السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

الألمنيوم يغتال 'القمرية' درة تاج العمارة اليمنية

  • القمريات اليمنية هي فنّ خاص يضيف إلى نوافذ البيوت اليمنية ذوق الأصالة بالاعتماد على مكوّنات بسيطة من الزجاج الملون والجص وبراعة الحرفيين المبدعين. وللقمريات العديد من التشكيلات، منها القديم ومنها الحديث. وبالإضافة إلى بعدها الفني تحتلّ القمرية بعداً دينياً، إذ يعتقد الكثير من اليمنيين "أن البيت بلا قمرية هو بيت بلا بركة".

العرب  [نُشر في 2017/03/16، العدد: 10573، ص(20)]

هل تنطفئ لوحة الضوء البديعة

صنعاء - قد تلاحظ وأنت تتجول في شوارع المدن اليمنية، بشكل ملفت في العديد من الأحياء، تحوّل نسبة كبيرة من منفذي مشاريع بناء المنازل والشقق السكنية إلى النمط المعماري الجديد والمتشابه في العديد من أحياء المدن العربية، فالمنازل الجديدة في صنعاء لم تعد تستخدم "القمرية" التي تزيّن المكان العلوي لنوافذ البيوت منذ قرون طويلة.

وباتت صناعة "القمرية" في اليمن قريبة من الاندثار، بعد قرون من انتشار هذا الطراز المزخرف في العديد من مناطق البلاد، كتقليد ثقافي تراثي توارثته الأجيال.

والقمرية عبارة عن نصف دائرة تعلو نوافذ البيوت، مكوّنة معظمها من مادة تسمى الجص (الجبس) ذو اللون الأبيض، وفي داخلها أشكال زخرفية مختلفة تزيّن بالزجاج الملوّن بالكثير من الألوان كالأزرق والأحمر والأصفر والبرتقالي لتضفي نوعا من الجمال والزينة على داخل المنازل وخارجها.

والقمرية ابتدعها المعمار اليمني لتأمين الإضاءة الداخلية بعد إغلاق النوافذ الخشبية التي يترتّب على إغلاقها ليلا أو نهارا فقدان الإضاءة الطبيعية وصفائها.

ويرى البعض من الباحثين أنّ سبب التسمية يرجع لبياضها الناصع الذي تتميز به لأن النور الذي ينفذ منها يكون أبيض صافيا أشبه بضوء القمر كما أن ألواح بعض النوافذ دائرية أشبه ما يكون شكلها بالقمر ليلة تمامه.

وتؤكد الدراسات العلمية أن القمرية تضفي مسحة رائعة على المنزل اليمني من الخارج وقد تفنن الحرفيون في ابتكار عقد مزدوج أحدهما داخلي وهو المزخرف، والآخر خارجي وتغطي فتحاته الزخرفية بالزجاج الأبيض الذي يمكن تنظيفه بسهولة.

صناعة القمرية

يستخدم اليمنيون منذ فترة طويلة القمرية في المنازل بالمدن والأرياف، وعادة ما يتم وضعها في الطوابق العليا، خصوصا في الغرف التي يجتمع فيها السكان، أو ما تسمى بــ”الدواوين”.

تفنن الحرفيون في ابتكار قمرية مزدوجة داخلية وهي المزخرفة، والأخرى خارجية وتغطي فتحاتها الزخرفية بالزجاج الأبيض

وصناعة القمرية حرفة يدوية متوارثة يعيش عليها العديد من اليمنيين في العديد من مناطق البلاد، وهو ما يجعل اندثارها مؤثرا بشكل كبير على الحياة المعيشية لهؤلاء.

يقول أحد العاملين في صناعة القمريات “نقوم بجلب الجص من مقالع خاصة منتشرة خارج صنعاء، وبعد طحنه نخلطه بالماء ثم نتركه حتي يتصلب ثم نقوم بصبه علي لوح خشبي بأبعاد معينة تحوي مساحة القمرية، بعدها نقوم برسم القمرية وتحديد شكلها الخارجي بآلة ‏’‏الفرجار‏’‏، وتأتي بعد ذلك عملية رسم الزخارف والنقوش باستخدام السكاكين والفرجار الصغير ثم نقوم بعملية الحفر بواسطة المثقب الكهربائي لإظهار الزخارف ثم تُترك القمرية لمدة يومين حتي تجف”.

ويضيف قائلا “بعد النقش والحفر نزيح القمرية عن اللوح الخشبي ونضعها على أرضية ناعمة، ثم تبدأ مرحلة تثبيت الزجاج، أما المرحلة الأخيرة فهي مرحلة النظافة الكاملة بإزاحة وتنظيف بقايا طبقة الجص المثبت للزجاج لإظهار زخرفة القمرية في صورتها النهائية‏”.‏

وعن أشكال القمريات، يقول “إن هناك نوعين من القمريات، خارجية وداخلية، ويمكن أن تجتمع القمريتان ويطلق عليهما،” قمرية مزدوجة”، بحيث يفصل بينهما فاصل صغير لا يتعدي البعض من السنتيمترات”.

أما القمرية الخارجية فقد ظهرت في بادئ الأمر خالية من الزجاج وكانت وقفا علي الطوابق الأخيرة في بعض الأبنية وكانت وظيفتها حماية العقد الداخلي وكسر أشعة الشمس ومنذ الستينات من القرن الماضي تم كساء العقد الخارجي بالزجاج لمنع وصول الأتربة والغبار إلي العقد الداخلي ونفذ ذلك في جميع طوابق المبني‏.

حرفة يدوية متوارثة يعيش عليها العديد من اليمنيين

‏ أما القمرية الداخلية فإنها تتميز بصغرها الجمالي الذي يكسو الواجهات الداخلية للفراغ الداخلي بألوان الزجاج المتناغم الذي يوضّح جليّا معاني الفن الزخرفي، وهي من أهم عناصر الديكور الذي يكسو عمارة صنعاء من الداخل، وتبرز ذروة هذا الفن حيث تسقط أشعة الشمس عليها فتشكل لوحات فنية بديعة تندرج على أرضية وجدران الفراغ الداخلي للمنزل‏.‏

ويقول مهندس معماري يمني إن استخدام القمرية مر بمرحلتين، في المرحلة الأولي كان الناس يستخدمون المرمر، وبعد فترة طويلة ظهر الزجاج وتحوّل الناس إليه لأنه يضفي علي العقود رونقا جماليا عند نفاذ الضوء خلف القمرية فتشكل لوحات فنية على أرضية وجدران الفراغ الداخلي للمبني‏.‏

ويؤكد أن استعمال الزجاج في المراحل الأولى كان يقتصر علي أصحاب العمارات الكبيرة والقصور لارتفاع تكلفته آنذاك ولعدم توافره بالكميات المطلوبة فقد اقتصر استعماله على القمرية الداخلية، أما القمرية الخارجية فقد ظلت غير مكسوّة بالزجاج لندرته ولكن ظل هناك توافق بين استعمال القمرية المرمرية مع القمرية المكسوّة بالزجاج خاصة في عمارات الأئمة والأسر المالكة.

وفي بداية الخمسينات من القرن العشرين راج استعمال الزجاج بصورة عامة وتلاشت القمرية المرمرية تماما‏.‏

ولم يقتصر في السابق استخدام القمرية فقط على المنازل والشقق السكنية، بل تعدى استعمالها في مباني المؤسسات الحكومية والتجارية في اليمن.

الأليمنيوم يقصي القمريات

يشكو مالكو معارض صناعة القمريات حاليا من التراجع الحاد لعمليات الشراء من قبل رجال الأعمال والمواطنين الذين لجأوا إلى استخدام الألمنيوم لنوافذهم بدل القمرية التي تتم صناعتها بطريقة يدوية، قد تأخذ وقتا طويلا، لعدم اعتمادها على الآلات الحديثة.

حرفيون بأنامل فنانين

وفي هذا السياق قال طه السليقي، وهو عامل وصانع في أحد معارض صناعة وبيع القمريات بالعاصمة صنعاء، إن هناك تراجعا حادّا في مسألة شراء القمريات من قبل اليمنيين. وأضاف أنه” منذ قرابة خمس سنوات قل بشكل كبير العمل في مجال صناعة القمريات لعزوف الكثير من رجال الأعمال والمقاولين والمواطنين عن شرائها، لافتا إلى أن من يبنون البيوت الجديدة لجأوا إلى البناء المعماري الحديث الخالي من البعيد عن القمريات، والاعتماد بشكل كبير على نوافذ من الألمنيوم.

وتابع “أن الكثير من اليمنيين باتوا يفضّلون الجانب الحديث في مسألة البناء، وأن هناك اندثارا وتراجعا في الاعتماد على القمرية كزينة ومنفذ للضوء في المنازل. هناك متابعة ملحوظة للأشياء الجديدة كنوع من التطور”.

ومضى السليقي بالقول “كنا قبل سنوات نعمل طوال أيام السنة في المعرض، وقد كان هناك إقبال كبير وملحوظ على ذلك؛ أما الآن فلم نعد نعمل باستمرار في المعرض. فقط إن أراد أحدهم ذلك نتفق معه على تحديد الكمية ومن ثم نبدأ بتلبية طلبه”.

وأضاف أن”الانخفاض الكبير في الإقبال على القمريات، جعل المعرض حاليا يوسع من نشاطه بصناعة الديكور الذي يزيّن الغرف والمجالس داخل المنازل، بسبب إقبال اليمنيين عليه بالوقت الحالي أكثر من القمريات، حيث يعتبرون الديكور تحديثاً للزخارف اليمنية التي تزين المنازل”.

وبيّن أنّ الديكور يتميّز بسهولة إنجازه كونه يعتمد فقط على آلة تم استيرادها من الصين، وليس على النحت اليدوي المتعب كالقمريات.

مقاومة الاندثار

يؤكد المهندس المعماري اليمني هادي الأحمدي على أنهم يحاولون في الوقت الراهن إدخال تصاميم حديثة على صناعة القمرية حتى تستعيد مكانتها من جديد.

ويلفت الأحمدي إلى أنّ معظم من يقررون بناء المنازل أصبحوا يعتمدون على النمط المعماري الجديد مواكبة للتطور في هذا المجال.

مازال هناك مناصرون للعمارة التقليدية

ويضيف “هناك تحول كبير وانتقال من استخدام القمرية في النوافد إلى الألمنيوم المصحوب بالزجاج، مشيرا إلى أن استخدام الألمنيوم بات شبيها لــ”الموضة” خصوصا من قبل الجيل اليمني الجديد. ويتابع “رغم إن تكلفة الألمنيوم تتجاوز تكلفة القمرية؛ إلا أن التأثر بالشكل المعماري الحديث جعل الكثيرين يقررون استخدام الألمنيوم في النوافد بشكل نصف دائري وترك الشيء القديم”.

وبحسب هادي الأحمدي مازال هناك أشخاص، وهم فئة قليلة يستخدمون القمرية في البناء، وهؤلاء هم الذين لا يزالون متأثرين بالجانب التراثي القديم.

من جانبه أفاد الفنان التشكيلي اليمني ردفان المحمدي أن القمرية هي جزء مهمّ من تراث بلاده، مشيرا إلى أن اليمن اشتهر بها وأصبحت ثقافة وحضارة البلاد تقترن بها.

وحذّر المحمدي، وهو أيضا رئيس المنتدى العربي للفنون التشكيلية، من اندثار هذا الموروث المهم قائلا “كان من المفترض أن يكون هناك تحديث لهذا الموروث حتى لا يندثر. ربما العمارة الحديثة والتصميم الحديث هما من يطمس الماضي، فلو تم تحديث القمرية ربما سيتوجه لها الناس بشكل كبير، وحينها ستظل حاضرة في كل تفاصيل اليمن”.

وحول مكوّنات القمرية أفاد المحمدي أنها مكوّنة من جص وقطع زجاجية ملونة تتميز بعدد من الألوان الجذابة، وهي امتداد للحضارة العربية والإسلامية أيضا.

وفيما يتعلق بتأريخ القمرية في اليمن أوضح المحمدي أن امتداد هذا الموروث يعود أساسا لما قبل الميلاد، ولها أساطير وحكايات مع العقائد آنذاك، ولكن تبلورت واشتهرت أكثر في التاريخ الإسلامي.

من جهته قال المواطن اليمني محمد أحمد في العقد الرابع “إن هناك تراجعا كبيرا في استخدام القمرية من قبل اليمنيين الذين توجهوا إلى الطراز المعماري الحديث، وهو ما قد يؤدي إلى اندثار استخدام وصناعة هذا الفن العريق”.

وأضاف أحمد أن الكثير من المواطنين الذين قرروا في الفترة الأخيرة بناء منازل أو شقق سكنية لم يعتمدوا أبدا على القمرية، ليس لعدم قيمتها، بل لتأثر الكثير منهم بالفن المعماري الجديد. وتابع “الناس أصبحوا يواكبون التطوّر في كل شيء بالحياة، بما في ذلك العمارة”.

وفي الوقت الذي أشاد فيه بالقمرية وجمالها كجزء مهم من تراث اليمن، أشار إلى أن الشباب في اليمن تأثروا كثيرا بكل جديد، وأصبح تركيزهم على الأشياء الحديثة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر