتاب، الصادر عن دار عدنان ببغداد، على مقدمة مع ثلاثة مباحث تتنوع حول موضوعات المتعدد الشعري والمتعدد السردي والمتعدد النقدي. تأخذنا المقدمة إلى تحديد توصيفي لاستراتيجية الكتاب، ولأطروحته الثقافية من خلال التعريف بمصطلحي الواحد والمتعدد، وطبيعة وجودهما في التداول النقدي، وتقانة توظيفهما في فحص النصوص الإبداعية والمشاغل النقدية ذاتها.

ينحني المبحث الأول المتعدد الشعري على إجراءات قرائية لتجارب عددٍ من الشعراء العراقيين، فالقصائد الحروفية للشاعر أديب كمال الدين تتجاوز إطارية قصيدة النثر إلى “القصيدة المفتوحة” حيث يبتدع الشاعر “مسافات متوترة” لكتابة هواجسه، وتصوفاته، وأسئلته ورؤياه، وعبر توظيف تقانة “الأنا الرائية” التي تجسد فكرة الفردنة عند شعراء ما بعد الحداثة، وبما يجعل الحروف بمرجعياتها الرمزية والعلاماتية والصوفية أكثر تمثّلا لها، ولمرجعياتها التاريخية والدينية والنفسية والطقوسية.

كما تقرأ الباحثة قصائد الشاعر الكردي شيركو بيه كس بوصفها قصائد لتمثلات النسق الثقافي، إذ يفترض هذا النسق وجود مجموعة من الدلالات التي تُحيل إلى الطبيعة والخبرة، مثلما تُحيل إلى الواقع المفجوع بالقسوة والغياب، فقصائد بيه كس تحوز على مساحات تعبيرية واسعة، وعلى رؤى يتعالق فيها الرمزي مع التأويلي، الاستعاري مع الأسطوري، وهو ما حاولت الباحثة أنْ تستكنه من خلاله رؤيتها النقدية للكشف عن المضمر، وعن الدلالي، وعن تقانة الأسلوبي في توظيفه لرمزية اللون وللسيرة الكردية والتاريخ، لـ”تصبح موضوعا للوجود والكينونة واتساع الرؤية من الواحد إلى المتعدد”.

قراءة الباحثة لأطروحات الناقد ياسين النصير تنطلق من خصوصية عمل هذا الناقد في معالجته لـ"شعرية المكان" والتي وضعته كأبرز النقاد العرب العاملين في هذا المجال

وفي قراءتها لقصائد الشاعر سلمان داود محمد تضعنا الباحثة أمام نوع من الشعرية المفارقة، فالقصائد تمتاز بطبيعتها المخاتلة، وبتكويناتها الصورية، وباستغراقها التعبيري في اليوميات، والسخط الاجتماعي، و”انزياحاتها الساخرة”، تلك التي تتقابل فيها أجناسية القصائد النثرية مع قصدية الشاعر في استدعاء ما يشبه “شعرية الواقع المفعول به” عبر التسمية الواردة فيها، وعبر توظيفها في محاكاة “الواقع رؤيويا وفكريا لينحرف عنه تعبيريا وأسلوبيا”.

تقانة القراءة الأسلوبية هي ما تحدد مسار المعالجة النقدية للقصائد، بوصفها قصائد إحالات، وباعتبار أنّ مفارقتها هي التي تشي بالحمولة النسقية لرؤية الشاعر، ولطبيعة لغته الحافلة بالبياض، والتنوع الإعلامي والتشكيل البصري، والذي يلعب دورا مهما في قراءة الواقع عبر تخيّل صوره الشعرية.

المتعدد السردي

تقترح بشرى موسى صالح في هذا المبحث مستويات محددة للقراءة، تلك التي لا تفارق منهجها الأسلوبي من جانب، وبما يُتيح لها مقاربة -نقد ثقافية- للكشف عن المضمر عبر ذاكرة المعنى والجسد من جانب آخر، وعبر ما يسميه النقاد الثقافيون “الحيل السردية”؛ ففي قراءتها للعديد من القصص العراقية تنحو الباحثة باتجاه الكشف عن التنوع الأسلوبي، وعن تقانات السرد عبر توظيف العلامة، والرمز، والمونولوغ والراوي العليم، لا سيما في قصص أحمد خلف وإلهام عبدالكريم، حيث تتحول الهواجس إلى حكايات، والواقعي إلى تخيّلي، فضلا عن مقاربتها لقصص أخرى عند محمود سعيد وسامي المطيري وعبدالأمير المجر، وهي قصص تضعها الباحثة في مشغلها النقدي بوصفها مجالات لبيان أهمية المنهج الأسلوبي في القراءة، وفي الكشف عن حمولاتها النسقية التي تعرّي الكثير من مرائر الوقائع العراقية.

قراءات عميقة

وفي قراءتها لمفهوم “تعدد القصد” عند أحلام مستغانمي ترهن الباحثة معالجتها النقدية بـ”الفاعل اللغوي” بوصفه الموجّه للحكي، وللأحداث، حيث تسعى إلى “كسر نسق السرد الذاتي التقريري” ليكون النسق الثقافي هو النسق السردي/ اللغوي، لا سيما في روايتها “ذاكرة الجسد”. أما قراءة الباحثة النسقية لرواية أحمد سعداوي “فرانكشتاين في بغداد” فتبدأ من تتبع “النسق التسجيلي” في الرواية، وصولا إلى كشف ما هو خبيء في سرديات “النسق المضمر” والذي تتمثله الكثير من مظاهر الموت والتوحش والعنف التي يعيشها الشارع العراقي.

وتختار الباحثة ثلاثة نقاد لتطبيق منهجها أولا، ولحضور هؤلاء النقاد في الخطاب النقدي العراقي والعربي ثانيا، فهي تقول عن الناقد فاضل ثامر بأنه الناقد الشمولي، وحيازته على ثنائية “المنهج والرؤية” تتيح له “دراية ومعرفة بضرورة تحققهما” وأنّ تحولاته النقدية تعكس وعي الناقد باستراتيجياته النقدية من جانب، مثلما أنّ رؤيته الفاعلة هي التي جعلته أكثر تفاعلا مع المناهج الحديثة من جانب آخر، وفي سياق “تجاوز الإطار الضيق للمناهج والمقاربات النقدية بنوعيها الخارجي والداخلي”.

كما أن قراءة الباحثة لأطروحات الناقد ياسين النصير تنطلق من خصوصية عمل هذا الناقد في معالجته لـ”شعرية المكان” والتي وضعته كأبرز النقاد العرب العاملين في هذا المجال، فهي ترى أنّ مشاغل الناقد النصير تملك فرادتها من خلال قدرته التداولية، وتجاوزه لما هو سائد ونمطي في النقد الأدبي، واستيعاب ما هو فلسفي، وما هو سوسيولوجي وأنثروبولوجي، ما يُسهم في توسيع مديات الكشف، وتحفيز الخطاب النقدي على استكناه العناصر التكوينية، والحمولات الدلالية للنصوص الأدبية.

كما أنّ نظرتها لأطروحات الناقد المصري جابر عصفور تقارب طبيعة مشروعه النقدي الذي تتعزز فيه ثنائية “الرؤية والمنهج” إذ تجد فيها توضيحا لتوظيفه المنهج البنيوي التكويني، ولرؤيته الفنية التي تمثل رؤيته للعالم، ولقصديّته في قراءة العديد من الآثار الأدبية، والتي وردت في كتابه “المرايا المتجاورة” الذي تمحور حول مراجعة ثقافية لأثر طه حسين في المسار النقدي العربي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر