الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

تدهور الوضع الصحي لبوتفليقة يعيد التساؤل: من يحكم الجزائر

ليس هناك خليفة واضح للرئيس بوتفليقة، ولا أحد يعرف ماذا سيحدث ولا بما يشعر الشباب الجزائري العاطل والتائه.

العرب منى المحروقي [نُشر في 2017/03/15، العدد: 10572، ص(6)]

صورة تعجز السلطة عن تجميلها

الجزائر - تضاعف الأوضاع الإقليمية والداخلية المتأزمة من قلق الجزائريين حول ما يجري خلف أسوار قصر المرادية، وبالتحديد ما يتعلق بصحة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وانعكاسات ذلك على وضع بلد بحجم الجزائر.

وفي ظل الأجواء المحيطة، لم يعد يدري الجزائريون ماذا يريدون بالضبط، أو على ماذا يقلقون؛ هل على الأزمة الاقتصادية التي فرضت عليهم سياسة التقشف، أم على الأحزاب السياسية الضعيفة، أم على الصراع بين صقور الدولة العميقة والبعض من الرافضين لما يجري داخل سراديبها؟

جلب بوتفليقة السلام للجزائر بعد العشرية السوداء في التسعينات. وهو يحظى بالاحترام من أجل ذلك، وليس هناك خليفة واضح له. ولا أحد يعرف ماذا سيحدث لاحقا، ولا بما تشعر جماهير الشباب الجزائري العاطل والتائه.

تجددت هذه الأطروحات وأصبحت تطرح بشكل أكثر قلقا في الفترة الأخيرة بعد أن تكرر غياب الرئيس الجزائري عن مناسبات عديدة، ووصل الأمر إلى حد إلغاء لقاء كان من المنتظر أن يجمع الرئيس الجزائري بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

اضطرت السلطات الجزائرية نهاية شهر مارس الماضي للإعلان عن أن الرئيس يمرّ بوعكة صحية أجبرته على تأجيل لقائه بـميركل. ويأتي هذا الإعلان في خضم جدل سياسي واجتماعي حول صحة الرئيس الذي أتم يوم الثالث من مارس سنته الثمانين، وسط غياب يعتبر طويلا بالنسبة إلى رئيس دولة.

ويعاني بوتفليقة، الذي يرأس الجزائر منذ سنة 1999، منذ سنة 2013 من آثار جلطة دماغية جعلته يتنقل على كرسي متحرك، لكن ذلك لم يكن مانعا أمام ترشحه للانتخابات الرئاسية 2015 ليعود مجددا إلى قصر المرادية على كرسي متحرك، في صورة اعتبرها الجزائريون ومختلف المراقبين والمختصين أنها تعكس وضع البلاد عموما.

كما هو الحال عقب كل إشاعة تتعلق بصحة الرئيس، يخرج المقربون من قصر المرادية والمسؤولون لنفي ما يروج من أنباء عن صحة الرئيس، إما لتجنب دخول البلاد في نفق أكثر سوداوية من وقعها الراهن خصوصا في ظل الظرف الإقليمي المضطرب، وإما لغايات أخرى يقول متابعون إنها تتعلق بمصالح الدولة العميقة، المتكونة من مـجموعة من الجنرالات ورجال الاستخبارات وكبار رجال الأعمال.

ويقول المقربون من الرئيس إنه “يفكر بعقله أفضل من الأصحاء”، وذهب بعضهم إلى تشبيهه بحالة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، الذي قاد الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، وهو على كرسي متحرك.

وقال جمال ولد عباس الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني إن “بوتفليقة يمارس مهامه بشكل عادي ولا داعي للمزايدات“. وأضاف أنه “زار مؤخرا بوتفليقة ووجده يمارس مهامه بصفة عادية“. وسبق لعبدالمالك سلال رئيس الوزراء الجزائري أن أجاب باقتضاب على سؤال وجهه له صحافي حول صحة بوتفليقة خلال زيارته للعاصمة التونسية بـ”صحة الرئيس بخير”.

وتسارع السلطات في كل زيارة يؤديها مسؤول إلى الجزائر لعقد لقاءات مع الرئيس، في خطوة يبدو أنها تهدف إلى درء الإشاعات التي تتحدث عن عجزه الصحي، لكنها فشلت في إقناع الداخل والخارج بأن الرئيس بصحة جيدة ويمارس مهامه بشكل طبيعي.

والمتأمل للأخبار التي تتحدث عن لقاء بوتفليقة برؤساء ولشخصيات، لا يتساءل عن المواضيع التي تمت مناقشتها، بقدر ما يركز على صورة الرئيس وما تحمله من دلالات ضعف لا تليق برئيس دولة.

ولا ينسى الجزائريون الموقف المحرج الذي حصل عقب استقبال بوتفليقة لرئيس الحكومة الفرنسية إيمانويل فالس، في يوليو 2016، حيث ظهر الرئيس الجزائري في وضع صحي مترد وبدا مرهقا وشارد الذهن. وخلقت تلك الصورة، التي نشرها فالس عبر صفحته الرسمية بموقع تويتر، أزمة دبلوماسية بين فرنسا والجزائر.

وتعزز صور الرئيس على كرسيه المتحرك ما يشاع بأن الجزائر تحكمها الدولة العميقة التي شهدت بدورها تصدعات في أركانها منذ أن بدأت صحة بوتفليقة تتدهور، حيث انتشرت معلومات بوجود صراعات داخلها وتحديدا بين جنرالات الجيش ورجال المخابرات.

وطفى الصراع على السطح عندما أقال بوتفليقة في سبتمبر 2015 رئيس المخابرات محمد مدين، المعروف بالجنرال توفيق، بعد حوالي ربع قرن من توليه المنصب. واعتبر كثيرون، مع صدور القرار، أن رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح وكذلك رئيس المخابرات الجزائرية الحالي الجنرال عثمان طرطاق، هما من خططا لإبعاد الرجل القوي صاحب الشعبية الكبيرة من المشهد، باعتبارهما من أبرز خصومه.

وعارض الجنرال ولاية العهد الأسرية التي أعدّ لها بوتفليقة، وقد تجلّت في زيادة نفوذ شقيقه سعيد، الذي يعتبره “شخصا فاشلا”.

وبعد التخلص من الجنرال توفيق، تمت إقالة أو إضعاف العديد من أتباعه، بدءا من رئيس مكافحة التجسس الجنرال عبدالحميد بن داوود إلى قائد الحرس الرئاسي جمال كحاز مجدوب. وفي نهاية المطاف تم اعتقال الجنرال حسن، واسمه الحقيقي عبدالقادر آيت عراب، وهو جنرال متقاعد كان مكلفا بملف محاربة الإرهاب في الجزائر.

ومهما كان سبب إقالة الجنرال توفيق والدائرة المقربة منه، فإن الواضح أن الغلبة حاليا للجيش على حساب الاستخبارات، مما يفرض تساؤلات في الداخل الجزائري عما إذا كان الجيش ستكون له كلمة لاحقا في ما يخص خليفة بوتفليقة.

وينظر إلى عدد من الشخصيات النافذة في الجزائر على غرار شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة ورئيس أركان الجيش قايد صالح ومدير الديوان الرئاسي أحمد أويحيى على أنهم من أبرز الشخصيات المرشحة لخلافة الرئيس. وتعتبر الانتخابات التشريعية التي من المنتظر أن تشهدها البلاد في الرابع من مايو القادم جزءا من التحضيرات للوصول إلى هذا المنصب.

ولجأ أويحيى ئيس الحكومة الجزائرية السابق، إلى وضع رجال الأعمال على رأس قوائم حزبه (التجمع الوطني للأحرار) الانتخابية. وتؤكد مصادر أن أويحيى، السياسي القوي، يسعى لاستقطاب رجال الأعمال لتمويل حملته الرئاسية في 2019.

وأعلن حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم عن قوائمه النهائية للانتخابات التي تضمنت أسماء سبعة وزراء في الحكومة الحالية.

واعتبرت الخطوة سعيا لتمكين رجال الحزب من السيطرة على قرار المؤسسة التشريعية وتهيئة أحدهم لترشيحه لمنصب رئيس الجمهورية في الرئاسيات المقبلة.

وولد الصراع على السلطة حالة من العجز في أداء المسؤولين زاد عليها تراجع أسعار النفط. وشرعت الدولة منذ السنة الماضية في اعتماد جملة من الإجراءات التقشفية، وهو ما ولد حالة من الاحتقان الاجتماعي عكسته التحركات الاحتجاجية التي تنفذها النقابات العمالية بين الحين والآخر.

ويخشى من أن تستغل الأحزاب الإسلامية وهن الدولة بعد أكثر من عقدين على قرار المجلس الأعلى للأمن في الجزائر إلغاء نتيجة انتخابات 1992، التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالأغلبية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر