الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

إيفو فان هوف يحول 'ملاعين' فيسكونتي من السينما إلى المسرح

  • “الملاعين” هو الجزء الأول من ثلاثية فيسكونتي “سقوط الآلهة”، وفيه ربط المخرج الإيطالي الشهير بين بزوغ النازية وأنانية طبقة رأسمالية يسيطر عليها المركّب العسكري الصناعي، ولم تكن تجد حرجا في الاستهانة بكل القيم الإنسانية في سبيل تحقيق المطامح، سيناريو الفيلم استغله المخرج البلجيكي المميز إيفو فان هوف في عمل مسرحي بالغ الإثارة يعرض بالكوميدي فرانسيز، في إخراج تراجيدي يذكر بمسرح شكسبير.

العرب أبو بكر العيادي [نُشر في 2017/01/09، العدد: 10507، ص(16)]

عرضان في عرض واحد

لم يحدث أن تمّ تحذير ذوي النفوس المرهفة من حضور عرض مسرحي قد يصدمهم بمشاهده الدموية العنيفة، كما هي الحال مع مسرحية “الملاعين” التي يعرضها الكوميدي فرانسيز، هذا العرض المذهل الذي جمع فيه المخرج البلجيكي إيفو فان هوف، المدير الفني لفرقة “تونيلغروب” الهولندية، بين الأداء المسرحي المتطور والتقنيات السينمائية الحديثة، لوضع المتفرج في المناخ الذي عاشه سكان ألمانيا إبان صعود النازية، وفى بكل وعوده، فقد خلق جوّا من التوتر، مشوب أحيانا بالرعب، غمر المتفرجين طوال أكثر من ساعتين.

وهذا ليس جديدا على هذا المخرج البلجيكي الذي يختطّ لنفسه أسلوبا خاصا يتبدى في كل الأعمال التي استند إليها، والتي تشمل المسرح والسينما والأوبرا، فخلال عشريتين، تنقل فان هوف من سوفوكليس إلى شكسبير، ومن موليير إلى برنار ماري كولتيس، ومن جون كاسافيتس إلى أرثر ميلر بنجاح لافت. في عمله هذا، لم يَقم فان هوف باقتباس شريط فيسكونتي، بل عاد إلى السيناريو ليخرجه مسرحيا، وإذا كان “ملاعين” السينمائي الإيطالي يركز على العلاقات التي تربط الرأسمالية بالنازية، ويدين طبقة جشعة سرعان ما ركعت لتكون موطئ قدم للفهرر، فإن “ملاعين” فان هوف يطمح إلى معانقة مجتمع بحاله، من خلال خطوط القوة التي تهيكله، في حركة أوسع وأشمل.

فمن خلال سيرة عائلة صناعيين أثناء وصول النازيين إلى السلطة في ألمانيا عام 1933، يتوقف عند السقوط الأيديولوجي لطبقة مستعدة لعقد أكثر التحالفات غرابة بهدف تحقيق مطامحها الاقتصادية. تبدأ الأحداث كما في فيلم فيسكونتي يوم 27 فبراير 1933، عند اجتماع عائلة فون إيسّنبيك، مالكة مصانع الفولاذ في مقاطعة الروهر للاحتفال بعيد ميلاد البطرك البارون واكيم. خلال مأدبة العشاء، حيث يتناهى إلى علمهم خبر حريق الرايخستاغ، يعلن البطرك عن نيته تقريب المؤسسة العائلية من الحزب النازي الذي يزداد ثقلا وقوة كل يوم.

فان هوف يتجاوز في المسرحية الصبغة التاريخية للأحداث المروية، ليلامس كونية نلمس آثارها التراجيدية اليوم

هذا الاختيار، الذي أملته المصلحة الاقتصادية وحدها، يرغم هربرت تالمان، ابن أخت واكيم، على الاستقالة من منصبه كمدير مساعد في مصانع الأسرة، لأنه كان يعارض النازية، فيخلفه قسطنطين فون إيسّنبيك ابنُ البارون الأصغر والعضوُ في كتيبة الصاعقة “إس أي”. عندئذ نسجت صوفي فون إيسّنبيك، أرملة ابن واكيم الأكبر، وعشيقها فريدريخ بروكمان، وهما مقربان من فرق الحماية المسلحة “إس إس” خطة ماكيافيلية للاستيلاء على المصانع، فقتل فريدريك العجوزَ واكيم بمسدس هربرت، الذي لاذ بالفرار بعد اتهامه بالجريمة، وبذلك ورث مارتن، ابن صوفي، رئاسة الشركة فعهد بها إلى فريدريخ.

حدث ذلك قبيل ما عرف بـ”ليلة السكاكين الطويلة”، وهي عملية تطهير وقعت ما بين 30 يونيو و2 يوليو 1934، نفذ خلالها النازيون سلسلة من الإعدامات السياسية، وكان معظم القتلى من أعضاء فرقتي “كتيبة العاصفة” و”القمصان البنية” الشبه العسكريتين، وأقصي إثر تلك العمليات قسطنطين عن الإدارة نهائيا. هذه الأسرة الثرية، وجدت نفسها في دوامة صراع محموم على السلطة، والنفوذ والمال، صراع اجتمع فيه العنف والجنون، فاختارت التواطؤ مع النازيين، ففقدت كل شيء، حتى الكرامة، وكما هو الشأن في تراجيديات شكسبير، يتوارى الأبطال الواحد تلو الآخر في حمامات دم، ولا ينجو منهم إلاّ القليل.

حرص المخرج على خلق أجواء تلك الفترة الحالكة من تاريخ ألمانيا، بتخير خلفية موسيقية لفنانين “منحرفين” حسب التصنيف النازي كسترافينسكي وشونبرغ، أو ممن يمثلون وِفْقَهُ القوميةَ الجرمانية كبتهوفن وفاغنر، وإن أسرف في استعمال الوسائل التقنية، حيث كانت ثمة أكثر من كاميرا تصور المشاهد الحية، وتنقلها مباشرة إلى شاشة عملاقة، ومؤطّر يتبع الممثلين في الكواليس وعلى الركح، ليصورهم عن قرب، وشاشةُ فيديو تعمل عمل عدسة مكبرة، وصورٌ جاهزة تختلط بصور اللحظة الراهنة، ووثائقُ من الأرشيف.

وعلى جانبي الخشبة مناضد الماكياج من ناحية حيث يغير الممثلون ألبستهم أمام الجمهور، وتوابيت من الناحية المقابلة، لا تلبث أن تنغلق على الشخصيات تباعا، إلاّ ما ندر. وغالبا ما توجَّه عدسة الكاميرا إلى الجمهور، وتنقل صورته على الشاشة، كأنما يراد تسجيل سلبيته وهو يشاهد ما يجري من ويلات على الخشبة دون أن يحرك ساكنا.

أنتم هنا ولا تقولون شيئا؟ تشاهدون الدم يراق، والذمم تباع وتشترى، والدسائس تحاك، والكتب تُحرَق، وحرية الشعب تصادَر ولا تتحركون؟ وما أشبه اليوم بالأمس، كما في المأساة السورية، حيث يذبح شعب أعزل والعالم يتابع المشاهد الأليمة كما يتابع شريطا سينمائيا لا يتفاعل معه إلاّ لحظة بثه، ثم ينتقل بعدها إلى أموره الخاصة، دون أن تعنيه المآسي، إلى أن تحل الكارثة. ذلك أن فان هوف يتجاوز في هذه المسرحية الصبغة التاريخية للأحداث المروية، ليلامس كونية نلمس آثارها التراجيدية في ما يجري في عالمنا اليوم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر