الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

شارع المتنبي يجمع العراقيين بعد أن فرقتهم الطائفية والسياسة

  • المعروف أن المواطنة لا يمكن توطيدها إلا من خلال رموز ثقافية يمكن أن توحّد الجميع وتبعث في النفوس احترامها وجعلها الاهتمام الأكبر لما يهتمون به، وشارع المتنبي في العاصمة بغداد صار أحد هذه الرموز الوطنية العراقية.

العرب فيصل عبدالحسن [نُشر في 2017/03/13، العدد: 10570، ص(20)]

الكتب القديمة وآخر الاصدارات الأدبية جنبا إلى جنب على أرصفة شارع المتنبي

بغداد- لم تعد الثقافة ترفا في البلدان العربية وفي العراق على وجه الخصوص، فقد تحول شارع المتنبي في بغداد إلى شارع للثقافة، والمكان الذي يلتقي فيه الناس من كافة الطوائف والقوميات والأديان يجمعهم فيه حب الثقافة.

واشتهر شارع المتنبي منذ العصر العباسي كسوق للورّاقين ومكان لبيع المخطوطات، وهو المكان الذي كان الأدباء يحرصون على زيارته لاقتناء ما تطبعه المطابع في العصر الحديث.

ويزدحم الناس في هذا الشارع الشهير كل صباح الجمعة لشراء الكتب بمختلف أنواعها الأدبية والفكرية والتاريخية، أو لقضاء وقت سعيد مع الأصدقاء في مقهى من مقاهيه.

مقهى للقاء الأحبة

ومن المقاهي التي تقع على أطرافه حاليا، مقهى الشابندر، مقهى حسن عجمي، ومقهى الزهاوي. وأقيمت هذه المقاهي الثلاثة وغيرها بعد افتتاح شارع الرشيد في عهد الوالي العثماني خليل باشا في العام 1916.

ويقول الباحث زيد حمود إن “شارع المتنبي كان اسمه في العصر العباسي ‘درب زاخا’، (زاخا كلمة آرامية تعني الوراق أي الذي يعمل في حرفة الكتابة). وبالقرب منه توجد ثلاثة مقاه تراثية، وهي كل ما تبقى من ثمانية مقاه تحول بعضها إلى محلات تجارية، كمقهى البرلمان والبلدية والفن (أم كلثوم) وعارف آغا، ومقهى خليل القريب من تمثال معروف الرصافي الحالي”.

ويضيف حمود “أول من أطلق اسم المتنبي على الشارع الملك فيصل الأول في العام 1932 حيث يقع الشارع قبالة دار الحكومة السابقة ‘القشلة’، التي كانت ثكنة عسكرية في أيام الدولة العثمانية. وسمّي الشارع في العشرينات من القرن الماضي بـ’جادة الوراقين’ وكان في ذات الوقت قريبا من مقرات دواوين الحكومة”.

ويذكر جابر محمد بائع كتب قديمة (60 عاما) أن “الملالكين الحقيقيين للمكتبات في شارع المتنبي باعوا دكاكينهم لمن حوّلها إلى محلات لبيع القرطاسية والدفاتر، أما باعة الكتب فقد افترشوا الأرض بكتبهم عند مدخل الشارع”.

وأضاف البائع محمد أن “الناس الآن يبحثون عن الكتاب الثقافي، عن رواية جديدة شاع اسمها في الإعلام أو عن كتاب في الثقافة والفن والفكر، لكن البحث انحسر في الكتاب الديني كما كان بين الأعوام 2003 و2009 بسبب العنف الطائفي في تلك السنوات”.

ويقول الشاعر وبائع الكتب حسين علي يونس (45 عاما) عن عمله في هذا الشارع “أبيع الكتب المستعملة منذ التسعينات من القرن الماضي، والزبائن في هذه الأيام يميلون إلى شراء الكتاب الثقافي. بينما فيما مضى كان الناس يبحثون عن كتب كانت ممنوعة في العهود السابقة، من بينها كتب لكتّاب شيوعيين ككتب كارل ماركس ولينين وإنجلز ومكسيم غوركي وكتب دينية كـ’المراجعات’ لعبدالحسين شرف الدين و’مقاتل الطالبيين’ لأبي فرج الأصفهاني و’اقتصادنا’ و’البنك اللاربوي’ لمحمد باقر الصدر، وغيرها”.

ويضيف يونس أن “سبب هذا التغيير يعود بالأساس إلى مزاج القارئ وانهيار النموذج الإسلامي في الممارسات الحياتية وفي الحكم. خصوصا لما لمسه المواطن من فشل الأحزاب الدينية في العراق في حكم البلاد بشكل عادل ونزيه”.

الناقد محمد جبير (60 عاما)، الذي كان يبحث عن أصدقاء له من الأدباء ضرب لهم موعدا في استراحة شارع المتنبي وهي ساحة جانبية وضعت فيها مناضد دائرية ومقاعد وانتشرت حولها “أكشاك” الكتب والمكتبات الصغيرة حيث ازدحمت هذه الساحة بالناس والبعض منهم لا يجد مكانا للجلوس فيتناول قدح الشاي أو فنجان القهوة واقفا على أمل أن يترك أحد الجالسين مقعده ليشغله، سأل عدة بائعين عن كتب صدرت حديثا، ولكن هزة رأس نافية من أكثر من بائع جعلته يعود إلى صديقه الشاعر حسين علي يونس ليرشده إلى روايات وكتب جديدة صدرت في العام 2017.

حب الثقافة

ويقول الشاعر أمين جياد (65 عاما)، الذي كان يبحث عن كتب نقدية ومذكرات شخصية لسياسيين عراقيين وعرب صدرت حديثا في لندن، إنه “لم يغادر إلى خارج العراق كغيره من الشعراء والكتاب العراقيين وبقي في الوطن، وبالرغم من هذا، فهو لم يفته الحصول على معظم الكتب التي طبعت خارج العراق”. وأضاف أن “الثقافة بكل ألوانها الفنية والفكرية والأدبية تجمع الناس ولا تفرقهم وهذا من حسناتها لأنها تجعل للحياة معنى”.

ويؤكد أغلب رواد شارع المتنبي الثقافي أن المكان وحّد الناس وفعل عكس ما فعلته السياسة تماما. ويقول محمد عمران الزيدي (50 عاما) “يمكننا أن نلاحظ في صباح كل جمعة المئات من الرجال والنساء والشباب والأطفال وهم يزورون شارع المتنبي. وهذا يتم رغم المخاطر الأمنية وحواجز التفتيش التي يتعرضون لها. وهذا دليل على أن الناس يقبلون على الحياة ويريدون العيش بسلام في لحظات تكون خالية من التفكير في العنف والمخاطر”.

ويضيف “أحرص في كل جمعة على اصطحاب ابني عمر معي لنقابل الأصدقاء أو لنتعرف على أصدقاء جدد وللبحث عن كتب أكاديمية تفيدني في تخصصي أو تفيد ابني عمر الذي يهوى قراءة القصص البوليسية. فهو اليوم فرح بحصوله أخيرا على مجموعة من قصص جونسون وقصص أرسين لوبين، ورواية جريمة في قطار الشرق السريع لأغاثا كريستي”.

وتؤكد كواكب مرتضى، وهي صحافية وعضو في “جمعية الثقافة للجميع” ومشاركة في صفحة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك مع مجموعة من الناشطات باسم “شارع المتنبي”، حضور المرأة المتميز في هذا الشارع.

وتقول كواكب البالغة من العمر 27 عاما، إن “التفجير الذي تعرضت له المكتبات في شارع المتنبي في العام 2007 وراح ضحيته العشرات من الناس لا يزال في ذاكرة كل من يقصد الشارع. وقد كنا بعد هذا الحادث المروّع حين نأتي كل جمعة لنقرأ الشهادة على أرواح الضحايا قبل الخروج من بيوتنا. ولكن بفضل المثابرة، تم إنشاء العديد من الجمعيات الثقافية التي تهتم بتقديم فقرات ثقافية في هذا الشارع كـ’التجمع الثقافي في شارع المتنبي’ و’جمعية الثقافة للجميع′ و’المركز الثقافي البغدادي’ وجمعية ‘المدى الثقافية’ التي تقدم أنشطة مسرحية وشعرية وخطابية أسبوعية”.

وتضيف “شارع المتنبي يذكرنا بسوق عكاظ القديم. والكثير من تقاريري أو ما أكتبه جميعها أستقيها مما أراه وأعيشه كل جمعة في هذا الشارع. صحيح أن عدد النساء في هذا الشارع أقل من عدد الرجال، وهذا يعود إلى كثرة مشاغل المرأة العراقية خصوصا أيام الجمعة. ولكن هُنَّ موجودات في الكثير من الأنشطة الثقافية والفنية ويمكنك أن تتابع الأنشطة في الشارع لتعرف مساهمة الشابة العراقية في صنع الفرح من خلال التمثيل أو الخطابة أو قول الشعر”.

وأوضحت كواكب أن “الأعمال الثقافية في العراق تحاول أن تصلح ما يفسده السياسيون في حياتنا، وتبعث الأمل بأن يأتي يوم أفضل للعراقيين”. ولا يكتفي بعض الآباء بالحضور إلى شارع المتنبي بل إن الكثيرين منهم يجلبون أطفالهم معهم للبحث عما يحتاجونه من قرطاسية أو مجلات أو لوازم أخرى كأقلام التلوين والخرائط وغير ذلك.

الثقافة بكل ألوانها الفنية والفكرية والأدبية تجمع الناس ولا تفرقهم

ويقول ماجد البالغ من العمر 12 عاما “أحضر مع أخي إلى شارع المتنبي وهو ينشغل ببسطته لبيع الكتب المستعملة، وأنا أرتّب الكتب وأتولى النّداء لجلب الزبائن”. ويضيف “كل جمعة أتعلم شيئا جديدا عن عالم الكتب، أسعارها وأهميتها وما يلحّ في طلبه الزبائن. فمهنة بيع الكتب القديمة مربحة لكنها مهنة شاقة كغيرها ولها أسرارها وعليّ أن أتعلم وأتعلم لأصير مثل أخي أستطيع أن استقل ببسطة خاصة بي”.

ويشير ماجد إلى أن “أساتذته في المدرسة يطلبون منه في بعض الأحيان أن يقتني لهم كتابا ما فيظل يسأل عنه الباعة حتى يحصل عليه”. ويقول “حالما يحصل أستاذي على الكتاب المطلوب، الذي أجلبه له أرى الفرح في عينيه. ويعطيني مبلغا إضافيا فوق سعره الحقيقي لتشجيعي. فهم يعرفون أنني وأخي الكبير نعيل أنفسنا وأمنا بعد وفاة والدي”.

ويزداد ازدحام الناس في شارع المتنبي كلما تقدم اليوم (الجمعة) ويصل أوجه قبل منتصف النهار بقليل، ويشير الحاج خليل إسماعيل (65 عاما) وهو من المترددين الدائمين على الشارع إلى أنه “ليس كل ما يقال عن بيع الكتاب الثقافي وازدهاره في هذا الشارع صحيحا، فالعمل التجاري في هذا الشارع غطى كثيرا على حضور الكتاب الثقافي. لقد أصبح الشارع مكانا لبيع القرطاسية والحقائب المدرسية والأدوات المكتبية والأحذية والملابس. أما الكتاب الثقافي فقد طرد إلى خارج الشارع وإلى ضفتيه وأخذ يباع على الرصيف ككتب مستعملة”.

ويضيف إسماعيل “الدولة لا شأن لها بالثقافة ولا الكتاب الثقافي، فهي غارقة في همومها وبعيدة عن نبض الشارع. وكل الدلائل تشير إلى عداء مستحكم لدينا في العراق بين الثقافة وسياسي اليوم. فلم يظهر أحد السياسيين المعروفين يوما ما في هذا الشارع أو روّج لكتاب ألفه أو شارك في نشاط ثقافي مما يقدم أسبوعيا فيه”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر