الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

مدير الألكسو: حال المجتمعات العربية لن يصلح إلا بصلاح حال تعليمها

  • رغم الثراء الفكري والثقافي الذي ميّز المدوّنة الثقافية والحضارية العربية وما قدّمته للثقافة الإنسانية، إلا أنّ المتغيرات السياسية المتراكمة على مدى العقود الماضية كانت لها تبعات سلبية على المشهد الثقافي العربي، وأصابت العقل العربي بحالة خمول لدرجة أنه عجز أمام العقل المتطرف عن منع استقطابه لنسبة كبيرة من الشباب. والخروج من الحالة الراهنة يحتاج إلى ثورة فكرية تنطلق من إصلاح التعليم وتعقب تحديات الهوية العربية بمواكبة تطور التيارات الفكرية العالمية ومنافستها وتطوير الخطاب الديني، ضمن رؤية تنويرية يؤمن د. عبدالله محارب، المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “الألكسو” بأنها ستؤتي ثمارها بعد سنوات قليلة، داعيا في حوار مع “العرب” المجتمعات المدنية إلى الاستثمار في التعليم باعتباره الضامن الرئيسي لمستقبل أفضل لأبنائها، والترياق للثقافة التكفيرية بكل أوجهها.

العرب آمنة جبران [نُشر في 2017/03/17، العدد: 10574، ص(12)]

عبدالله محارب: إذا استطعنا أن نكون جيلا متعلما فسنتخلص من أزماتنا

تونس- التعليم، هي الكلمة التي يلخّص بها د. عبدالله محارب، المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “الألكسو”، أسباب أزمات أغلب المجتمعات العربية الراهنة؛ ويعتبر، في الوقت نفسه، أنها أول الطريق لحل هذه المشاكل. ويؤكد، في حوار مع “العرب”، “إذا استطعنا أن نخلق جيلا متعلما فسنتخلص من أزماتنا”. يأخذ عبدالله محارب من ظاهرة التطرّف، التي تغوّلت واقتحمت مجتمعات كانت عصية عليها في السابق، مثل المجتمع التونسي، كمثال للدلالة على تداعيات تراجع الاهتمام بتطوير التعليم في العالم العربي على امتداد الثلاثين سنة الأخيرة. وقد أنتج هذا التراجع جيلا يعرف القراءة والكتابة لكنه غير متعلّم، هو جيل يعتبره محارب “نصف متعلّم”.

ونتيجة لإهمال التعليم أصبح العقل العربي في حالة خمول. ويتذكر المدير العام للألكسو كيف أن السياسات التعليمية في السابق كانت تدرج علم المنطق والفلسفة ضمن المناهج التعليمية الثانوية. لكن، في السنوات الأخيرة، ألغيت هذه المواد الفكرية في العديد من المناهج، وهذا خطأ في تقييم عبدالله محارب، الذي يدعو إلى ثورة في مجال التعليم.

يقول المدير العام للألكسو “التعليم في العالم العربي يحتاج إلى ثورة حقيقية، فالبرامج التعليمية لم تعد تؤتي ثمارها. وهي ثورة مكلفة تحتاج إلى تكاتف الجهود الحكومية والخاصة. ولو توفرت المقوّمات فإن نتيجة هذه الثورة سنشعر بها بعد سنوات قليلة. ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة. وواقع المجتمعات العربية يحتاج إلى أن ننطلق الآن في هذه الخطوة. التعليم في كل مستوياته نتائجه ضعيفة وكارثية”.

ويضيف “ما فاقم من هذه المشكلة أن المسؤولين على التعليم لا يعترفون بهذا الضعف، فوزراء التعليم والقيادات التعليمية لا يعترفون بتراجع المستوى التعليمي، بل كل دولة تحاول أن تجمّل نفسها، وتقدّم نظامها باعتباره هو أحسن نظام. لذلك يجب أن تقرّ الجهات المسؤولة أولا أن هناك مشكلة في التعليم وأن هذا القطاع يحتاج إلى تطوير”. ويفسّر محارب رؤيته منوّها بضرورة رفع مستوى المدرّس الفكري والمادي وتحسين طريقة تقديم الكتاب المدرسي ليكون جاذبا للطالب، كما يجب مواكبة التطورات الحاصلة في مجال التكنولوجيا واستغلالها في التعليم. لكنّ، هذا الأمر لا يمكن أن يقع فقط على عاتق الدولة، فهي لن تستطيع وحدها تحمّل هذه المسؤولية.

والحل، كما يطرحه المدير العام للألكسو، يكمن في أن يشترك المجتمع المدني في الاستثمار في التعليم. ولا يقصد هنا أساسا إنشاء المدارس الخاصة، بل بدعم ميزانية الدولة المخصصة للتعليم ورفدها. ويقدم كمثال على ذلك رجل الأعمال الإماراتي عبدالله الغرير، الذي خصّص ثلث ثروته كوقف للتعليم في بلاده. ودعا محارب أثرياء العرب إلى الحذو حذوه والمساهمة في رفع مستوى التعليم في بلدانهم، فالمجتمع الغربي يدرك أنّ هذه المؤسسات تقدّم خدمات لأبنائها وليست للدولة لذلك يدعمها بصفة مستمرة، لكن نحن للأسف نفتقد لمثل هذه العقلية في النظر إلى التعليم.

على المجتمع المدني وأثرياء العرب المساهمة في رفع مستوى التعليم في بلدانهم، فالمجتمع الغربي يدرك أن هذه المؤسسات تقدم خدمات لأبنائها وليست للدولة لذلك يدعمها بصفة مستمرة لكن نحن للأسف نفتقد لمثل هذه العقلية

وهذا الواقع هو الذي يقود في نهايته إلى تطرف الشباب وانحراف عقيدته الثقافية والدينية. لذلك يتمنى عبدالله محارب أن يعاد النظر في قضايا التعليم وفي توجيه الشباب وفي تطوير الخطاب الديني، وهي عملية لا يضطلع بها فقط الدعاة ورجال الدين المتخصصين، بل يجب أن تتم أيضا داخل المدارس ومع مدرسي التربية الدينية والتفكير الإسلامي ومخاطبة الأجيال الشابة بطريقة مختلفة وبلغة متطورة.

ويضيف «هناك تطورات سريعة خاصة في الجانب التكنولوجي وهذا لم يواكبه تطور في الفهم لدى الشخصية العربية مع الأسف الشديد فأصبح هناك فارق بين الأجيال، أوعية الثقافة تغيرت لم يعد الكتاب والسينما أوعية للثقافة، فقط، هناك مواقع التواصل الاجتامعي والتطبيقات الإلكترونية. وتعمل الألكسو على مواكبة هذه التطورات وتوظيفها بما يخدم رسالتها وأهدافها، حيث أنشأت منصة للاتصال والمعلومات وأطلقت مسابقات وبعثت جوائز للشباب في التطبيقات الإلكترونية.

جفاف المدونة الفكرية

طالما واصل التعليم انحداره فإن ذلك سينعكس على الفكر العربي عموما. وما النقص الذي تعاني منه المدوّنة الفكرية اليوم على مستوى الأسماء المتيمزة في مجالها إلا سبب من أسباب واقع التعليم ومظهر من مظاهر أزمة المجتمع العربي الفكرية. حسب عبدالله محارب يعاني الفكر العربي من أزمة حقيقية، فليس هناك مثقفون في العالم العربي اليوم كما في السابق. ويقول متحسّرا “في الماضي، كنا نقرأ مقالات لفلاسفة وباحثين. اليوم انقطعت، وإن وجدت فليست بنفس القيمة الفكرية والجدلية، لأن ليس هناك بيئة علمية مثقفة تحتضنهم وينشأ فيها الجيل الذي يحمل لواء الثقافة والفكر بعد رحيل الرعيل الأول ومن تعلّموا عنهم”.

ويضيف مؤكدا “نعم، نحن نعيش أزمة ثقافية مزمنة وهشاشة فكرية، ظهور تنظيم داعش، واستقطابه للشباب العربي هو أحد تجلياتها. أنا قلت سابقا ليس لدينا مثقفون واعون ومؤثرون ومصلحون في العالم العربي. ما حدث على مرّ الأربعين سنة الماضية من تاريخ المجتمعات العربية ولّّد ضعفا وهشاشة فكرية جعلا من النادر وجود ذلك المثقف الواعي صاحب القراءات الكثيرة؛ فالثقافة عملية تراكمية، وما يخرج به المثقف للمجتمع هي الخبرة التي اكتسبها من خلال تعليمه وقراءته في كل المجالات: المسرح والراوية والفكر والفلسفة والدين والشعر”.

تعليم الناشئة زيارة المناطق الأثرية يساهم في بناء علاقة تصالح مع ماضيهم

لكنه، يستطرد موضحا “من النادر أن نجد في الدول العربية حرية مطلقة للمثقف يتكلم من خلالها كما يريد ويطلق العنان لأفكاره، مازلنا نعاني من مشكلة الرقابة وتحجيم دور الإبداع. وهذه من الأشياء التي تجعل المفكر في أيّ مجال يتعرّض للبعض من النقد فيحجم عن المواصلة، لذلك هناك أشياء كثيرة في العالم العربي تحتاج إلى تغيير شامل”.

تحديات الهوية العربية

التحديات الثقافية لا يمكن معالجتها بالضعف الثقافي والفكري، حيث نحتاج أن نتصل بالأفكار والتيارات الفكرية العالمية ونفهمها فهما جيّدا حتى نستطيع أن نواجهها، ثم نساهم في إثرائها ورفدها، كما فعل العرب ذلك من قبل؛ وهنا يعود بنا عبدالله محارب إلى نقطة التعليم باعتباره أحد أسس تكوين جيل مثقف ومتعلم هو الذي سيقوم بإثراء مكتبة الحضارة العالمية بمساهمات عربية في الأدب والفلسفة، وأساسا في مجال البحث العلمي.

وتحملنا هذه الفكرة إلى الحديث عن واقع البحث العلمي العربي، الذي يقول عنه محارب إنه ضعيف جدا في منطقتنا، لذلك ليس لنا موقع في العالم له قيمة في هذا المجال الثري والمهم، بينما الهند، مثلا، تعدّ من الدول النامية وفيها أكثر من 200 لغة ومجتمعها مكوّن من أجناس مختلفة، لكنها متقدّمة في مجال البحث العلمي ومنتجة للعلماء، لذلك يجب أن نحاول قدر الإمكان أن نعيد لأنفسنا الوهج الذي كانت عليه المنطقة العربية في السابق لنشارك الحضارة العالمية إنجازاتها.

ظاهرة أخرى مهمة توقّف عندها الحوار ولا تقلّ أهمية في سياق محاولة فهم النزعات المتطرفة التي ظهرت بين الشباب العربي؛ وهي مسألة فهم التراث وقراءة التاريخ ونقله إلى الأطفال والشباب بشكل سهل وجميل، من خلال زرع ثقافة زيارة الآثار. وهنا، يعبّر محارب عن أسفه من كون المواطن العربي لا يهتم بالآثار ولا يلتفت إليها، سواء في بلاده أو خارجها، مثلا في مصر من النادر أن تجد مصريين حريصين على زيارة آثارهم، التي إن صادف وزاروها يكون ذلك من خلال الرحلات المدرسية، بينما الأجانب يحرصون على زيارتها.

ويقول المدير العام للألكسو “يجب أن تكون هناك مادة تدرّس في الآثار تغرس في الناشئة احترام هذه الشواهد الحضارية والتاريخية، عندها لن ينجح تنظيم مثل داعش في أن يجد من يساعده على تدمير آثار الموصل وتدمر وتدنيس آثار حضارات باقية منذ آلاف السنين”. ويقول المدير العام للألكسو مؤكدا «نحن ندعو إلى تخليص التراث من أشياء قد تكون غير مناسبة للعصر، لكن لا نقبل الدعوات الشاذة بهدمه، وهذه القضية من أبرز الصعوبات التي نواجهها، كما الدعوة إلى العلمانية من قبل المتطرفين، وقطع كل صلة بالقديم، ولا نستطيع أن نعدهم معبرين عن الأمة ومصالحها، لكننا نراهن على زيادة الوعي في المستقبل، خاصة مع حرص الشباب على استيعاب التراث».

تطوير الخطاب الديني عملية لا يضطلع بها فقط الدعاة ورجال الدين المتخصصين بل يجب أن تتم أيضا داخل المدارس ومن خلال المعلمين والأساتذة

وأكد عبد الله محارب على أهمية دعم جهود الدول العربية المتضررة وجهود المجموعة الدولية لإعادة بناء التراث الثقافي الذي استهدفته الجماعات الإرهابية. ودعا إلى ضرورة قيام جميع الدول العربية بالتصديق على الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي، مثل اتفاقية اليونسكو لعام 1970 بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة. وأشار إلى أن منظمة الألكسو وضعت في صدارة اهتماماتها التدريب وبناء القدرات العربية من مهنيين ومجموعات محلية لحماية التراث الثقافي خاصة في أوقات الأزمات.

استقطاب الشباب التونسي

الاستغراب الذي صاحب الدراسات التي تحدثت عن أن الشباب التونسي يمثل النسبة الأعلى من المنتمين للتنظيمات المتشددة في سوريا وليبيا، يجعل من المهم الوقوف عند هذا الموضوع والبحث فيه مع مدير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التي تتخذ من تونس مقرّا لها. يؤكد عبدالله محارب أن الشباب التونسي مطلع وواع وذكي لكنه ضلّ الطريق. أراد أن يقدم شيئا لدينه فظن أن الطريق هو داعش وظن أن ما يقدّمه هذا التنظيم هو ما يحتاجه. وهذا خطأ سببه وجود من يوجهه؛ فالدولة لم تقم بدورها اللازم في توجيه الشباب.

وتضاعف الخطر بعد ثورة 14 يناير، لأن الدولة انشغلت بقضاياها السياسية وأهملت الشباب الذي قاد هذه الثورة، فشعر بالإحباط والنقمة أحيانا، يجب أن تعالج مشكلاتهم بأسرع ما يمكن ليس فقط في تونس بل في معظم الدول العربية؛ فتنظيم داعش، وغيره، سيستمر في اللعب على هذا الوتر، طالما لم يتم العمل على توجيه الشباب وإيجاد بديل.

يختتم عبدالله محارب، المدير العام لمنظمة الألكسو، الحوار بالحديث عن الخطة القادمة للمنظمة من 2017 إلى 2022، مشيرا إلى أنّ الألكسو مقدمة على تنفيذ القسم الأول المتعلق بسنة 2017، ويشمل مجموعة كبيرة من المشروعات، من بينها: مشروع مبادرة التعليم والأطفال في مناطق النزاع واللجوء ومشروع المرصد المعماري للمدن العربية، لكن تأخر الدول العربية في سداد ما عليها للمنظمة يقف حجر عثرة أمام تحقيق التقدم المرجو.

صحافية من تونس

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر