الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الذهب يفقد بريقه في تونس

  • يعيش قطاع المصوغ بالبلاد التونسية أزمة خانقة، ويعرف العديد من المشكلات وسط انتشار عمليات الغش والتحيّل والتزوير بسبب كثرة الدخلاء والسماسرة، ودخل أهل القطاع في حالة من الركود والكساد ما أجبر الكثير منهم على الانقطاع والتخلي عن المهنة، في حين يطالب آخرون بضرورة إيجاد آذان صاغية من قبل السلطات تساعدهم على إنقاذ هذا القطاع.

العرب  [نُشر في 2017/01/06، العدد: 10504، ص(20)]

ينظرون ولا يشترون

تونس - قطاع المصوغ في تونس من القطاعات الحساسة التي يخضع فيها التسويق إلى مسالك قانونية دقيقة ومراقبة شديدة من قبل سلطات الإشراف، لكن هذا غاب عن القطاع منذ سنين، فزاد منسوب الغش والتزوير في ظل تواجد العديد من الدخلاء والسماسرة بالسوق.

وقالت المسؤولة بالإدارة التونسية للأداءات نجاة الجندوبي، إن خلط الذهب بالنحاس والحديد وبمعادن أخرى على غرار السيليكون لصنع مصوغ يعرض للعموم، هو من بين عمليات الغش، التي يكشف عنها أعوان المراقبة، بحسب ما أكدته مؤخرا لوكالة تونس أفريقيا للأنباء “وات”.

وتابعت أن “المستهلك، سواء كان تونسيا أو أجنبيا، تجذبه قطع المصوغ المعروضة بطريقة مغرية في واجهات المحلات، فيكتشف أحيانا وبعد فترة، أن المعدن أبعد من أن يكون نفيسا. إن صورة وسمعة تونس صارت في الرهان وتجب حمايتها”.

وأضافت أنه “رغم كل الإجراءات التي تم اتخاذها والتشجيعات التي أقرتها الدولة لمساعدة المهنيين العاملين في القطاع لتخطي المصاعب، فإن التجاوزات ما فتئت تزيد وتجد الدولة نفسها أحيانا عاجزة أمام هذا المد”.

تمييز الذهب

ويقول محمد بلحاج، الذي يمتهن حرفة الصياغة منذ حوالي 30 عاما، “من الصعب جدا على المواطن العادي وحتى على الصائغي في بعض الأحيان أن يميز بين الذهب الحقيقي والذهب المغشوش، وليحمي الزبائن أنفسهم من الغش، عليهم بالمطالبة بالفاتورة كلما اشتروا ذهبا، فالفاتورة وحدها تؤكد أن أولئك الزبائن تعاملوا مع هذا الصائغي أو ذاك. وفي حالة تعرّضهم للغش، فإن هذه الفاتورة من شأنها أن تضمن له حقه أمام القضاء”.

ويؤكد بلحاج أن الذهب الحقيقي له طابعه الذي يثبته الأمين (أمين المهنة)، فذهب عيار “9” مثلا يكون عليه طابع عقرب، بينما ذهب عيار “18” طابعه رأس كبش.

ويرى منذر، صاحب محل مجوهرات في العاصمة، أن الضمان الوحيد لمشتري الذهب، أن يتجنب الذهب الذي يباع في غير المحلات المخصصة للغرض، فبعضهم اشترى ذهبا على أساس أنه ذهب أبيض، لكن تبين له في الأخير أنه فضة أو “بلاكيور” أو حتى نحاس.

المحلات المخصصة هي الضمان الوحيد

وينبه منذر التونسيين قائلا إنه “من الأفضل شراء الذهب من التجار المعروفين بثقتهم وأمانتهم بسوق البركة (سوق الذهب في تونس العاصمة) أو الاستنجاد على الأقل بنصح وتوجيه أمين السوق الذي يبقى الأقدر على التمييز بين الذهب الحقيقي والذهب المغشوش”.

ويقول الصائغي ماهر بن رجب، “يصعب على الزبون التفريق بين الذهب الحقيقي والذهب المغشوش الذي تصنعه بعض المعامل ويباع في الشوارع وفي المنازل، لكن في الحقيقة، فإن الضمان الوحيد إضافة إلى الختم التونسي هو أمانة وثقة الصائغي.. فلا أعتقد أن صائغي أمين قضّى في أسواق البركة سنوات تسمح له نفسه أو سمعته التي اكتسبها طوال فترة عمله بأن يعمد إلى الغش”.

تزوير الختم

يعيش قطاع الذهب حاليا مشكلة كبيرة في تزوير ختم المطابقة، علما وأن عقوبة هذه الجريمة تصل بحسب القانون إلى السجن 10 سنوات وتسليط غرامة مالية، لأن الختم يمثل الضمان الوحيد لاستمرار المهنة، فضلا عن أهميته في مقاومة الفساد والغش والتحيّل وممارسات أخرى تمس من جودة المصوغ خاصة في ما يتعلق بالعيار.

ولحماية نفسه، على التاجر أو الحرفي أن يتسلح بفاتورة مفصّلة تتضمن خصائص قطعة المصوغ (الوزن والعيار..إلخ) والبيع وبدفتر محاسبي للمواد، يتم تذييله من طرف مصالح وزارة المالية، تسجّل ضمنه كل العمليات المتعلقة بالمعادن النفيسة وبشكل يومي. وتوجد في تونس ثلاثة أختام وهي ختم العرف، الذي يحدد هوية الحرفي، الذي صنع قطعة المصوغ وختم العيار (عيار 9 أو 18 أو 24) وختم المطابقة.

ويقول علي بوعزيزي، عضو نقابة صانعي المصوغ، “المراقبة غابت كليّا في السنوات الماضية، ولم تفعّل إلا قبل أشهر من الآن، ولكنها بقيت رقابة محدودة وغير مجدية في ظل إغراق السوق بالذهب المهرب والمغشوش”.

ويؤكد بوعزيزي أن “مراقبة المصوغ باعتماد ختم المطابقة لم تعد ذات فاعلية، ولم تعد قادرة على حماية السوق، بل يجب أن تتغير إلى مراقبة ‘العيار’ وختم العرف، لأنه أدق وأكثر مصداقية وحماية للمصوغ وللقطاع، فالختم المعتمد في رقابة المصوغ، أي المطابقة، تم اختراقه ووقع تزويره، وصنعت نظائر له انتشرت في العديد من المناطق والأسواق، فتوزعت معامل مغشوشة تستقطب الذهب خليطا من مختلف العيارات ومن مختلف المصادر الداخلية والخارجية، أي من الدخلاء ومن المهربين”.

ويؤكد عميد الصائغين في سوق البركة بتونس العاصمة رشيد بن يوسف أنه من المشكلات التي يعاني منها سوق الذهب هو انتشار الدخلاء والسماسرة، ما أدى إلى انتشار ظاهرة الغش.

ويهدد خطر انتشار السماسرة والدخلاء، الذين سرعان ما يحصلون على رخصة لفتح محل في وقت قياسي بغض النظر عن الالتزام بالشروط والمواصفات، بفقدان المواطن للثقة في السلع المعروضة ويجعل الذهب يفقد بريقه بالنسبة إلى المواطن الذي يعاني أصلا من غلاء أسعار المعدن النفيس.

ويقول حاتم بن يوسف، رئيس “الغرفة الوطنية لتجار المصوغ” (منظمة الأعراف)، إن “القطاع يواجه مشكلات جمة بدأت تتطور منذ 2011، حيث أن الدورة الاقتصادية عرفت تدهورا كبيرا، ما انعكس سلبا على تجارة الذهب”. مؤكدا على ضرورة تطهير القطاع من الدخلاء والقضاء على السوق الموازية التي أضرت بسمعة القطاع.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر