الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

'مولانا' يفضح العلاقة بين رجل الدين والسلطة والإرهاب

  • مازال الطرح الديني في الأعمال الفنية يتمتع بقدر كبير من المتابعة والاهتمام، خاصة مع وتيرة التشدد الديني التي بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة، مخلفة انقسامات وتصدعات اجتماعية تصل حدّ العنف والدمار، وقد شملت مختلف أصقاع العالم، حيث بات العنف في مواجهة العنف المقابل، ما يهدد الإنسانية جمعاء. لذا صار لزاما تتبع التطرف ومنابته بجرأة وصدق، وهو ما قام به فيلم “مولانا” المصري الذي عرض هذه الأيام بالقاهرة، ونجح في حشد الجماهير من مختلف الشرائح والطوائف الدينية؛ مسلمين وأقباطا، مخلفا حالة واسعة من الجدل الساخن والنقاشات المتباينة.

العرب هشام النجار وسارة محمد [نُشر في 2017/01/10، العدد: 10508، ص(15)]

رجل الدين المزيف حبة في مسبحة السلطة الفاسدة

“مولانا” فيلم مأخوذ عن رواية بنفس العنوان للكاتب والإعلامي المصري إبراهيم عيسى، ينتقد فيها معالجة الدولة لمشكلة الإرهاب والتطرف التي باتت قضيّة العصر الأولى، ويفضح جانبا من الألاعيب التي أدت إلى انسداد الطريق أمام تجديد الخطاب الديني، بل والمتاجرة بالدين من أوسع الأبواب.

الفيلم بعد عرضه خلف مجموعة من الآراء المنتقدة له من التيارات الدينية، التي ترى أن كاتبه يأخذ موقفًا معادياً منها، أو تلك التي ترى أن العمل لا يصلح تقديمه في الوقت الحالي، حيث عرض الفيلم في الرابع من يناير2017، أي قبل موعد الاحتفال بأعياد الميلاد، وعقب حادثة الكنيسة البطرسية بالقاهرة، التي وقعت في ديسمبر الماضي، وهي الحادثة الشبيهة بحادثة “التفجير”، التي وقعت في نهاية أحداث الفيلم.

وهناك من اعتبر الفيلم تصفية حسابات من الكاتب إبراهيم عيسى مع النظام الحاكم السابق في مصر، والذي ضيّق عليه الخناق في وقت من الأوقات، لكن رغم كل هذه الآراء يظل هذا الفيلم عملًا يقدم مكاشفة حقيقة لإدارة الملف الديني في مصر، ومدى التلاعب به، سواء من السياسيين، أو من أجهزة الأمن، أو من رجال الأعمال، أو حتى من مثقفي المجتمع المصري.

الداعية المتلون

هذا العمل "الروائي والسينمائي"، يكشف الكثير من عيوب المجتمع المصري وعوراته، وسط محاولات كل طرف لاجتذاب الآخر

تبدأ أحداث فيلم “مولانا” من كادر الصورة الأوسع، الذي يبين ضخامة منازل القاهرة القديمة، في حي القلعة (وسط القاهرة)، ثم تدخل الكاميرا إلى داعية يخطب في أحد مساجد هذا الحي، وهو الشيخ حاتم، الذي سيصبح في ما بعد أحد دعاة الفضائيات الشهيرين، ونسمعه وهو يوصي كبار المسؤولين والقيادات الأمنية بالدولة، بتقوى الله في مباشرة أعمالهم، وسندرك أن ثمة علاقة غير مباشرة، بين الشيخ وتلك القيادات، وكيف أنها تحاول اجتذابه للسير حسب قواعدها، لكنه لم يستسلم.

يبرز الفيلم، شخصية الداعية الأزهري كأداة جاذبة للإعلانات، سواء بالشكل الذي تظهر به، أو بأسلوب “مسرحة الدعوة والفتوى”، وجعلها خاضعة للمعايير الإعلامية، لينتفع الشيخ بالأموال، ويصبح مكوّنا ضمن شبكة علاقات حاكمة، تعتمد على تبادل المصالح بين السلطة ورجال الأعمال ورجل الدين، الثالوث الذي يلعب دورا سلبيا في المجتمع، ويعوق محاولات تثقيفه وتوعيته. وهذا ما تقدمه شخصية “مولانا حاتم الشناوي” بطل أحداث الفيلم، “الداعية المتلون”، الذي يساير كل العصور، ويروّج لأفكار كل الأنظمة السياسية، وهو صورة عن الداعية باعتباره رجلا يفعل كل هذا من أجل لقمة العيش.

القوام الذي تنطلق منه أحداث الفيلم، تميّز بالحركة والتنقل السريع، لعرض حياة الشيخ حاتم، ورحلة صعوده السريعة إلى العالم الفضائي، مرورًا بزواجه وإنجابه طفلًا صغيرًا، وبداياته نحو الدعوة، وحياته الأسرية في السابق، وكيف يظهر في المشاهد، وهو يدندن بأغنية أم كلثوم “يا ليلة العيد”، كما أنه متمرس في لعب كرة القدم. ثم سنرى المزيد من الجذب، الذي يخطف أنظار المتلقي، نحو المتابعة المتأنية، خصوصًا خطوات التحول في حياة الشيخ، والذي صاحبته المشاهد وهو يتلو آيات من القرآن الكريم ويردد أدعية الاستغفار.

وكان لافتا ذلك المشهد الذي يقوم فيه حاتم بوضع ماكياج لوجهه قبل ظهوره على الهواء، فيسأله الإعلامي الذي يشاركه تقديم الحلقة “تفتكر.. ما هو إحساس المصلين وراءك، لما يشوفوا مولانا وشيخنا يضع ماكياجا قبل التصوير؟”، فيرد الشيخ “ما النبي صلى الله عليه وسلم يا خويا، كان يحنّي شعره، ويكحّل عينيه”، وهذا الحوار، هو الذي تنطلق منه بالأساس أحداث الرواية، حيث يعطي صورة مبدئية لتحايل الشيخ حاتم على بعض الأمور للحفاظ على عمله.

أما التأزم الحقيقي الذي يعيشه البطل، فيسير في خطين أساسيين، أولهما، الصراع النفسي المحتدم، عندما يدخل طفله الصغير، الذي رُزق به بعد طول انتظار (سبع سنوات)، في غيبوبة عقب سقوطه في حمام السباحة، ما يصيب علاقته بزوجته في ما بعد بتعقيدات كبيرة. أما الخط الثاني، فيظهر مع ظهور شخصية جلال بيك، الذي يرمز إلى شخصية واقعية هي جمال مبارك، نجل الرئيس الأسبق حسني مبارك، والذي كان يتم تجهيزه لتولي مقاليد الحكم، وهو التجهيز الذي يتجلّى من خلال الحوار الذي يرد على لسان أبطال الفيلم.

هذه العلاقة، بدأت بالتقاط صورة تذكارية للشيخ مع نجل الرئيس، وكان المقصود بها إحراجه وتوريطه أمام جمهوره، بأنه على علاقة بأسرة الرئيس، حتى يخضع فينفذ أوامر الأمن، خصوصا وأن “مولانا” يتمتع بقاعدة جماهيرية كبيرة. ويرسم الفيلم صورة كاريكاتيرية للشيخ الأزهري، اعتمادا على شخصية تجيد المزج بين الجد والهزل، وبين صورة الشخصية المألوفة للشيخ بوقارها وهيبتها، والأخرى الهزلية المتفكهة البارعة في إطلاق النكات.

تجارة الدين

الفيلم يعالج إشكاليات مثيرة للجدل في المجتمع المصري، أهمها التباين بين المنهج العقلي والفلسفي، وصراع الأديان

يزخر فيلم “مولانا” -وقبله الرواية- بالمشاهد التي ترسخ صورة المشايخ كـ”تجار دين يرقصون على كل الحبال”، فيقول حاتم الشناوي في حواره مع والده “أنا موظف بدرجة شيخ، عارف أنا إيه يا بابا؟ أنا تاجر علم”. في جلسة تفاوض مع رجل أعمال يقول “أنا رعديد لا دخل لي بالسياسة”، ويقول للوسيط بينه وبين ابن الرئيس مجيبا على فتوى هل التمثيل في السينما حرام أم حلال “هل أجيبك كحاتم الشناوي شيخ الجامع.. أم حاتم الشناوي شيخ التلفزيون.. لأن شيخ الجامع يرضي الله.. بينما شيخ التلفزيون يرضي الزبون”، ويقول لزوجته “سطح الدين يا أميمة له جمهور وممولون.. إنما عُمقه وجوهره فلا يفهمه أحد.. ولا يُموّله أحد”.

ويرسخ الفيلم صورة الشيخ “العاشق للشهرة والأضواء”، ويعرض الفتوى الدينية في صورتها الاستهلاكية التجارية، لتسقط الصورة الوقورة التقليدية للداعية الأزهري، وتظهر كواليس النفعية الفجة، التي لا تنتج تنويرا إنما تنتج تزويرا وتسطيحا للقضايا، كما جاء على لسان البطل بأن الشيوخ لو بسّطوا الدين لن يأكلوا عيشا، فهم يعيشون على تعقيده. كما يظهر الفيلم تجليات رجل الدين السياسي، الذي يصبغ الممارسات الحياتية “الظالمة” بمسحة تبريرية دينية، بالضبط كما هي الحال في فيلمي، “الزوجة الثانية” لصلاح أبوسيف، و”الأرض” ليوسف شاهين.

حوار كاشف

سوف يبدو للمتفرج، أن الحوار الذي كتبه إبراهيم عيسى للرواية والفيلم، أراد من خلاله أن يفصح عن البعض من الأسرار، التي كان النظام السابق يدير بها شؤون السياسة والدين داخل الدولة، وفي الحوار يكشف عيسى سرا قد لا يعرفه الكثيرون، وهو أن نجل الرئيس، يتلقى خارج البلاد، علاجا من مرض الصرع، وهنا تجب الإشارة إلى أن عيسى كتب هذا الحوار (القصة)، زمن معارضته الشديدة لنظام مبارك، في عام 2009.

ثم يستكمل عيسى هذا الخط، باختياره شخصية أحمد كامل منصور، الرجل الذي يرمز لوالدة زوجة نجل الرئيس، والذي يعاني مشكلة كبيرة، هي أن ابنه حسن، الذي عاد من الخارج، قرر أن يعتنق المسيحية، الأمر الذي ترى فيه العائلة الحاكمة خطرا كبيرا على مستقبلها السياسي، ما يجعلها تطلب معاونة مولانا الشيخ حاتم. حسن -أو بطرس كما يُسمى بالفيلم- هو شخصية متقلبة مذبذبة، وليس لديه رسوخ في العقيدة، لا الإسلام ولا المسيحية، ثم ينتهي به المطاف، في نهاية الفيلم، بالانضمام إلى إحدى الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي تجعله يذهب لوضع حقيبة متفجرات بإحدى الكنائس.

الحوار في هذا العمل “الروائي والسينمائي”، يكشف الكثير من عيوب المجتمع المصري وعوراته، وسط محاولات كل طرف لاجتذاب الآخر. كما يكشف الحوار تخلي المتطرفين عن العلم واختراع أدوية جديدة، وانشغالهم بأمور سطحية. ففي وسط صراع التجاذب الديني يوضح الفيلم، كيف أن موقف شاب مسلم يرغب في اعتناق المسيحية، أو سعي فتاة مسيحية لاعتناق الإسلام، لا ينمّ عن إيمان حقيقي، وأن كليهما لا يعرفان عن الدين الآخر شيئا، وأن المسألة كلها لا تخرج عن كونها خدعة تستخدمها الدولة لتحقيق أغراض سياسية خفية.

جدل ساخن

الرواية الضخمة، التي تم ترشيحها ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2013، تتضمن الكثير من الأفكار عن الصراع الديني في المجتمع المصري. من بين تلك الأفكار، مهاجمة الدولة للشيخ “مختار”، هذا الرجل المتصوف، الذي تتلمذ على يديه “الشيخ حاتم”، حيث تزداد محاولات التضييق عليه من قبل النظام، وفي ذلك إلقاء الضوء على الصراع بين السُنّة والشيعة، وقد ترك المخرج، مجدي أحمد علي، مصير مختار مفتوحا، واكتفى بحرق منزله، وخروجه حيا، فإما أن يقع في قبضة الأمن، وإما أن يقتل على يد أعدائه.

ويحفل الفيلم بمعالجة إشكاليات مثيرة للجدل في المجتمع المصري، أهمها التباين بين المنهج العقلي والفلسفي، ممثلًا في المعتزلة مقابل التيار السلفي، وظاهرة التشيع والتحول من الإسلام إلى المسيحية والعكس، وموقف الإسلام من الاختلاف في الفكر والعقيدة، فضلًا عن إنكار السنة وظاهرة القرآنيين، وكيفية التعامل مع التراث والفتاوى المثيرة للجدل، مثل فتوى “إرضاع الكبير” وغيرها.

الرسالة الأساسية للفيلم -ومن قبله الرواية- تحمل لومًا من النخب المثقفة للدولة، بسبب إصرارها على الاعتماد على المشايخ، في إيصال المحتوى التنويري للجمهور، بعدما دخلت هذه النخب بمختلف انتماءاتها الفكرية مع مؤسسات الدولة في مواجهة امتدت عقودا ضد الإسلام السياسي. ويعتبر المثقفون الدولة المصرية غافلة عن مصالحها، ولا تدري بأي وسائل ناجعة تواجه أزماتها، بينما يقدم هؤلاء المثقفون أنفسهم، كطرف “نقي”، بلا أغراض، لمعالجة تلك الإشكاليات وخوض تلك المعارك.

صورة رجل الدين السياسي، الذي يصبغ الممارسات الحياتية "الظالمة" بمسحة تبريرية دينية ويتواطأ مع السلطات

وترمز أحداث الفيلم -وأيضا نهايته- لتبعات هذا التحالف، التي تؤدي في نهاية الأمر إلى ترسيخ الفكر المتطرف، وخروج الإرهاب من “بيت السلطة”، فالإرهابي هو قريب الحاكم، وكأن الفيلم يقول إن السلطة مسؤولة -بممارساتها الخاطئة- عن نمو الإرهاب، حيث تربى”الإرهابي” وعاش فترة في “بيت الشيخ”، الذي اضطرّ لاستضافته وإقناعه بالتخلي عن فكرة اعتناق المسيحية، لكنه يخدع الجميع، فيفجر الكنيسة، وتظهر انتماءاته الحقيقية وارتباطه بتنظيم القاعدة.

ولعل ثورة الشيخ حاتم في نهاية الفيلم، عندما يدعونه إلى الخطاب في الكنيسة المفجرة، فيقول “نحن هنا مجرد ماكياج لتغطية وجوهكم القبيحة”، يبدو أنها رسالة إلى القيادات الأمنية والسياسية، بأنهم هم أساس التطرف والإرهاب، وسببه الأهم. الفيلم يؤسس على أطروحات فيلم “المصير”، للمخرج الشهير يوسف شاهين، في عام 1995 ويكملها، فابن رشد -الذي قام بدوره الفنان الراحل نور الشريف- يلقي مسؤولية انتشار التطرف على السلطة والمؤسسة الدينية. فالحوار بين ابن رشد والحاكم، في فيلم “المصير”، يلخص الفكرة الرئيسية في فيلم “مولانا”، عندما تفضل السلطة اللعب مع الإرهاب بورقة مضمونة سهلة الترويض، مقابل الحذر من الاعتماد على النخب المثقفة ومختلفة الانتماءات.

ومن خلال هذا الفيلم يمكننا ان نستخلص أن القوى التنويرية إن كانت قبل عقدين من الآن، قد نافست الإسلام السياسي، على الوصول إلى قلب الحاكم -كما حدث بين السلطة السابقة وجماعة الإخوان- فهي تعود اليوم لتثبيت أقدامها في صدارة المشهد الثقافي والإعلامي، مستدعية نبوءاتها بشأن الإسلام السياسي، ودورها في مواجهته، وكاشفة عن خلفيات عدم أهلية التيار الديني التقليدي عن القيام بهذا الدور.

لكن يبقى في الاعتبار الرأي القائل بأن الفيلم من شأنه ألا يخدم الملف الأهم حاليا، وهو محاربة الإرهاب والتطرف، فموضوعه مرتبط بالصراعات، وكواليس الصفقات والمنافسات بين الأطراف المعنية بتلك المواجهة، سواء فكرية أو أمنية وسياسية، ما يعكس الواقع الحالي الذي يسود فيه التنافس والصراع على صدارة المشهد الإعلامي والثقافي، لتتراجع فرص المواجهة الشاملة الناجعة للإرهاب، التي تحتاج إلى تنسيق وتعاون لا إلى صراع وتنافس.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر