السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

مهاجرات يحملهن الأمل من مزارع الأرز في اليابان إلى مزارع كاليفورنيا

  • الهجرات الإنسانية المتعاقبة على مر التاريخ، رغم اختلافها، يكاد هدفها يتشابه، ألا وهو البحث عن حياة أفضل، مع استحالة الحياة في المكان الذي يتركه الناس بحثا عن مكان آخر، وغالبا ما تمنى الهجرات بالخيبة نظرا إلى تعارض الأمكنة الجديدة مع الأحلام التي يهيئها المهاجرون لاستقبال عوالم جديدة ما هي إلا تكرار لعالمهم القديم في حلة أخرى.

العرب  [نُشر في 2017/04/20، العدد: 10608، ص(15)]

حقيقة الهجرة

تونس- مثلت أميركا منذ اكتشافها وطن الفرص والحياة الجديدة للكثير من سكان الأرض، لذا استقطبت مهاجرين من مختلف أنحاء المعمورة بحثا منهم عن حياة جديدة، مختلفة، في العالم الجديد. لكن قصص الهجرة تخفي خلفها الكثير من التفاصيل المتشابكة، التي تبيّن حقيقة الهجرة، وحقيقة الأراضي والعوالم الجديدة التي تخالف غالبا صورها في أحلام ومخيلات المهاجرين.

تصور الكاتبة الأميركية، من أصل ياباني، جولي أوتسوكا في روايتها البوليفونية “بوذا في العالم السفلي”، متاهة المهاجرات في حلقة منسية من تاريخ اليابان الحديث، وهي كما يقول مترجمها أبوبكر العيادي، في مقدمته المستفيضة لها “أوديسة من نوع خاص… إبحار إلى ديار بعيدة دونما أمل في العودة… ارتحال مجموعة فتيات معدمات من أرياف اليابان وقراه المنسية بحثا عن زوج يحفظ لهن عيشا غير الذي كن يعشنه في مزارع الأرز البائسة. بنات أغلبهن عذارى يحملن صور أزواج لا يعرفنهم، وألبسة تقليدية بسيطة، وأشياء أخرى حميمة يحفظنها بين دفوف كتب من نوع ‘مرحبا أيتها الآنسات اليابانيات‘، أو ‘دليل المسافر إلى أميركا‘، أو ‘عشر طرق لإمتاع الرجل‘، ويخبّئن بين الضلوع أسرارا لا يبحن بها لأحد، ورغائب ومخاوف، رغائب أنثوية بفرحة العمر، ومخاوف منح الجسد لرجل مجهول في بلد مجهول”.

وتمتاز الرواية، الصادرة عن دار مسكيلياني، بوصفها الدقيق وأسلوبها المكثف، وبترفعها عن التباكي على مآل يابانيات بائسات تهاوت أحلامهن منذ أن وطأن أميركا، مثلما تمتاز باعتمادها في سرد الأحداث على ضمير المتكلم الجمع “نحن”، وكأن الكاتبة لا تروم التعبير فقط عن تضامنها مع أولئك النسوة بوصفها امرأة، بل تتقمص مكابداتهن ومآسيهن بوصفها يابانية الأصول أيضا، أو هو إلحاح منها على حقيقتهن المغيبة منذ مطلع القرن العشرين في سجلات التاريخ الياباني والأميركي على حدّ سواء.

الملاحظ في الكون السردي للرواية أنه لا وجود فيه لأبطال ولا ذكر لأسماء إلا ما ندر، ولا أثر لحوار إلا ما ينتأ بين السطور بشكل أحادي وبخط مغاير، سرد يمضي فيه الزمن في انسجام غير مخل ولا ممل، وتتعدد فيه الأصوات، أصوات أولئك البائسات وأزواجهن وأطفالهن، وأصوات ما نسجن في الديار الغريبة من صداقات قليلة، وما لقين فيها من أعداء كثر يحترزون من الغريب خصوصا إذا كان من ملة أخرى.

والقصة، بموجزها، انتقال مدفوع بالأمل من مزارع الأرز إلى مزارع كاليفورنيا. على الباخرة كان الحلم متضخما مرحبا بالآنسات اليابانيات، والزمن بشكله المستقبلي المحلوم به مكون من ثلاثة ألوان: كومينو من الحرير الأبيض ليلة العرس، كومينو من القطن الملون لسائر الأيام، وآخر أكثر احتشاما لاستعماله في خريف العمر، وصور الرجال العرسان محفوظة في علب صغيرة مرصعة تتدلى من الأعناق.

أما على اليابسة فيكشف الزمن العاري عن نفسه المقنّعة، ويبدأ من أول ليلة فعل الأخذ، ثم العمل في مزارع العالم الغربي، حيث تقلع الأعشاب الضارة لصالح رجل ضخم الجثة يدعى المعلم، وتتنوع الأعمال وتتنوع الإهانة، من مزارعة إلى خادمة إلى عاملة إلى مربية إلى أم مقتولة الأمومة.

كتلة بشرية تتشكل من مهاجرات وأطفالهن وأزواجهن، وأحياء يابانية، وتأخذ ملامح مدينة ضمن مدينة، جزر معزولة ضمن بحر، كاليابان ذاته، ليصل الزمن إلى النقطة الحرجة دائما التي تعيد الأمور إلى نقطة الصفر: الحرب. يتم الشروع في العمليات العسكرية اليابانية الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية، ويبدأ النظر إلى اليابانيين المهاجرين بوصفهم “خونة”. ويأتي اليوم الأخير الذي يبدأ فيه النزوح والهجرة من جديد، وكأن الزمن ينوس بين لحظتين، بين هجرتين: الهجرة والهجرة المضادة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر