الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

ترامب يلعب لعبة كيسنجر مع روسيا والصين: التقارب مع موسكو لضرب بكين

  • قبل 45 عاما قام الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون بمحاولة تغيير تشكيلة مثلث الاتحاد السوفييتي- الولايات المتحدة- الصين، حيث راهن على القيام باختراق عبر تطوير العلاقات مع بكين. وأجرى نيكسون لقاء مع مستشاره آنذاك لشؤون الأمن القومي هنري كيسنجر، بغية بحث زيارته المرتقبة إلى الصين؛ ويستحضر اليوم الخبراء هذه الاستراتيجية وبحث إمكانية تطبيقها للتقارب مع روسيا في سياق الحرب ضد الصين، لكن الباحث في مجلة شؤون دولية الأميركية جاكوب ستوكس، يرى أن “استراتيجية نيكسون” معكوسة لن تنجح بالنسبة إلى ترامب في اختراق التحالف بين روسيا والصين.

العرب  [نُشر في 2017/03/16، العدد: 10573، ص(6)]

تحالف دائم

واشنطن - اقترح عدة خبراء وباحثين في مراكز التفكير الاستراتجية، من بينهم دوغ بانداو، عن معهد كاتو، وإدوارد لوتواك عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، على الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يمضي قدما في الاستفادة من تحسين العلاقات مع روسيا، لمحاولة استقطاب مساعدة موسكو من أجل تحقيق توازن مع الصين الصاعدة، لكن لا يبدو أن الأمر سينجح في كسر التحالف المتين بين روسيا والصين.

يرى ترامب أن الصين والتطرف الإسلامي هما التحديان الأساسيان أمام الأمن الأميركي؛ فيما يرى روسيا شريكا محتملا في محاربة الطرفين. ومن ثم حسب هذا التفكير على ترامب أن يستخدم نسخة من اللعبة الدبلوماسية التي اتبعها الرئيس الأميركي السابق ريشارد نيكسون، بمساعدة مستشار الأمن القومي هنري كيسنجر في بداية سبعينات القرن العشرين، عندما عملا على إزالة جمود العلاقات مع بكين لمجابهة الاتحاد السوفييتي. لكن هذه المرة من المفترض أن يعقد ترامب شراكة مع روسيا من أجل مجابهة الصين.

يتماشى المقترح مع رؤى لرهانات استراتيجية طموحة في كافة أنحاء منطقة أوراسيا، وهو ما يسمى في معجم ترامب الخاص “الرابطة الكبرى” للجغرافيا السياسية. كانت زيارة نيكسون إلى الصين إحدى الصفقات الدبلوماسية التي كان لها أكبر نتائج في التاريخ الأميركي. وكان كيسنجر قد اقترح على نيكسون استخدام “لعبة توازن القوى” واستغلال التناقضات القائمة بين موسكو وبكين في ذلك الزمان. وكانت واشنطن بحاجة في تلك الأيام إلى الصين من أجل إجبار السوفييت على تغيير نهجهم ومعاقبتهم. لكن اليوم كيف سيتمكن عاقد الصفقات الرئيس ترامب من الاستفادة من استراتيجية نيكسون المعكوسة.

تتمثل المشكلة أمام ترامب في أن العلاقات الصينية الروسية ما فتئت تتحسن بشكل مطرد نوعا ما منذ سنوات أفول الحرب الباردة. بدأ الانفراج بين القوتين الشيوعيتين في بداية الثمانينات وتبعها تطبيع العلاقات في مايو 1989، حيث أقامت بكين وموسكو شراكة استراتيجية في سنة 1996 وأمضتا على معاهدة حسن جوار وتعاون ودي في سنة 2001.

ويشير الزعماء الصينيون والروس حاليا إلى العلاقة على أنها “شراكة استراتيجية شاملة للتعاون”، وهو مصطلح ملتف لتحالف غير كامل. في سبتمبر 2016 صرح عضو مجلس الدولة يانغ جياشي أن “عمق ومدى التعاون بين البلدين غير مسبوقين”. ويشار إلى أن التعاون الوثيق تسارع منذ أصبح شي جين بينج رئيسا للصين في سنة 2012، ويقال إن له علاقة شخصية جيدة مع نظيره الروسي فلادمير بوتين.

يتعاون البلدان تعاونا وثيقا في عدة مجالات، ففي قطاع الطاقة أصبحت روسيا مزود النفط الأول للصين في سنة 2016. وفي هذا السياق تستفيد الصين بأفضلية حاسمة تتمثل في نقل البضاعة عن طريق البر عوضا عن خطوط بحرية متنازع عليها.

وأقيمت شراكة بين البلدين في مجال التدريبات العسكرية، بما في ذلك التدريبات في البحر الأبيض المتوسط وبحر الصين الجنوبي، إضافة إلى الشراكة في بعض المشاريع المشتركة للتطور التكنولوجي.

وأحيا البلدان علاقتهما الواهنة في تجارة الأسلحة، ففي سنة 2015 وافقت بكين على شراء الطائرات المقاتلة سو-35 ومنظومة صواريخ أرض-جو أس-400 تريومف من موسكو. كذلك شرع البلدان في عدد من المشاريع ذات الرمزية “من الشعب إلى الشعب” مثل الشروع في بناء جسر طال تأجيله عبر نهر أمور.

وفي يونيو 2016 اتفق الرئيسان شي وبوتين على العمل معا لزيادة تحكمهما في الفضاء السيبراني وتكنولوجيات التواصل.

توفر الرؤية السياسية المشتركة للنظام العالمي الأساس للتعاون الصيني الروسي، وتعرف هذه الرؤية أساسا بالرغبة في إنهاء الهيمنة الأميركية واستبدالها بنظام متعدد الأقطاب.

وعند تحقيق هذه الرؤية سيكون بوسع كل بلد أن يحصل على مجال نفوذ فعال في آسيا وشرق أوروبا تباعا.

لكن في الوقت الحاضر تربط كلا من الصين وروسيا علاقاتٌ مع الولايات المتحدة الأميركية أكثر توترا من أي وقت منذ نهاية الحرب الباردة.

وهذا يرجع أساسا إلى النزاعات حول الملكية البحرية في بحري الصين الشرقي والجنوبي (بما في ذلك النزاع حول ديايو/ سنكاكو، وبراسال، وسلاسل جزر سبراتلي) والحرب في أوكرانيا، مما يجعل الشراكة الصينية الروسية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وقد وصفت افتتاحية حديثة في صحيفة الشعب اليومية، الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، تلك العلاقة بأنها “حجر الثقل في الحفاظ على السلام والاستقرار العالميين”.

في السبعينات من القرن الماضي اندلاع خلاف عميق في العلاقة الصينية السوفييتية وهو ما ساهم في إقناع الصين بالتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، ووصل هذا الخلاف إلى ذروته في مناوشات على الحدود في سنة 1969.

وبحلول سنة 1972 ساءت العلاقات بين القوتين الشيوعيتين وتحولت من كونها مصابة بالصقيع إلى التجمد التام.

وعند قدوم هنري كيسنجر في زيارته للصين كانت بكين ترى موسكو تهديدا أكبر من واشنطن. بالنسبة إلى روسيا اليوم العكس هو الصحيح إذ ترى موسكو أن واشنطن هي الخصم الأول بالرغم من وجود أمل في أن يقوم ترامب بإصلاح العلاقات.

من المؤكد أن هناك إمكانية لحدوث قطيعة بين الصين وروسيا، إذ تتخوف موسكو من علاقة اقتصادية غير متوازنة تقوم على مقايضة الموارد الروسية بمنتوجات صينية مصنعة.

وتوجد عدة عوامل تهدد بانحراف الشراكة عن مسارها، نذكر من بينها: النفوذ المتزايد للصين في آسيا الوسطى ومناطق قليلة السكان في الشرق الروسي، ومبيعات موسكو من الأسلحة إلى الهند وفيتنام، وسرقة الصين لتصميمات الأسلحة الروسية.

لكن قدرة الولايات المتحدة على تغذية هذه الخلافات من أجل تعزيز الانقسامات تبقى محدودة في أفضل الحالات. إضافة إلى ذلك، توصل الرئيسان شي وبوتين إلى تسوية مؤقتة تقلل من أهمية هذه الخلافات وتحتويها وفي الوقت نفسه يركزان على الجوانب التعاونية في علاقتهما.

عندما يتحدث الزعماء الصينيون عن “نوع جديد من علاقات قوى عظمى” مع الولايات المتحدة فهم يتصورون شيئا يشبه كثيرا العلاقة الصينية الروسية كنموذج.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر