الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

اليمين الهولندي يحلم بما حققه ترامب

الناخبون الهولنديون يستعدون للتصويت في انتخابات تشريعية حاسمة يحاول من خلالها حزب رئيس الوزراء الليبرالي مارك روتي التصدي لمنافسه من اليمين المتطرف غيرت فيلدر.

العرب  [نُشر في 2017/03/13، العدد: 10570، ص(6)]

انتخابات مصيرية في القارة الأوروبية

لاهاي- تعيش القارة الأوروبية على وقع انتخابات مصيرية المزمع إجراؤها في هولندا وفرنسا وألمانيا، التي من شأنها أن تحدد البوصلة القادمة للقارة ومصير نظامها الليبرالي وقيمها الحرة التي نادت بها وتتخذها مبدأ لتوجهاتها، أمام مخاوف من تحقيق الأحزاب اليمينية المحافظة مكاسب انتخابية وتمكن الترامبية الجديدة من التمدد إلى كل أوروبا.

يتوجه الناخبون الهولنديون إلى مراكز الاقتراع الأربعاء للتصويت في انتخابات تشريعية حاسمة، حيث يحاول حزب رئيس الوزراء الليبرالي مارك روتي التصدي لمنافسه من اليمين المتطرف غيرت فيلدرز. وبلغت الحملة الانتخابية ذروتها السبت بمشاركة زعماء أكبر ستة أحزاب في مناظرة كبيرة في ايندهوفن تغيّب عنها النائب المناهض للإسلام غيرت فيلدرز، كما جرت على وقع أزمة دبلوماسية مع أنقرة.

وتسبق الانتخابات الهولندية التي ستشكل اختبارا لصعود اليمين المتطرف في أوروبا، انتخابات حاسمة أيضا في فرنسا وألمانيا وستكون نتائجها في حال فوز اليمين المحافظ ميلادا لأوروبا جديدة باتجاه الغرب نحو الانغلاق والانكفاء على ذاته والانتقال من عصر الليبرالية والقيم الحرة إلى عصر إقصاء الآخر والشعبوية. وتشير استطلاعات الرأي إلى فارق ضئيل جدا بين حزب الحرية الذي يقوده فيلدرز المرجح فوزه في الاقتراع وحزب البراغماتي روتي الذي سيتلقى إذا حدث ذلك ضربة قاسية.

وقد أظهر آخر استطلاع للرأي لمعهد “موريس دو هون” الجمعة أن حزب روتي لا يزال في الطليعة وسيشغل 24 مقعدا يليه حزب فيلدرز وحزب النداء المسيحي الديمقراطي (22 مقعدا لكل منهما)، ثم حزب الخضر بعشرين مقعدا. ويضم مجلس النواب الهولندي 150 مقعدا.

ولكن حتى إذا لم يأت في الطليعة في هذه الانتخابات، يمكن أن يسجل فيلدرز أفضل نتيجة منذ إنشاء حزبه في 2006، قبل انطلاق انتخابات فرنسا وألمانيا التي تخضع لمراقبة دقيقة مع احتمال فوز أحزاب شعبوية ويمينية متطرفة، أمام توقع نيل النخب التقليدية خسارة موجعة حيث ستتلف الشعبوية مقومات النظام العالمي منذ سقوط جدار برلين وتشرع في تأسيس نظام جديد.

إلى ذلك، يبدو المشهد السياسي في هولندا مشتتا إلى حد كبير، فهناك 28 حزبا سياسيا وهو عدد قياسي منذ الحرب العالمية الثانية، تتصارع لحصد أصوات 12,9 مليون ناخب وتقاسم 150 مقعدا في البرلمان. ويتوقع غيرتن فالينغ المؤرخ السياسي في جامعة لايدن أن “الأحزاب الصغيرة ستربح عددا كبيرا من المقاعد”. مضيفا أن “الانتخابات ستفرز برلمانا مقسما جدا، ما سيجعل من مهمة تشكيل تحالف (حكومي) أصعب بكثير”.

واحتل فيلدرز لأشهر المرتبة الأولى في استطلاعات الرأي مستفيدا من أزمة الهجرة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ومن محاكمة غطتها وسائل الإعلام بكثافة أدين فيها بالتمييز بعد تصريحات حول المغاربة الذين يعيشون في هولندا. وقد أكد مؤخرا “واثق من أننا سنحقق نتائج ممتازة”. وأضاف “حتى إذا لم يحصل ذلك لا عودة إلى الوراء والأمور ستتغير في أوروبا”.

اللافت في حملة الانتخابات الهولندية التراجع الكبير للأحزاب اليسارية التقليدية، ويمكن لانتخابات 15 مارس الجاري أن تتمخض عن معادلة من خمسة أحزاب أضعف من تلك القائمة حاليا

وتحت وقع الأزمة مع تركيا، أشاد فيلدرز الذي وصف مرارا الرئيس رجب طيب أردوغان بأنه “دكتاتور”، السبت، بإجراءات الحكومة الهولندية مشددا على أنها اتخذت نتيجة الضغوط الكبيرة من قبل حزبه. لكن مع اقتراب موعد الانتخابات، تراجع حزب الحرية الذي يقوده فيلدرز ويشغل 12 مقعدا في مجلس النواب المنتهية ولايته، إلى المرتبة الثانية في استطلاعات الرأي.

ووعدت معظم الأحزاب بالامتناع عن التعاون مع النائب المثير للجدل وتحفظت على وعوده الانتخابية، ومن بينها إغلاق الحدود أمام المسلمين ومنع بيع المصاحف أو خروج هولندا من الاتحاد الأوروبي. أما روتي، فيحاول البقاء بعيدا عن الجدل مركزا على الخبرة التي اكتسبها خلال ست سنوات ومقدما نفسه على أنه البديل الجدي الوحيد لغيرت فيلدرز.

وذكر مؤخرا للصحافة الفرنسية “نعيش أوقاتا مضطربة وخطيرة ومهمتي الرئيسية كرئيس للحكومة هي المحافظة على بلدنا مستقرا وآمنا”. وفي محاولة لكسب تأييد أنصار اليمين المتطرف، يؤكد روتي أنه على هولندا الدفاع عن قيمها ويدعو الذين لا يحترمون هذه القيم إلى مغادرة البلاد. وقبل خمسة أيام على الاقتراع شارك المئات من الهولنديين الجمعة في نقاش وطني حول الإسلام أقيم في أكبر مسجد في البلاد.

وخلال هذا الحوار الطويل في مسجد السلام في روتردام، شارك حوالي 400 شخص في طرح الأسئلة والتصفيق والهتاف والضحك والصراخ في نقاش اتسم بحيوية بالغة حول ديانة أصبحت أحد المحاور الأساسية للحملة. وأوضح الخبير السياسي بوديفين فان إينينام أنه إذا فاز حزب الحرية في الانتخابات “فسيكون لديه الحق في تشكيل تحالف”، لكن بما أن الأحزاب الأخرى وعدت بعدم التعاون معه، فقد تكون هذه المهمة صعبة وستنتقل إلى ثاني أكبر حزب في البلاد.

لذلك قد تستغرق المفاوضات أسابيع إن لم تكن أشهرا ويمكن أن تلعب الأحزاب الصغيرة دورا كبيرا بمحاولاتها التوصل إلى اتفاقات حول القضايا الكبرى لحملتها. وبين هذه الشخصيات المؤثرة جيسي كلافر الذي يقود تيار دعاة حماية البيئة ولم يتجاوز الثلاثين من العمر. ويوصف بأنه “ترودو هولندا” في إشارة إلى رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو الذي يتمتع بشعبية كبيرة، بينما يبدو حزبه عقبة في طريق أحزاب كبرى مثل حزب المسيحيين الديمقراطيين.

واللافت في حملة الانتخابات الهولندية التراجع الكبير للأحزاب اليسارية التقليدية، ويمكن لانتخابات 15 مارس الجاري أن تتمخض عن معادلة من خمسة أحزاب أضعف من تلك القائمة حاليا أو حتى حكومة أقلية، وهو أمر نادر غير أنه سبق أن حدث من قبل. ويعلق غيرتن فالينغ على فرضية تشكيل هذا المشهد السياسي في هولندا قائلا “أمر جيد للديمقراطية وللنقاش وحتى برلمان منقسم لن يؤدي إلى فوضى بالمطلق”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر