الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

العاشق المثلي جلادا وضحية.. محمد عبدالنبي 'في غرفة العنكبوت'

الرواية ترصد في أحد جوانبها المهمّة تفاصيل عالم المثلية وما يحدث فيه من علاقات، وطبيعة الشخصيات السّلبية والإيجابية ومواقع اصطياد الزبائن وطقوسهم الاحتفائية.

العرب ممدوح فرّاج النّابي [نُشر في 2017/01/08، العدد: 10506، ص(14)]

'غرفة العنكبوت' رواية تقتحم عالما غامضاً

محمد عبدالنبي كاتب ومترجم مصري، من مواليد منتصف سبعينات القرن العشرين. يكتب القصة والرواية ومن أعماله القصصية "في الوصل والاحتراق"، و"وردة للخونة" و"بعد أن يخرج الأمير للصيد" في 2008، و"شبح أنطون تشيخوف" في 2009، و"كما يذهب السيل بقرية نائية"، والأخيرة حازت على جائزة أفضل مجموعة قصصية في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2015، وفي مجال الرواية أصدر أولاً رواية قصيرة بعنوان "أطياف حبيسة" ثم "رجوع الشيخ" وقد حصدت جائزة ساويرس للأدباء الشبان عام 2013، كما دخلت القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، ومن ترجماته رواية “شجرة الرمان” للباكستاني البريطاني طارق علي، وغيرها من الأعمال التي لفتت الانتباه إليه، إخلاصه للكتابة يتأتّى في تفرّغه لمشروعه الكتابي إبداعًا وترجمة، وأيضًا عبر ورشة الكتابة التي يُشرف عليها بعنوان "الحكاية وما فيها".

الرواية والمثلية

لا نُغالي إذا قلنا أن تيمة رواية محمد عبدالنبي الجديدة "في غرفة العنكبوت" الصادرة 2016 عن دار العين للنشر والتوزيع بالقاهرة ليست جديدة، بل ثمة كتابات ممتدة إلى كتب التراث العربي تناولت هذه الإشكالية وباستخدام الأشياء بمسمّياتها كما في كتاب "رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه" للشيخ ابن كمال باشا، و"نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب” لشهاب الدين التيجاني وغيرهما. أما على مستوى السّردية العربيّة فقد تمّ تناول الظاهرة على كافة تنويعاتها وإن كان بحذر شديد في كثير من الأعمال، وفي بعضها بتجاوز المسموح منه كما في رواية “الخبز الحافي” لمحمد شكري ورواية عبده خال "ترمي بشرر"، وكذلك "شارع العطايف" للكاتب السعودي عبد الله بن بخيت، وتندرج تحت هذه التيمة رواية السُّوداني منصور الصّويم الجديدة “عربة الأموات”.

المؤلف اعتمد لغة قاسية لم تألفها السردية العربية، إلا في استثناءات نادرة، لكن توظيف المفردات في سياقها ألبسها لبوسًا مغايرًا عن استخدامها في التداول اليومي المستهجن

اللافت أنَّ الأمرَ لم يعد حكرًا على الكُتّاب من الرِّجال فقد اقتحمت التيمة أيضًا الكاتبات وتعرضن للصورة المقابلة للمثلية عند عالم النساء، فجاءت رواية الكاتبة اللبنانية إلهام منصور "أنا هي أنت" ورواية "برهان العسل" للكاتبة “سلوى النعيمي. وعلى مستوى الرواية المصرية كانت هناك رواية "حمام الملاطيلي" لإسماعيل ولي الدين وقد صدرت عام 1973 عن مطبوعات الجديد بالقاهرة، والرواية قدَّمت النموذجيْن للمثلية الرجال والنساء، ثم توالت أعمال تدور في فلك هذه الإشكالية كرواية “بيضة النعامة” لرؤوف مسعد و”عمارة يعقوبيان” لعلاء الأسواني، والقائمة تطول وصولاً إلى محمد عبدالنبي وروايته الجديدة. ومن ثمّ يبرز السؤال الإشكالي الذي يوجَّه إلى محمد عبدالنبي وروايته معًا، ما الجديد الذي يُقدِّمه الكاتب في هذا الموضوع، وما الفنيات التي تجاوزت بها الرواية الروايات السابقة التي تناولت ذات الثيمة، أم أن الموضوع هو بمثابة خرق للتابو الذي يمثّل إحدى الحساسيات للثقافة العربية؛ بغرض الإثارة؟!

بداية يتخذ الكاتب من حادثة "الكوين توب" الشهيرة التي وقعت في بداية الألفية الثالثة، عندما داهمت سلطات الأمن المصرية مركب "الكوين توين" على النيل، وألقت القبض على اثنين وخمسين مثليّا، وتمّ توجيه اتهامات لهم بازدراء الأديان وممارسة الفجور، موضوعًا لروايته وإن كان لا يعيد الحادثة أو يتخذ من روايته وسيلة دفاع أو واجهة تبرير لما حدث. الحقيقة أن نصَّ محمد عبدالنبي يختلف عن النصوص السابقة التي تناولت هذه الثيمة كجزء من بنيتها أو كبنية كليّة تَدور في فلكها الرواية، مرجع هذا الاختلاف يعود إلى أن جميع الأعمال التي تناولت المثليّة الجنسية، اتفقت على أن عامل الفقر والظروف الاجتماعيّة هما الدافع من وراء هذه المغامرة المجنونة، والتي وصفها أحد المثليين في رواية "حمّام الملاطيلي" هكذا "أن يكون الرجل شاذًا فهذا شبه طبيعي وأعتبره نكتة، أما أن تكون المرأة شاذة، فهذا غير طبيعي يثير غضبي وأعتبره موبقة".

أما الكاتب فقدَّم تنويعة مُختلِفة من الشخصيات التي وقعت في هذه الغواية، على اختلاف الأسباب ليس من بينها الفقر، فهاني محفوظ كان يرى نفسه عاشقًا، وهو ما تأكّد فعليًّا عندما التقى عبدالعزيز، هَامَ حُبًّا به، ولم يدخّر كل وسيلة حتى جمع الفراش بينهما. كما أن بطله الرئيسي هاني محفوظ وصديقه عبدالعزيز ينتميان إلى أسرتيْن ثريّتيْن، بل إن عبدالعزيز ينتمي إلى أسرة ذات وجاهة اجتماعية بعض الشيء، وما يُرجّح قبول العامل النفسي ليكون هو الدافع للشخصيات للسّعي إلى هذه المحبة من جنسها، أنّ العقوبات التي تعرَّض لها عبدالعزيز من أخيه ثم أبيه عندما اكتشف الاثنان علاقته، لم تعدله عن مساره نهائيًا، توقَّف فترة ثم واصل جنوحه. والشيء الثاني المميّز هو أن المؤلف لم يجعل بطله ضحية على طول الخط كما فعلت السّردية العربيّة، بل مثلما كان ضحية لعلاقته بأمه المتوترة وغيابها الدائم الذي كان سببًا في الوحدة التي أوقعته في مأزق هذه الممارسة مع رأفت، ثم تحوّل هو نفسه إلى جلّاد عندما انصاع لضغوط أمّه بالزواج، فحطّم أسرته كاملة؛ زوجته شيرين وابنته درية دون أن يكونا شريكيْن في شيء، علاوة على أنه مارس ضغوطًا على عبدالعزيز الذي عشقه حتى انزلق الاثنان في بحور المحبة، ومن أدوار الجلّاد التي مارسها ما كان تأثيره كبيرًا على أسماء خطيبة عبدالعزيز، فحدث الصدام بينهما وَحُلّت الخطوبة.

كشف المستور

ترصد الرواية في أحد جوانبها المهمّة تفاصيل عالم المثلية وما يحدث فيه من علاقات، وكذلك طبيعة الشخصيات السّلبية والإيجابية ومواقع اصطياد الزبائن وطقوسهم الاحتفائية، وما يتعرضون له في بعض الأحيان من معاملة سيئة من الطرف الثاني تبدأ بالابتذال وأحيانًا تصل إلى العنف. لكن اللافت أن المؤلف صوّر النظرة العدائية لهؤلاء المثليين من قبل أفراد المجتمع، وحالة الإفراط في التحقير لهم والتعامل معهم على هذه الصفة بغض النظر عن وظائفهم أو أوضاعهم الاجتماعية، ثم ركّز المؤلف في وصف التجاوزات التي ارتكبتها الشرطة، منذ لحظة القبض على هاني وعبدالعزيز وصولاً إلى وقائع الاحتفال بالمتّهمين جميعًا في الحجز، إلى محاكمتهم. وما تبع هذا من معاملات لا آدمية لهم، وتجريدهم من أسمائهم، إمعانًا في الإذلال، وغيرها من وقائع كشفت عن حالة من الامتهان والتحقير لهذه الفئة. كما يرصد الدور السلبي للصحافة منذ بداية القضية، وما قامت به من تسليط الضوء على عائلات الضحايا، فأعادت الصحافة قصة خالة هاني محفوظ المطربة حسنية أو حسنى التي ماتت بسبب جرعة هيروين زائدة. وهو ما يجعل الرواية بمثابة كشف المستور لهذا العالم وتعريته من الداخل.

رواية نفسية عن أزمات شخصيات

حالة الاطّراد والتعقّب لكافة أشكال الامتهان التي كان عليها الراوي وهو يرصد هذه الوقائع تُوحي بأن الراوي يُمهِّد الأجواء لحالة من التعاطف من قبل الآخرين لصالحه، ولكن الصحيح أن المؤلف المتماهي مع الرّاوي لا يريد التعاطف مع الضحية، بقدر إدانة الجلّاد، الذي استغلّ الأضعف وانتهك كرامته، أيّا كانت صورة الجلّاد مُتحقِّقة في أجهزة الدولة أو الصحافة أو حتى نظرة الناس السلبية للطرف الأضعف. تنعكس حالة الحِيدة التي يتبناها المؤلف وهو يرسم شخصية هاني محفوظ بكافة أبعادها وتناقضاتها؛ في سخطه على الوحدة، وفي ارتباكه من افتقاد أمه، وغضبه منها وخوفه عليها، وفي قوتها وهي تسأل في المحكمة لماذا هم هنا، وفي ضعفها وهي تبحث عن فريسة تشبع بها شبقها.

ولد يشتري المحبة

يكتب هاني محفوظ سيرته وأوجاعه وأيضًا انكساراته عبر دفاتر بعدما أصيب بفقد الكلام، بعد القبض عليه، يستمر في الاستعاضة بالورقة والقلم كبديل عن اللسان يستدعي في الذاكرة “كامل رؤبة لاظ” بطل رواية نجيب محفوظ السراب، مع اختلاف تركيبة الشخصيتين، إلا أن المشترك بينهما واضح ولا تنكره العين، فكلاهما كان ضحية لتأثير الأم.

هنا في رواية محمد عبدالنبي كان بسبب تدليل الأم وحالة الرفاهية التي كانت تجعله يعود إليها مسرعًا بعد كل خلاف بينهما، وعند نجيب محفوظ كان بسبب صرامة الأم وتدخلاتها التي جعلته عاجزًا ومُكبّلاً عن الاعتماد على نفسه. وفي النموذجين انتهى البطلان إلى ارتكاب جريمة؛ بطل محفوظ الأول في حقّ زوجته، وبطل عبدالنبي في حقّ نفسه وحق زوجته وزاد عليها حق ابنته بدرية.

ومثلما كان بطل محفوظ ضدًّا، فكذلك هي شخصية هاني محفوظ المثلي، هي نموذج للبطل الضدّ الذي واجه أنانية أمه التي لم تجد الوقت للاستماع إليه، في الانغلاق على ذاته، ومن ثمّ أقدم على ما أقدم عليه، إلا ليحقّق لذاته استقلاليتها، ليس بالتمرّد وإنما بتحقيق اللذة والمتعة، فالبطل هنا مستسلم إلى درجة أنه في كل معركة خاسرة كان يعاقب نفسه، فعندما صدمته الأمّ بأن لا وقت لديها بسبب عملها في التمثيل، على الفور ألقى بنفسه بين يدي رأفت، تكرَّرت حالة المواجهة والعقاب لنفسه في أكثر من مرة، فبعد زواجها من المخرج عادل المر، انسحب وهرب إلى صديقه عُمر نور، وبعد وفاتها انزوى إلى داخله في غرفته وأفرط في الشراب والمخدرات، حتى التقى بعبدالعزيز حبيبه الذي عشقه منذ أول لحظة رآه فيها أثناء خطوبته.

لا أميل إلى وصف الرواية بأنها عن المثلية الجنسية، حتى وإن طرحت الموضوع بأسبابه المتعددة، ونقلت لنا عوالم المثليين، وظروف معيشتهم وأوكارهم ونظرة المجتمع لهم، ومع الأهمية لكل هذا فالرواية ليست عن المثلية أو تدافع عنها، أو تبرر دوافع لجوء أبطالها لهذا، وإنما في ظني هي رواية نفسية عن أزمات شخصيات (أبطال مأزومين) لا تبدأ عند هاني محفوظ أكثر الشخصيات تأزمًّا، وقهرًا لذاتها، تعامل مع واقعه بسلبية، حتى بعد خروجه من السجن، وضع نفسه في سجن غرفة فندق البرنس، وكأنه أعلن استسلامه وجعل من جسده وسيلة للانتهاك، ومن ثم أدرك أن الماء لن يطهّره، فثمة بقعة في داخله تحتاج إلى النقاء. أو حتى تنتهي عند أمّه وخالته المطربة حسنية أو حسنى، وإنما تشمل الشخصيات جميعًا الذين مروا على ذاكرة هاني أو جسده مثل البرنس وكريم سعدون وعبدالعزيز وعُمر نور، وقبلهما رأفت الذي أسقط هاني في الفخ وصدمه بزواجه ثم عرض عليه أن يستمر مع صديقه البدين.

اعتمد المؤلف لغة قاسية لم تألفها السردية العربية، إلا في استثناءات نادرة، لكن توظيف المفردات في سياقها ألبسها لبوسًا مغايرًا عن استخدامها في التداول اليومي المستهجن. كما أنه استخدم مفردات في غير سياقها إلا أنها أدَّت الدلالة بحرفية كما في لفظة “حبايبنا” التي كانت تشير إلى المثليين. لا يخفى ولع عبدالنبي في كتاباته (بصفة عامة) بالتجريب الذي مارسه هنا، وإن كان بمساحة قليلة، حيث جاء نصّه موزّعًا بين حكاية هاني محفوظ عبر دفتر يومياته، وحكاية السجن منذ لحظة اعتقاله هو وصديقه عبدالعزيز في ميدان التحرير، وتنتهي عند ذات المشهد الأوّل مع اختلاف النهايات، لكن ثمة زمن استرجاعي هو قائم في ذكريات هاني وسرده عن ذاته وتاريخ عائلته، وكذلك النهايات التي انتهى إليها أفراد عائلته، يتزامن مع هذا سرد آني وفقًا للأحداث حيث يصف وقائع ما حدث، معتمدًا على الوصف المشهدي ليبرز بشاعة ما حدث أثناء الاعتقال، وليدين الجلاّد.

كاتب من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر