السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

فينيسيا العراق تحاول استعادة مكانتها السياحية

  • عرفت البصرة بأمُّ الخير وفق ما كان يتناقله زوارها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، بالإضافة إلى أنها كانت وجهة الخليجيين المفضلة ومكانا مناسبا لتمضية شهر العسل. ويطمح البصريون اليوم لاستعادة مدينتهم لميزاتها السياحية السابقة خصوصا وهي تتوفر على طبيعة سياحية ساحرة.

العرب فيصل عبدالحسن [نُشر في 2017/04/16، العدد: 10604، ص(17)]

بانتظار حلول جذرية

كان النشاط السياحي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي بين البصرة والخليج كالكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين وعمان في أوجه. وساهمت السياحة إلى البصرة في تلك السنوات مساهمة فعالة في تشغيل الكثير من الأيادي العاملة البصرية وحرّكت عجلة الاقتصاد بالمحافظة.

واشتهر أغلب الكويتيين والخليجيين بتمضية يومي الخميس والجمعة فيها لتوفرها على مطاعم وفنادق ومقاه وأماكن للنزهة كجزيرة السندباد والسراجي وبساتين أبي الخصيب والفاو والبرجسية ومدينة الألعاب بالمعقل وتوفر وسائل راحة ونزهة للسائحين.

وكان الكثير من العرسان الجدد من بغداد والمحافظات الأخرى يمضون شهر العسل في فنادقها، فضلا عن اكتظاظ كل من فندق شط العرب ومرافق جزيرة السندباد التي تقع قبالته طوال العام بالسياح من العراق ومن العاملين الأجانب في الشركات.

ويطمح اليوم البصريون لاستعادة مدينتهم لميزاتها السياحية السابقة خصوصا وأنها تتوفر على طبيعة سياحية ساحرة على امتداد شط العرب ولمسافة 100 كيلومتر من أبي الخصيب إلى رأس البيشة في الجنوب، وهور الحمار المسطح المائي الهائل الذي يوفر مناظر ساحرة وأجواء هادئة لزائريه، وحيوات برية ونباتية متنوعة، بالإضافة إلى أن مناخها المعتدل في شهور الشتاء يشجع على اعتبارها مقصدا سياحيا، إلى جانب المشاهد الأثرية والتاريخية الكثيرة الموجودة فيها.

في مدينة البصرة لم يتم الاستثمار في السياحة بل انصب الاهتمام على السياحة الدينية فقط والانشغال بإنشاء مدن الألعاب وحدائق عامة متواضعة وبإمكانيات محدودة

ويعترف المختصون بأن البصرة لا تزال بحاجة إلى بنية تحتية تؤهلها لاستقبال السائحين خصوصا من الخليج، كالفنادق والمطاعم وأماكن الترفيه وتأهيل الشوارع وزيادة المرافق الحيوية التي تخدم السياحة.

وقال الصحافي البصري ريسان الفهد صاحب موقع “المرسى نيوز” لـ”العرب” حول الموضوع “البصرة فينيسيا العراق أو الشرق أو هي البندقية العراقية التي أكل الدهر عليها وشرب، حتى صدئت. وتلاشى كل شيء جميل فيها من نهر وشجر وكورنيش. فالكورنيش تارة يتحول إلى مقر لتماثيل حولته إلى مقبرة وهو الآن مبتلى بمقاه شعبية أغلب روادها من المراهقين الذين يتعاطون أنواع المخدرات وأكثرها سوءا ما يسمى بالكبسلة.. والحديث عن السياحة في البصرة كالحديث عن كلّ ما هو جميل في العراق صار جزءا من الماضي لأن الحكومة غير معنية بالسياحة إن لم أقل إنها لا تملك عقلية الصناعة السياحية التي تعيش عليها الآن دول لا تملك النفط، ولا أيّ ثروات أخرى”.

وأضاف ريسان “للأسف نحن في البصرة لم نستثمر في السياحة ولم نطور منافذنا الحدودية أو نستثمرها بشكل سياحي، وانصب الاهتمام على السياحة الدينية فقط. أما القطاع الخاص فقد انشغل بإنشاء مدن الألعاب وحدائق عامة متواضعة وبإمكانيات محدودة. لأن الممنوعات أمام القطاع الخاص كثيرة ومن يخالفها يكون مصيره سيئا”.

وتابع الفهد “الآن البصريون معجبون بأسواق البصرة تايم سكوير وهي مقامة بأسلوب غربي وانفتاح خليجي يقترب من تجربة الإمارات. وإلى حدّ الآن ما يشغل البصريين (تايم سكوير) ووحده خارج مجموعة مدن الألعاب.. وللأسف صناعة السياحة في البصرة متعثرة جدا جدا. ولا توجد عقلية سياحية حتى في القطاع الخاص بسبب المضايقات من بعض المتشددين. وسبق للمتشددين أن فجروا مطعما سياحيا لأنه شغّل عاملات لخدمة الزبائن. وفجروا محلا لبيع الآلات الموسيقية التي تستخدم في الأعراس والطهور والمناسبات الاجتماعيّة. إذن من يفكر بالسياحة بشكل جدي فهو مهدد في حياته وأمواله. وما دامت هذه الممارسات موجودة بدون رادع قوي من الدولة فإن السياحة تبقى متأخرة. ولنا أن نتساءل كيف تتطور السياحة في البصرة والممنوعات لها بداية وليس لها نهاية. وتفرض هذه الممنوعات عدة جهات لا نعرف مصدر قوتها، لكنها فاعلة ومؤثرة تماما. إذن السياحة في البصرة -باعتقادي- مؤجلة إلى إشعار آخر”.

ميزات البصرة السياحية تحتاج تأهيلا أكثر من حاجتها للسياح

وأفاد المهندس المعماري فاضل محمود لـ”العرب” أن “استعادة البصرة لدورها السياحي يكمن في تخطيط عمراني شامل يضع باعتباره توسع المدينة وبلوغ ساكنيها حدود المليونين من البشر، كما يشير تقرير حكومي صادر العام 2015 عن وزارة التخطيط العراقية”. وأضاف “زحفت بيوت الحواسم -بيوت أقيمت على أرض تعود للدولة- بين عامي 2004-2014 وهذا الزحف أساء لمعمار المدينة. وكذلك بُنيت دكاكين ومكاتب تجارية بأعداد هائلة وبشكل عشوائي على مقتربات الطرق الحيوية في المحافظة. تجدها في المناطق الرابطة بين العشار والبصرة القديمة والزبير والعشار والمعقل. وكل هذا البناء العشوائي جعل من الصعب التأهيل السياحي للمدينة قبل تصحيح الأخطاء، لأنها أثّرت بشكل سلبي على كل خطط المساحة العمرانية المخططة من قبل بلدية البصرة كمناطق خضراء أو فضاءات لبناء نواد أو مراكز للتسلية”.

وتابع محمود “ليس هناك غير طريقة واحدة باعتقادي هي تهيئة تخطيط عمراني جديد نزيل فيه الحواسم ونحيطها بأسوار، ونحدد أماكن سياحية مقترحة. ونخصها ببنية تحتية عاجلة تأخذ بعين الاعتبار أن السائح القادم للبصرة جاء من بلدان مرفّهة. لذلك يجب أن تتوفر له المرافق الضرورية كالفنادق والمطاعم ومدن الألعاب وأماكن الترفيه والحدائق وأماكن اللهو التي تليق به. وتكون بمستوى ما يوجد في الدول السياحية المتطورة كتركيا ولبنان وإيران وغيرها”.

وقال حسين ثامر صاحب مكتب البصرة للسياحة بالعشار لـ”العرب” إن “علينا تتبع تجارب الدول في هذا الشأن خصوصا تجربة إسبانيا التي تجذب سنويا أكثر من خمسين مليون سائح إليها من كل العالم. وصار مدخول اقتصادها من السياحة وحدها 6 بالمئة من المدخول الكلي. وكانت في السبعينات من القرن الماضي لا تستطيع جذب أكثر من مليون سائح. مكتبنا يعمل أثناء المناسبات الدينية ومعظم الأفواج السياحية التي نظّمها المكتب هي لزيارة المراقد المقدسة في كربلاء والنجف وسامراء وبغداد. ويبقى المكتب مشلولا بلا عمل بعد ذلك”.

وقالت أم لبنى لـ”العرب” وهي تحمل الجنسية السويدية ومن أصول عراقية جاءت مع عائلتها لزيارة البصرة مسقط رأسها “عرض عليّ زوجي عدة مرات زيارة البصرة للتعرف على أمه وإخوته الذين يعيشون في هذه المدينة. لكنني في المرات السابقة كنت أخاف من مصاحبته بسبب ما نسمعه من انفلات أمني فيها. وما ينقله التلفزيون لنا من حوادث دامية تقع بين فترة وأخرى بين العشائر. ولكن في المرة الأخيرة، وبإلحاح من ابنتيّ لبنى وزينة لزيارة جدتهما وأعمامهما بالبصرة جئت معهم”.

وأضافت “الحمد لله استمتعنا بزيارة بعض المرافق السياحية بالبصرة كجزيرة السندباد وحدائق الخورة ومدينة الألعاب بصرة لاند، إضافة إلى جولة بالزورق العشاري في شط العرب رأينا خلالها الجسر الإيطالي المعلق الجديد والذي يربط ضفتي شط العرب وتنفذه شركة إيطالية وهو قيد الإنشاء، ورأينا قصور الرئاسة الأربعة المطلة على شط العرب وقد حوّل أحدها إلى متحف للتاريخ الطبيعي. أما المتبقية فقد سكنها مواطنون استغلوا فترة الانفلات الأمني وشغلوها”.

وتابعت أمّ لبنى “وزرنا شجرة آدم التي تقع في منطقة التقاء دجلة والفرات بالقرنة، واستمتعنا بجولة نهرية بهور الحمار، وأكلنا خبز الطابك والسمك المسكوف بمنطقة الجبايش، وزرنا أسواق ستي مول اللامي في ساحة أم البروم وعشار سنتر ومناوي مول في منطقة مناوي باشا. والحقيقة أنه بالرغم من أن مسقط رأسي بالبصرة وعشت طفولتي فيها إلا أنني رأيت مدينة أخرى مختلفة غير التي احتفظت لها بذاكرتي كمدينة جميلة وهادئة. فقد صارت أكثر اكتظاظا وزحاما وأينما ولّيت وجهك لا ترى سوى الفوضى والأوساخ للأسف”.

كاتب عراقي

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر