الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

تجميد البويضات بين المحاذير الدينية والمخاوف المجتمعية

  • في الواقع اليومي لحياة مجتمعاتنا العربية، هناك الكثير من القضايا الشائكة التي تثير اللغط وتسبب الحيرة والارتباك ويشتعل حولها الجدل ولم تجد لها حلولا حتى الآن، ومن تلك القضايا مسألة لجوء البعض من نسائنا العربيات إلى تجميد بويضاتهن لاستخدامها في الإنجاب لمن تتعثر منهن في الإنجاب، وهي مسألة يشتد إزاءها الانقسام وتدخل بنا في حقل المسكوت عنه، وكم في هذا الحقل من ألغام.

العرب سمير الشحات [نُشر في 2017/03/14، العدد: 10571، ص(12)]

الحق في الأمومة يبدد الحذر الاجتماعي

قضية التجميد تلك ليست جديدة، حيث بات من الشائع أن نسمع ونقرأ عن بنوك لتجميد البويضات، صحيح أن الإقبال عليها مازال محدودا في بلداننا العربية وتحيط بها المحاذير والشكوك، إلا أن الفكرة في حد ذاتها ما تلبث أن تطفو على السطح بين الحين والآخر. خطورة القضية تكمن في أنها تلامس شأنا دينيا مباشرا، هو اختلاط الأنساب الذي حرّمه الإسلام تحريما قاطعا، ورغم ذلك فإن البعض لا يرى غضاضة في اللجوء إلى التجميد، إذا توافرت الشروط الدينية المنضبطة التي تضمن سلامته شرعا ودينا، وهكذا يدور سجال الآن بين معارضيه ومؤيديه.

ويشير الواقع إلى أن تجميد البويضات أو التبرع بها من سيدة إلى أخرى متعثرة في الحمل، صار أمرا عاديّا جدا في مجتمعات الغرب، بل وتنظمه وتحميه القوانين، وأصبح من الطبيعي أن نرى في صحافتهم ووسائل إعلامهم إعلانات تطلب متبرعات بالبويضات، أو حتى شراءها، لكن عندنا -نحن العرب- فإن الأمر يختلف تماما. على المستوى الطبي يعني تجميد البويضات استخراج البويضة من مبيض سيدة، ثم تجميدها وتخزينها في سائل النيتروجين تحت درجة حرارة تصل إلى 147 درجة تحت الصفر، ثم عند الاحتياج إليها يتم فك هذا التجميد وإخصاب البويضة بالحيوان المنويّ للرجل، وإعادة زرع هذه اللقيحة (أي الجنين) في رحم المرأة الراغبة في الإنجاب، وهي عملية تطورت علميا جدا في الغرب وتستخدم فيها تكنولوجيا غاية في التقدم.

تجميد البويضات أو التبرع بها من سيدة إلى أخرى متعثرة في الحمل، صار أمرا عاديّا جدا في مجتمعات الغرب، بل وتنظمه وتحميه القوانين

الشريعة الإسلامية حرّمت بشكل نهائي أن يتم تجميد بويضة امرأة لم تتزوج، منعا لاختلاط الأنساب، لكنها أباحته للسيدات المتزوجات، تحت شروط صارمة ومحددة، ويقول الفقهاء إن الدين الإسلامي هو دين يسر لا عسر، كما أنه دين العقل والحثّ على العلم، وبالتالي فلا مانع من الأخذ بكل ما هو نافع ومفيد للإنسان، لكن دون الإخلال بأسس الدين وثوابته التي أجمع عليها فقهاء الأمة.

وعلى الجانب الآخر، يسوق المؤيدون للتجميد الحجج والذرائع التي تحتّم التوسع في تجميد البويضات، وهؤلاء، رغم حرصهم التام على ألا يكون التجميد سببا في اختلاط الأنساب، إلا أنهم يطالبون بألا يكون الخوف من ضوابط الشرع مبررا لإيقاف عجلة التطور واللحاق بما أنجزه الآخرون. ويشدد هؤلاء على أن هذه الصرامة قد يضطر البعض معها، تحت ضغط الاحتياج، إلى التستر والتخفي، ومن ثم إجراء العملية في السر، وهو ما يمكن أن يمتد إلى مجالات أخرى كثيرة في حياتنا، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى المزيد من الانفصال بين الدين وتفاصيل الحياة اليومية للناس.

شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب رأيه واضح لا لبس فيه، وهو جواز التجميد، لكن بشروط، أهمها أن يكون بين الزوج وزوجته فقط، وفي حياة الزوج وليس بعد وفاته، وأن يتم حفظ البويضات لفترة قصيرة لحين إتمام التلقيح ثم إعدام ما بقي منها حتى لا يساء استخدامها في ما بعد أو تختلط بغيرها. الواضح أن موضوع تجميد البويضات سيشغل تفكير الكثيرين في الفترة المقبلة وحتى إشعار آخر، خاصة وأن العديد من مقالات الصحف والبرامج التلفزية ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تتناوله، وكم من أفكار كنا نرتعد خوفا منها في الماضي أصبحت اليوم من الأمور الشائعة المعترف بها.

ضرورة تفرضها الرغبة في تحقيق حلم الأمومة

تحدي عوائق الإنجاب

ما الذي يدفع سيدة ما إلى اللجوء إلى إجراء عملية تجميد بويضاتها؟ لعل الإجابة تكمن في ذلك المقطع من الفيديو الذي أثار لغطا هائلا في الأوساط المصرية، عندما خرجت فتاة مصرية عزباء، لا زوج لها، تطلب شراء حيوانات منوية من أي شاب، لتجمدها، ثم تستخدمها في تلقيح بويضة منها، فتنجب أطفالا. مبررات شريهان نورالدين هي نفسها مبررات كل المؤيدين لإجراء عمليات التجميد، كما أنها مبررات نساء كثيرات في العالم يفكرن في هذا الأمر، وأولها تأخر سن الزواج، حيث لا يحمل المستقبل أي بشائر لتقدم رجل للزواج منهن، فماذا تفعل المرأة في تلك الحالة لتصبح أما كبقية الأمهات؟

الأمومة -كما هو معلوم للكافة- غريزة أساسية، لا تكون المرأة امرأة حقيقية دونها، إذن فطلب الأمومة يظل مطلبا عادلا ومنطقيا وإنسانيا لكل سيدة، فكيف لا نحققه لها وقد أتاح لها العلم الحديث إمكانية تحقيق الحلم، خاصة وأن تجميد البويضات ثم استخدامها في إنجاب طفل بعد تلقيحها بحيوان منويّ لرجل، بات مسألة شائعة جدا في الكثير من الدول؟

هذا أولا، أما ثانيا، فإن ثمّة من الأمراض ما يحول بين المرأة والإنجاب الطبيعي، وعلى سبيل المثال، فإن المريضات بالسرطان يخضعن لعلاجات كيماوية وإشعاعية وهرمونية، تؤدي بهن إلى فساد بويضاتهن، وهنا يكون الإنجاب عن طريق التخصيب هو السبيل الوحيد أمامهن، ولا يتوقف الأمر على السرطان وحده، فهناك أيضا أمراض نقص المناعة (كالإيدز) والقلب والسكري وغيرها من الأمراض.

وثالثا، أن تجميد البويضات لا يختلف كثيرا عن آلية الإنجاب بطريقة طفل الأنابيب التي أضحت شائعة ومنتشرة في مجتمعاتنا العربية، ولا تلقى الاستهجان ولا الازدراء، وتوجد حاليا الآلاف من المعامل والعيادات والمستشفيات التي تتوجه إليها النساء المحرومات من “الخِلفة” ومعهن أزواجهن، وكم رأينا من نساء عربيات صرن أمهات بفضل تلك الآلية.

ورابعا، أن النساء العربيات لم يعدن هن النساء اللاتي عرفنهن في العقود الماضية، بل صرن أكثر تعليما وثقافة ووعيا واتصالا بما حولهن في بقاع الدنيا المختلفة، ويتمتعن بقدر هائل من الحرية والقدرة على اتخاذ القرار، وقد سمح المجتمع لهن بالاستقلالية الذهنية والمادية، وبات يطالبهن بتحمل المزيد من أعباء الحياة جنبا إلى جنب مع الرجال، فكيف نطالبهن بذلك ثم نحرمهن من قرار أن يصبحن أمهات؟

تجميد البويضات لا يختلف كثيرا عن آلية الإنجاب بطريقة طفل الأنابيب، وتوجد حاليا الآلاف من المستشفيات التي تتوجه إليها النساء اللواتي حرمن من الإنجاب

ولن يكون بمعزل عن هذا، أن حركة المجتمعات العربية صارت تخطو بسرعة السحاب نحو الاندماج في العولمة وثورة الاتصال والالتحام بقضايا الإنسانية المشتركة والمتشابهة، ونعرف في هذا السياق أن الكثير من الشركات والمؤسسات العالمية الكبرى في الغرب صارت تشجع الموظفات والعاملات بها على تجميد البويضات، بل وتدفع عنهن التكلفة، لتحفيزهن على تأجيل الإنجاب، كي لا يتعطل سير العمل وينتجن أكثر.

غير أن الأهم من ذلك كله أن الشرع عندنا لم يقطع بشكل بات بتحريم إجراء تجميد البويضة، بل يسمح به ولكن في إطار الالتزام بضوابط شرعية معينة، منها أن يكون الحيوان المنوي المستخدم مأخوذا من الزوج وليس من رجل آخر، لمنع اختلاط الأنساب. كما أن الدين الإسلامي يبيح التجميد في حال إن كانت صحة المرأة لا تتحمل الإنجاب الطبيعي، طبعا بشرط أن يتم التجميد ثم التلقيح من خلال الزوج فقط، وأن يقوم بالعملية طبيب موثوق في أخلاقه وصدقه، كي لا يتم التلاعب بالبويضات واستخدامها في أغراض تجارية أو غير ذلك، وأيضا ألا تمكث البويضات في ثلاجات الأطباء لمدة طويلة.

المؤيدون لتجميد البويضة لا يرون غضاضة في اللجوء إليه، أما النساء العربيات فمنقسمات الرأي في هذا الشأن؛ إذ أن أكثرهن، تحت دواعي التحريم والثوابت الاجتماعية الموروثة والأعراف والتقاليد، يخشين دخول تلك المنطقة الشائكة المخيفة، ومع ذلك فإن هؤلاء النسوة المحرومات من الإنجاب، عندما يغمضن الأعين ويسرحن مع أفكارهن، ستجدهن يتمنين لو كنّ أمهات يهز قلوبهن نداء “ماما”.

وإذا تغاضينا قليلا عما يقال في العلن، وما لا يقال، وتتبعنا أحوالنا بجرأة افتقدناها طويلا، فسوف نجد أن هناك الكثير من بنوك تخصيب الأجنّة موجودة الآن بيننا، وتعمل فعلا في عمليات تجميد البويضات بالبعض من البلدان العربية، وإن كان الإقبال عليها محدودا خوفا من رد الفعل المجتمعي، لكن من أدرانا أن تكون البعض من النساء قد توجهن إليها سرا؟ وهل نحن لدينا أرقام وإحصاءات شافية كافية عن هذه القضية؟

إمكانية اختلاط الأنساب وموانع شرعية شتى

لا بويضات خارج إطار الزواج

ما الداعي لأن تقدم فتاة لم تتزوج بعد على إجراء عملية تجميد بويضاتها؟ أليس في ذلك مفسدة كبرى، وشكوك حول شبهة الزنا؟ كيف نسمح لها بهذا ورأي الدين في المسألة قاطع ومحدد، وهو “هذا حرام على غير المتزوجات”؟. هو قول واحد إذن: ممنوع تجميد البويضات لغير المتزوجات، لكن ماذا عن المرأة المتزوجة؟ هل الباب مفتوح على مصراعيه للتجميد؟ لا، فالكثيرون في مجتمعاتنا العربية مازالوا ينظرون إليه بعين الشك، وهو شك قائم على أسانيد وحجج دينية، فماذا يقول الشرع؟

يذهب الفقهاء وأصحاب الفتوى الشرعية إلى التشدد إلى أقصى حد في الحكم على عمليات تجميد البويضة، حرصا على عدم اختلاط الأنساب (أي أن ينسب مولود لغير أبيه)، وصدرت فتاوى لا حدّ لها في هذا الشأن من مجامع الفقه الإسلامي، في العديد من الدول العربية والإسلامية. والحجج في ذلك كثيرة، ومنها أن التجميد داخل بنوك الأجنّة يحمل احتمالا كبيرا لحدوث اختلاط البويضات بعضها ببعض، إما عن طريق السهو والخطأ، وإما عن عمد بغرض البيع والتجارة (وهي تجارة رابحة جدا في أيامنا هذه)، وبديهي أن اختلاط البويضات يعني اختلاط الأنساب، الذي هو محرّم شرعا.

ثم أن تجميد البويضة، لامرأة متزوجة، وحفظها في ثلاجة، يحملان احتمالا بأن يتم تلقيحها، في ما بعد، بحيوان منويّ لزوجها (يكون قد تم تجميده هو الآخر)، ويكون الزوج قد مات، وهذا حرام شرعا، لأن الشرع يشترط أن يتم التلقيح في حياة الزوج وليس بعد مماته، إذ كيف تحمل امرأة لا زوج لها؟ إن حمل الزوجة من زوج مات يعد في الدين من بيّنات الزنا، وهو ما يستوجب العقوبة.

الرافضون للتجميد يملكون ذخيرة من الحجج الشرعية قادرة على إسكات أي صوت مؤيد، ومن تلك الأدلة قول رسول الله محمد، صلى الله عليه وسلّم، “أيُما امرأة أدخلت على قوم نسبا ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولم يدخلها الله جنته”. ويقول المعارضون للتجميد أيضا إن استخراج ماء الرجل (سائله المنويّ) بغير الطرق المباحة -التي هي الجماع الشرعي- لاستخدامه في تلقيح بويضة زوجته، يمكن أن يحدث فيه استبدال مع ماء رجل آخر داخل المعامل التي يجرى فيها التلقيح، وكذلك يمكن استبدال بويضة الزوجة ببويضة امرأة أخرى.

التجميد داخل بنوك الأجنة يحمل احتمالا كبيرا لحدوث اختلاط البويضات بعضها ببعض، إما عن طريق السهو والخطأ، وإما عن عمد بغرض البيع والتجارة، وهي تجارة رابحة في أيامنا

وحتى مع افتراض منتهى الأمانة وحسن النوايا، من يضمن لنا أن يرى الطبيب المشرف على التلقيح أن بويضة الزوجة (أو حتى الحيوان المنوي للرجل)، غير صالحة، فيقوم باستبدالها بواحدة أخرى من امرأة أخرى كي ينجح التلقيح؟ أليس في ذلك عندئذ خلط للأنساب؟ ولذلك يرى الكثير من الفقهاء والعلماء ضرورة عدم إجراء التلقيح في بلدان غير إسلامية، لأنها لا تعرف ضوابطنا الشرعية، ولا تلتزم بها.

وفي هذا السياق أيضا، يرى الفقهاء أن التبرع بالبويضات من امرأة إلى أخرى محرّم شرعا، لأنه يعني، بكل بساطة، أن التلقيح سيتم بين ماء الزوج وبويضة امرأة ليست زوجته، وفي هذا خلط للأنساب. وهنا قد يتساءل البعض؛ “إذن لماذا تسمحون في بلدانكم الإسلامية بإجراء عمليات طفل الأنابيب؟ والإجابة حاضرة: إن التلقيح من خلال طفل الأنابيب يعد ضرورة من ضرورات الحياة (وهي ضرورة حفظ الحياة)، كما أنه يتم وفق ضوابط صارمة جدا لضمان أن تكون البويضة التي تم تلقيحها هي فعلا بويضة الزوجة، وأن الماء المستخدم هو السائل المنوي للزوج، وليس لأحد آخر.

يمكن أيضا استحضار حجة أخرى يستند إليها الرافضون، ومفادها أن سحب البويضة من امرأة -سواء كانت متزوجة أم غير متزوجة- ينطوي على مفسدة الاطّلاع على عورة المرأة بلا مسوّغ شرعي، ومعروف، طبعا، أن هذا حرام، إذن ما الحاجة لهذا مع فتاة لم تتزوج بعد؟ أليس في هذا عبث ومفسدة، لا جدوى منهما؟ وسؤال آخر قد يطرح نفسه، باعتبار أن له صلة وثيقة بهذه القضية؛ ماذا عن الزواج العرفي؟

في هذا الموضوع، فإن الرأي الغالب، هو أن الزواج العرفي قانونا يعد زواجا خارج دائرة الاعتراف الرسمي، وتعمل كل التشريعات في البلدان العربية على الحد منه، ومن ثم فإنه لا يحق للزوجة المتزوجة عرفيا اللجوء إلى التجميد، ويجب على أي طبيب أن يتيقن من وجود وثيقة الزواج الرسمية قبل إقدامه على هذا الأمر. القول القاطع إذن هو أن تجميد البويضات يجب أن يتم بين زوجين فقط، وأن التلقيح يجب أن يتم أثناء قيام الزواج إذ لا يجوز لامرأة مطلّقة أو أرملة أن تجمد بويضاتها، ووضع اللقيحة (الجنين) في رحم امرأة أجنبية (أي غير الزوجة) حرام، سواء كان ذلك بالتبرع أو البيع.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر