الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

أزمة المياه في دمشق ترد إلى الحمام التقليدي اعتباره

  • تنتشر الحمامات الشعبية في حارات دمشق التي تعد أقدم المدن المأهولة في التاريخ، لكن مع التطور استحدث الدمشقيون حمامات صغيرة في منازلهم، ما ساهم في تناقص دور حمام الحي الذي كان يلتقي فيه أهل الحارة للحديث والسمر، لكن مع أزمة المياه التي تعاني منها العاصمة السورية رجع سكان دمشق إلى الحمام العمومي لتوفير المياه التي يحصلون عليها في البيت للأكل والشرب والغسيل.

العرب  [نُشر في 2017/01/10، العدد: 10508، ص(20)]

نشاط بعد كساد طويل

دمشق - يقصد أنور العدس حمام الملك الظاهر المكتظ برواده في دمشق القديمة، للاستحمام للمرة الأولى منذ نحو ثلاثة أسابيع جراء انقطاع المياه عن منزله على غرار معظم سكان العاصمة السورية.

وبات هذا الحمام الذي يعود تاريخ بنائه إلى العام 985 ميلادي مقصدا للمئات من الدمشقيين الذين يتوافدون إليه يوميا، مع استمرار أزمة انقطاع المياه بسبب معارك تشهدها منطقة وادي بردى، خزان مياه دمشق.

ويقول العدس (34 عاما) “لم أستحم منذ انقطاع المياه عن دمشق. ومنذ ذلك الوقت، صارت أولوية المياه المتبقية في المنزل للغسيل والجلي والشرب، أما الاستحمام فأصبح ثانويا، لا سيما أننا في فصل الشتاء”.

وبحسب الأمم المتحدة، يعاني 5.5 ملايين شخص في دمشق من الحرمان من المياه أو شحها جراء “المعارك أو أعمال التخريب أو الإثنين معا” في وادي بردى منذ 22 ديسمبر.

وشكلت أزمة انقطاع المياه باب رزق يضاف لحمام الملك الظاهر الذي يعد واحدا من الحمامات التاريخية في دمشق، ويعتمد على بئره الخاص، ما يجعله بمنأى عن الأزمة الراهنة.

واشتهرت دمشق بحمامات السوق (وهو حمام خاص بأهل الحارة) منذ المئات من السنين حيث لم تكن الحمامات متوفرة في المنازل، ويذكر المؤرخون أنه بني في دمشق أكثر من 160حماما تهدم العديد منها وتحول بعضها إلى مستودعات للتجار وظل بعضها صامدا لا يزال يستقبل المستحمين، ولكن بأعداد قليلة، حيث لم يعد منزل في دمشق إلا وبه حمام.

وظلت حمامات السوق مفتوحة للراغبين من الدمشقيين في التمتع بحمام خاص حيث التكييس والدفء وتدخين الأركيلة وكأس الشاي بعد نعيم الحمام.

وكان الحمام في السابق منارة للحي، لأنه إضافة إلى دوره الصحي كان يساهم في حل جميع مشاكلات أهل الحي، حيث يجتمع فيه الوجهاء لينظروا في جميع القضايا المتعلقة بأبناء الحي، كما أنه شكل مكانا جيدا لعقد الصفقات بين تجار دمشق.

وبعدما شكل ارتياد الحمامات الشعبية منذ المئات من السنين عادة شعبية في دمشق، وكان يعد ملتقى اجتماعيا لا سيما في الأفراح، بات اليوم ضرورة للآلاف من السكان الذين يشكون من قلة المياه في بيوتهم.

حمام السوق خطة لادخار الماء في المنزل

إقبال كثيف

ويروي الحلاق حبيب الشيخ عيسى (32 سنة)، وهو يحتسي كوبا من الشاي في القاعة الخارجية للحمام بعدما أنهى حمامه، “لم آت إلى حمام السوق منذ 12 عاما”، مضيفا “آخر مرة كانت يوم زفافي”.

ويهزأ من الوضع الحالي قائلا “لم يخطر ببالي أن أضع خطة طوارئ للمياه، كما فعلت للكهرباء والمازوت. لم يعد أمامنا سوى التفكير في خطة طوارئ في حال فقدنا الهواء في المدينة!”.

وتحتفظ تصاميم الحمامات الدمشقية بروائع الفن الإسلامي بطراز عماراتها وزخارفها ونقوشها حيث أبدع المعماريون في بناء هذه الحمامات فرصعوا جدرانها بالقاشاني وفرشوا أرضها بالرخام وعقدوا على أطراف قبابها عقود الجص النافرة. كما أقاموا نظاما هندسيا بارعا لتزويدها بالمياه الساخنة.

وعلى غرار كل الحمامات الشعبية في دمشق، ينقسم حمام الملك الظاهر إلى ثلاثة أقسام، قسم خارجي يجلس فيه الزبائن بعد إنهاء الحمام لتناول الطعام والحلويات والشاي، وقسم في الوسط مخصص لخدمات التدليك والتنظيف.

أما القسم الداخلي فهو مقسم إلى غرف صغيرة، في كل منها أجران حجرية تصلها المياه الساخنة وإلى جانبها غرفة تبعث بخارا كثيفا يملأ كل المقصورات التي تعلوها قباب زجاجية يخترقها ضوء الشمس في ساعات النهار.

ويستلقي بعض الزبائن على حجر كبير يتوسط الحمام، فيما ينقسم الآخرون إلى مجموعات تجلس كل منها قرب جرن مملوء بالمياه والصابون، ويتشارك كل شخصين جرنا واحدا.

وفي القسم الداخلي تتم عملية التكييس من قبل شخص محترف يسمى المكيس بواسطة كيس يُلبس بالكف وهو من قماش خشن يساعد على تقشير البشرة وتساقط الخلايا الميتة، والتي تزول عن الجسم بسهولة نتيجة البخار المتصاعد في القسم؛ ويعتبر التكييس (التفريك) بمثابة تدليك قوي يساعد على تنشيط الدورة الدموية في الجسم وبث الدم في الأوردة فيشعر الشخص بنشاط وحيوية.

ويعلو الضجيج داخل الحمام كلما ازداد عدد الزوار جراء القباقيب الخشبية التي تصدر أصواتا مرتفعة في كل مرة ترتطم فيها بأرضية الحمام الرخامية.

ويتوزع أكثر من عشرين شخصا على الكراسي الجانبية في القاعة الخارجية، حيث يقوم عمال الحمام بتبديل إبريق الشاي الكبير للمرة الثالثة خلال نصف ساعة إثر خروج دفعة جديدة من الزبائن من المقصورة الداخلية.

واعتاد الزبائن قديما بعد الحمام على الجلوس مطولا يتحدثون ويتسامرون، وفي بعض الأحيان ينشدون مواويل وأغنيات الطرب الدمشقي برفقة عزف على العود والدّف.

وفي حين ينهمك العمال بغسيل المناشف وتجفيفها، يشرف صاحب الحمام، بسام كبب، على سير العمل ويرد على هاتفه الذي يرن باستمرار.

ويقول كبب “تضاعف عدد الزبائن تقريبا، وبات سبب المجيء إلى الحمام مختلفا هذه الأيام، إذ بات ضرورة بعدما كان رفاهية”.

ويضيف “نحاول قدر الإمكان ألا نرد أحدا من جراء الاكتظاظ، ونطلب من الزبائن أن يسرعوا في الاستحمام كي نلبي حاجة أكبر عدد ممكن” من الزبائن.

حجوزات الاستحمام تتم عبر الهاتف

عودة المياه

خلال تنقله بين أقسام الحمام، يدون كبب، وهو يتلقى الاتصالات الهاتفية واحدا تلو الآخر، حجوزات اليوم المقبل، ويعتذر من متصلين آخرين لعدم القدرة على استقبالهم في اليوم نفسه.

ويوضح “اضطررت إلى إلغاء حجز كامل للحمام من قبل بعض التجار، ومددنا فترة الدوام إلى ما بعد منتصف الليل، وأحضرت عددا إضافيا من الصابون والعبوات لنلبي حاجة الأعداد الكبيرة”.

ورغم الإقبال الشديد، لم يرفع كبب الأسعار وأبقى تعرفة الدخول على حالها، أي 1200 ليرة سورية (حوالي 2.4 دولار)، وهي تزداد قليلا مع التنظيف والتدليك. ويقول كبب “أتنقل بين الزبائن، وأسمع أحاديثهم التي تدور كلها حول موضوع واحد، وهو كيفية تأمين المياه، ومتى ستعود إلى سابق عهدها”.

يرتدي عبدالله العبدالله (46 عاما) قميصه الأزرق، بعدما أنهى حمامه أيضا، ويستعد لتناول وجبة المجدرة الشعبية، وهو الطبق الذي اقترن بالحمام في مخيلته.

ويروي معاناته جراء انقطاع الخدمات الأساسية، ويقول “أفتقد في منزلي الماء والدفء والكهرباء. حين تعود الكهرباء تنقطع المياه، وحين تعود المياه، تنقطع الكهرباء،

لذا اضطررت إلى المجيء إلى الحمام حيث وجدت الماء والكهرباء والدفء في مكان واحد”.

رغم سواد حاجبيه، يغزو الشيب رأس العبدالله كاملا، بعد نحو ست سنوات من الحرب التي أدت إلى مقتل أكثر من 310 آلاف شخص وأحدثت دمارا هائلا في البنى التحتية، وتسببت في نزوح أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.

ويقول العبدالله، وهو يعمل في مجال الكهرباء، “شاب نصف شعري تدريجيا في السنة الأولى من الحرب، وشاب النصف الآخر خلال السنوات التالية”. ويضيف “عانيت مصائب كثيرة، وقاومت فقدان الكثير من أساسيات الحياة، لكنني وعائلتي لا نقوى اليوم على فقد المياه”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر