الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

سائق تاكسي يتقمص دور شهرزاد ويسرد حكايات مصرية

  • فرضت أحداث الربيع العربي ومآلته على الرواية العربية اتجاهين، الأول جاء راصدًا لهذه التحولات ومُسجِّلاً للكثير من الهزائم والإحباطات التي مُنيت بها الشعوب الطامحة للتغيير الذي ظلّ حُلْمًا رغم قدومه. أما الاتجاه الثاني فلجأ أصحابه إلى عوالم مُتخيّلة بعيدة عن السّياسة، هربًا من جحيم الواقع. وضمن السِّياق الأوّل جاءت رواية عزالدين شكري فشير “كل هذا الهراء”.

العرب ممدوح فرّاج النّابي [نُشر في 2017/04/15، العدد: 10603، ص(17)]

ليلة واحدة وحكايات كثيرة (لوحة للفنان إسماعيل نصرة)

كتابات عزالدين شكري فشير على تعدُّدها (سبع روايات) تميل إلى التماهي مع الواقع السياسي، حتى أنها غدت وكأنّها تمثيلات متنوِّعة لجرائر السِّياسة ومآزقها وكذلك هزائمها وانتكاساتها. وفي روايته الأخيرة “كل هذا الهراء” تحضر الثورة المصرية بكل طموحاتها وانكساراتها. لكن كيف كان هذا الحضور في النص؟ هذا هو المهم.

تحطيم التضليل

يلتزم الكاتب قبل الدخول إلى النص بتقليد حديث على الرواية العربيّة، وإن كان أَخَذَ بشكله الخارجي دون هدفه الحقيقي. الكاتب قدَّم الشُّكر لِكُلِّ مَنْ قَرأَ الرِّواية، وقدَّمَ ملاحظات له (دون أن نعرف هَلْ أَخَذ بها أم لا)، وصل عدد الأسماء إلى سبعة عشر اسمًا. في الحقيقة هذا تقليد محمود، وهو يشبه المحرِّر الأدبي عند كُتَّاب الغرب، أو مدير الأعمال الذي يُعْهَد إليه الكاتب بمهمة تشذيب النص وتخليصه ممّا لا حاجة له به.

لكن في ظنيّ أنَّ وظيفة المحرِّرِ لم تتحقّق هُنا، وهذا واضح في بنية الرواية المترهلة بعض الشيء، مع التأكيد على سلامة الفكرة وجديتها، علاوة على لغتها الطّيّعَة التي جاءت متوائمة مع الشخصيات على تنوِّعها واختلاف أيديولوجياتها وأيضًا الوسائط الاجتماعية التي ينتمون إليها، ويمكن مراجعة لغة بطلة الرواية القادمة من سياق ثقافي مختلف ومختلط، فجاءت لغة أمل مندور خليطا بين العربية والإنكليزية، تغلب عليها لغة السوشيال ميديا، مقارنة بلغة عمر الذي تربى في حضن الجماعات الإسلامية، وإن كان هو يَسعى للتخلص من تأثير الأيديولوجيا الإسلاميّة التي شكلته وكانت سببا في غربته هو وأبوه وتدميرهما معنويا، وهو ما تجلى عبر لغته التى كانت مضادة لهذه الأيديولوجيا التي ولد في حاظنتها وهو يرفضها رفضًا شديدًا. وبالمثل لغة ضُبَّاط الشُّرطة وكيف أنّها حادة قاسية لاذعة، لأنّها دائمًا صادرة مِن سُلْطَة أَعْلَى وتشعر بتضخم الأنا.

من الأشياء اللافتة في الرواية، الصَّادرة عن دار الكرمة 2017، أن المؤلف لم يلجأ إلى نفي صلته بنصه ولا بشخصياته أو حتى نَفَى عنها أن حمولاتها تعود إلى واقع مرجعي، على عادة كُتَّاب الرواية. بل على العكس تمامًا حطّم عزالدين فشير هذا التضليل المزعوم، فبدأ الرواية بتوضيح حكاية الرواية، أو ما يمكن أن يُدْرجَ وفقًا لمفاهيم النقد الحديثة تحت “النص المحيط”، فيهدم مقولات موت المؤلف وعزل النص عن محيطه، فأثبت انتماءها إلى الواقع بحكاية عمر الذي اتصل به وأعطاه ملفًا صوتيًّا على هيئة “يو إس بي” يضمُّ حكايات قال إنه رواها لصديقة له تُدعى أمل مفيد، كما يشرح دوره الذي اقتصر على إعداد النص. لم يكتفِ المؤلف الحقيقي بهذا، بل تواجد داخل النص باسمه الحقيقي ودوره ككاتب وسياسي لَعِبَ دَوْرًا في حراك يناير.

وسائط شدّ النص إلى واقعه المرجعي كثيرة في النص، ليس أولها ما ورد في “التمهيد والتهديد” بعبارة المؤلف، وإنما أيضًا باستحضار بطليه من العالم الافتراضي (لهما حساب على فيسبوك) إلى عالم الحكاية، وكذلك عبر رسالة أمّ مُحب الذي قُتل في أحداث بورسعيد، فضمها إلى النص دون أي زيادة أو تحريف، إضافة إلى شهادة هند الصحافية التي دوّنتها ونشرتها على أحد المواقع كدليل على التحرش، فنقلها بنصها دون تدخّل أيضًا، وإنْ كان أدخلها كشخصية روائية.

وسائط شد النص إلى واقعه المرجعي كثيرة في النص منها استثمار الكاتب لحكايات حقيقية بكل تفاصيلها

وبالمثل فعل مع حادثة مقتل المدوّن والنشاط السياسي باسم صبري، فلم يكتفِ بغموض نهايته في الواقع بل قدّم سردية بديلة أو متخيّلة، ربما تُفسِّر الغموض الذي لحق بالحادثة الحقيقية، وهو ما يُحسب لشكري. فمع أن الحكاية واقعية ومنقولة دون تغيير حتى في اسم بطلها، إلا أنّه أَضْفى بُعْدًا جديدًا بالسّرد البديل أو المتخيّل ليسد ثغرة الإلغاز التي فتحها الواقع المُشكل.

الوظائف التحفيزية

تبدأ الحكاية بخروج أمل مفيد من السجن بعد اتهامها في قضية منظمات المجتمع المدني، وقبل سفرها بليلتيْن يحتفل بها أصدقاؤها، وهنا تلتقي بعمر فخرالدين سائق التاكسي الذي يقلها إلى شقتها في المهندسين، دون تمهيد يلتقي الاثنان عمر وأمل في السَّرير، وبعد تَعارف بسيط تطلب منه أن يَبقى معها حتى موعد رحلتها، جاء طلبها خشية من الوحدة التي جُبلت عليها طيلة أيام حبسها الذي استمر عامًا، هنا تنتفي تراتبية الحدث.

فما الذي يجمع عمر سائق التاكسي بأمل مندور التي تتحدث الإنكليزية معه طيلة الوقت، وهي القادمة من سياق ثقافي واجتماعي مغاير تمامًا، واهتمامات مختلفة تمامًا عن اهتمامها؟ مع هذا يلتقي الاثنان ويحدث بينهما فراش، ومن خلال الفراش تبدأ العلاقة في التطوّر حيث تحكي أمل حكايتها وإن كانت باقتضاب عن نشأتها ودراستها وزواجها ووالديها وعلاقاتها وعملها.

حكاية أمل هنا تبدو أشبه بالعلاقة المُحفِّزة لسيرورة السّرد، فهي التي تدفع الرّاوي للحكي، ومن ثمّ يقوم شكير بقلب الوظائف السّردية التي انتهجتها سردية “ألف ليلة وليلة”، وهو النّص الحاضر هنا ليس فقط في استعارة المحفِّز للحكاية وإنما أيضًا في طرائقه السّردية، خاصّة تقنية توالد الحكاية.

رواية بأحداث وأبطال واقعيين ماتوا من أجل الأحلام

وإن كان ثمّة جامع مشترك بين الشخصيتيْن حتى لا تبدوان غريبتين في أنهما دخلا البلاد قبل أحداث يناير، وثانيًا أن كلتيهما وقع عليها قهر مِن سُلطة ما بعد يناير. ما عدا ذلك فالعلاقة بين الشخصيتين تقف عند أن عمر هو راوي الحكايات السَّبْع جميعها، وأمل هي المروي عليها، في تبدُّل لنسق حكايات ألف ليلة وليلة، حيث الرجل هو الرَّاوِية وشهرزاد هي المروي عليه.

لا تختلف شخصية أمل مفيد عن الشخصيات النسائية الأخرى داخل النص، فجميع الشخصيات جاءت مُشوّهة حتى ولو بدت ثوريّة كما في حالة مي صديقة وائل، وهند حبيبة باسم، أو حتى مُتعاطفة كشخصية دينا زوجة العقيد أيمن الضابط، فمع هذا الحضور النِّسائي الطَّاغي لهذه الشخصيات إلا أنّها قدّمت صورة سلبيّة للمرأة، وخاصّة نساء الثّوْرة، وكأنّ شكري يؤكِّد المزاعم التي راجت عمّا يَحدثُ في الميدان مِن أنصار الثورة المُضادة، فإما غارقة في الملاذّ كما هو حال أمل أو تسعى إليها كما حال دينا التي خانت زوجها مع حبيبها محمود.

وبالمثل مي التي خانت صديقتها هند مع باسم، وبعد موت وائل في أحداث بورسعيد عاشت حالة بوهيمية متنقلة بين الرجال، وقد تدخلت في هذا أيضًا أم عمر التي ولدت عمر من علاقة سفاح. الغريب أن الرجال معظمهم منقادون للمرأة، فشادي يُلقي بنفسه في الجحيم من أجل حبيبة، وبالمثل باسم من أجل هند.

يعتمد النص على بنية التوالد وهي بنية رائجة في نص الليالي. هنا التوالد يأخذ وجوهًا عِدَّة كاستثمار شخصيات من روايات سابقة للمؤلف على نحو ما فعل مع فخرالدين، الذي هُنا هو امتداد لشخصية “أبوعمر المصري” في الرواية المعنونة بالاسم ذاته (صدرت سنة 1995).

يقول فوكنر عن جيل ميلر “إنهم يكتبون كتابة جيدة، غير أنه ليس لديهم ما يقولونه”، يمكن أن نقول العبارة ذاتها على رواية “كل هذا الهراء” مع تحريف قليل؛ إنّ فشير “لديه ما يقوله ولكنّه ضَاعَ عبر الاستطرادات والسّرود المُضلِّلة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر