الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

السيناريو الأميركي يطارد انتخابات الرئاسة الفرنسية

  • يسار متخبّط عاجز عن الالتفاف حول مرشحه بنوا آمون ويمين غارق في أزمة خلّفتها سلسلة الفضائح التي تلاحق فرانسوا فيون هي الثنائية الطاغية على المشهد السياسي في فرنسا في وقت تتزايد فيه المخاوف من استفادة اليمين من هذه الضبابية السياسية ويتمكن من الصعود إلى الحكم.

العرب  [نُشر في 2017/03/12، العدد: 10569، ص(4)]

الدفاع عن قلب أوروبا

باريس - يعتبر المفكر الأميركي نعوم تشومكسي فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأميركية أنه نتيجة طبيعية لمجتمع ماض بقوم نحو الانهيار، وهو ذات الوضع الذي يعيشه المجتمع الأوروبي أيضا، بل إن تشومكسي يرى أن الوضع في أوروبا أسوأ بكثير.

في أوروبا، مهد التنوير والحريات وحيث ترسم دائما صورة الوقار السياسي والنظم العريقة ذات التجارب الغنية، تتعرض الديمقراطية لضربة عنيفة مع صعود اليمين المتشدّد. ويظهر هذا الصعود في أحد أخطر تجلياته في مجريات الحملة الانتخابية لرئاسة فرنسا التي تعيش حالة من الضبابية غير المسبوقة منذ أزمة استقالة مؤسس الجمهورية الخامسة الجنرال شارل ديغول.

ويقف الفرنسيون اليوم على أعتاب الاستحقاق الرئاسي في خضمّ عواصف عاتية تقصف سقف البيتين السياسيين التقليديين في البلاد: تصدعات كبرى داخل معسكر الاشتراكيين وانقسام حول مرشح اليمين فرنسوا فيون وأهليته للاستمرار في تمثيل الجمهوريين في السباق نحو الإليزيه.

الليبراليون مقابل القوميين

أظهر تحقيق أجراه معهد إبسوس في نهاية فبراير أن 17 بالمئة فقط من الفرنسيين يعتبرون أن النظام الديمقراطي يعمل بشكل جيد في فرنسا وأن أفكارهم لها تمثيل جيد في السلطة.

ويقول المؤرخ بيار روزانفالون محللا هذا الوضع في صحيفة “لو موند”، “إننا نعيش انقلابا ديمقراطيا في فرنسا كما على مستوى العالم يتجلى في تقدم الثقافة الشعبوية وانهيار ثقافة الأحزاب”.

وتتوقع استطلاعات الرأي في هذه الحملة الانتخابية التي يطبعها تردد كبير بين الناخبين مبارزة نهائية في 7 مايو بين إيمانويل ماكرون (39 عاما) الوزير اليساري السابق الذي انتقل إلى الوسط مع حركته “إلى الأمام”، وزعيمة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبن (48 عاما).

ورغم اعتمادهما برنامجين متعارضين تماما إلا أن القاسم المشترك بين المرشحين الأبرزين هو أنهما على رأس تنظيم “ليس يمينيا ولا يساريا” لم يسبق له أن مارس السلطة. أما الحزب الاشتراكي وحزب الجمهوريين اليميني المتأخران في استطلاعات الرأي فيجدان صعوبة في لمّ الشمل حول مرشحيهما وإقناع المواطنين الذين خابت آمالهم.

ويقف اليمين الفرنسي قبل أسابيع قليلة من الدور الأول للانتخابات على حافة من الفوضى كما وصفها الإعلام المحلي وأرضية داخلية غير مستقرة نتيجة تداعيات الفضائح المالية والمتابعات القضائية التي تواجه فيون.

وبعدما كان مرشح اليمين فرنسوا فيون في البداية الأوفر حظا لخلافة الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند تراجعت حظوظه إثر ضلوعه في فضيحة وظائف وهمية قد تكلف معسكره الرئاسة.

وأثار إصراره على البقاء في السباق بالرغم من احتمال توجيه التهمة إليه خلافا داخل صفوف حزبه. وأظهر تحقيق إبسوس تزايد مشاعر الخيبة والاشمئزاز والغضب خلال الأشهر الأربعة الأخيرة بين الناخبين.

لم ينج اليسار من الشقاقات الداخلية فالتوجهات الاقتصادية الاشتراكية الليبرالية التي اعتمدها هولاند في ولايته أثارت انقسامات عميقة وخيّب فشله في الحد من البطالة أمل شريحة واسعة من قاعدته الناخبة التقليدية. وترك ذلك جروحا يصعب على المرشح الاشتراكي بنوا آمون تضميدها بالرغم من فوزه في الانتخابات التمهيدية اليسارية.

توجه «مصلحي» الحزب الاشتراكي نحو ماكرون خاضع لحسابات الربح والخسارة بعد أن تبين لهم أن آمون لن يكون من بين المرشحين الأوفر حظا بحسب استطلاعات الرأي وتوقيا من صعود اليمين المتطرف في حال فشلت التيارات المعتدلة في تقديم مرشح قادر على إحداث الفارق

ويتهمه الجناح اليميني من الحزب بأنه يمثل “يسارا انتقل إلى الراديكالية” مهددا بتأييد ماكرون وهو ما فعله الأربعاء رئيس بلدية باريس السابق برتران دولانوي. أما زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون الذي رفض الدخول في أيّ تحالف فيحظى بـ10 بالمئة من نوايا الأصوات. ويصب هذا الوضع لصالح إيمانويل ماكرون الذي يبدي عزمه على وضع حد لهيمنة “الرجال أنفسهم والأفكار ذاتها”.

ويقول المرشح الاشتراكي الليبرالي المؤيد للاتحاد الأوروبي إن “وسائلهم فشلت ببساطة” وهو يطمح إلى “إعادة صياغة العقد مع الطبقات الوسطى (…) المنسية” من اليمين واليسار.

ويحتل ماكرون مركزا متقدما بين المرشحين بعد حصوله على نسبة 26 بالمئة من نوايا التصويت متجاوزا بذلك مرشحة الجبهة الوطنية مارين لوبن.

ويحظى صعود ماكرون وشعبيته المتزايدة بدعم هام من داخل لفيف من التيارات السياسية بهدف تكوين حالة من الإجماع والتوافق الوطني حوله وتدشين مرحلة من التغيير السياسي.

وكشفت صحيفة لوفيغارو عن توجه الشق الإصلاحي ضمن الاشتراكيين لدعم ماكرون عبر صياغة مشروع وثيقة سياسية يتم تداولها بين ما يقرب من 40 نائبا تمهيدا لإعلانها في الأيام القادمة. وتطرح الوثيقة ترشح وزير الاقتصاد الفرنسي السابق كرمز لتجميع الفرنسيين ومنطلقا لمشروع وطني يرتكز على البعد الاجتماعي والإصلاحي.

فرصة اليمين

يعزز تخبط اليمين وتشتت الصف الاشتراكي من أحلام اليمين المتشدد وطموح زعيمته مارين لوبن لتحقيق اكتساح وإنجاز تاريخي بالوصول إلى سدة الرئاسة. وتصب فضيحة فيون لصالح لوبن المعادية للهجرة وللاتحاد الأوروبي، وقد تعزز خطابها “المعادي للنخب” و”المعادي للنظام القائم” جراء قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد وفوز دونالد ترامب بالبيت الأبيض.

وتنطلق وريثة زعامة الجبهة الوطنية بحظوظ واثقة لبلوغ الدور الثاني من الانتخابات بعد حصولها على 25 بالمئة من نوايا التصويت بحسب استطلاعات الرأي. ولم تتأثر شعبيتها بالتحقيقات التي تطالها ولا سيما قضية وظائف وهمية في البرلمان الأوروبي.

ويرى ثلث من الفرنسيين (36 بالمئة) أنها تطرح أفكارا جديدة لحل مشكلات فرنسا بحسب استطلاع للرأي صدر مؤخرا، فيما قال بعضهم إنهم يميلون إلى التصويت للجبهة الوطنية ولو أنهم لا يعتنقون كل أفكارها.

وهذا الواقع يعني وفق جيروم سانت ماري الخبير السياسي في معهد بولينغ فوكس لاستطلاعات الرأي “أن الفرنسيين وصلوا إلى نهاية نظام سياسي بدأ في الثمانينات من القرن العشرين. وشهدت فرنسا على مدى ثلاثين عاما تناوبا شبه منهجي بين اليسار واليمين في الحكم مع تراوح الجبهة الوطنية بين 15 و17 بالمئة”.

وتابع “إلا أن التناوب بات يبتعد سنة بعد سنة عن تغيير حقيقي بموازاة تصاعد الاستياء حيال الأزمة الاقتصادية. وبالتالي فإن العام 2017 قد يشهد نشوء استقطاب جديد بين الليبراليين والقوميين المتمسكين بالسيادة” مع قيام شرخ جديد “بين الطبقات المندمجة في العولمة، وأخرى تشعر أنها خاسرة”.

ويحفّز تقدم الجبهة الوطنية في السباق إلى الإليزيه هواجس أوروبية من اتساع الخطابات القومية ودعوات الأحزاب اليمينية المتطرفة خلال الاستحقاقات التشريعية المنتظرة في ألمانيا وهولندا.

ويؤكد مطلعون على الشؤون الأوروبية أن اللقاء الذي جمع مؤخرا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وإيمانويل ماكرون يعكس قناعة برلين بضرورة المراهنة على المرشح الشاب وتوظيف ثقلها السياسي لتعزيز حظوظه في سياق التصدي لاتساع الدعوات الانفصالية وتفادي صعود رئيس “شعبوي ومتطرف” آخر في فرنسا القوة الرئيسية المؤثرة في الاتحاد الأوروبي إلى جانب ألمانيا على غرار ما جرى في الولايات المتحدة الأميركية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر