الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

خفض التمويل الأميركي للأمم المتحدة يزيد من شللها

  • عندما انتخب أنطونيو غوتيريس أمينا عاما للأمم المتحدة اعتبر الكثيرون أنها خطوة هامة على طريق إصلاح المنظمة. لكن أزمة المنظمة الأممية أعمق من أن تحلها خلافة وزير الخارجية البرتغالي الأسبق (1995-2002) للدبلوماسي الكوري الجنوبي بان كي مون؛ وهي أزمة مرتبطة أساسا بالدول الأعضاء التي تبدو أبعد عن أن تكون متحدة.

العرب  [نُشر في 2017/03/18، العدد: 10575، ص(6)]

رياح الأزمة تشتد

نيويورك - لم يكن انتخاب البرتغالي أنطونيو غوتيريس أمينا عاما للأمم المتحدة مجرد ممارسة ديمقراطية لاختيار الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، التي تأسست في 24 أكتوبر 1945، بل جاء اختيار المفوض السامي لشؤون اللاجئين (2005-2015) المعروف بقدرته على التفاوض لحساسية المرحلة التي تمر بها الأمم المتحدة والتي وصلت إلى مرحلة من التردي والبيروقراطية القاتلة إلى درجة أن البعض من المتابعين تنبأ لها بمستقبل شبيه بما وضع مع عصبة الأمم، المنظمة التي نشأت على أنقاضها منظمة الأمم المتحدة.

وخلال حملته الانتخابية هدّد دونالد ترامب بتقليص الدعم الأميركي للمنظمة الأممية. وردّ حينها الأمين العام السابق بان كي مون “أنا على يقين من أنه بحكم منصبه كرئيس للولايات المتحدة سوف يتفهمّ الأمر، سيستمع، وسيضع على المحك وعود حملته الانتخابية”.

ولم يضع دونالد ترامب وعوده الانتخابية على المحك بل مضى قدما في تأكيدها على أرض الواقع، ومن ذلك خفض التمويل الأميركي للمنظمة الدولية. لم يتم بعدُ الإعلان عن هذا القرار رسميا، إلا أن الأمين العام أنطونيو غوتيريس استبق الخطوة محذّرا من خفض مفاجئ في تمويل المنظمة، قائلا إن تلك الخطوة قد تقوّض جهود الإصلاح، وفقا لبيان صادر عن المنظمة الأممية.

وأضاف البيان الصادر عن ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم غوتيريس، أن “الأمين العام مستعد للتباحث مع الولايات المتحدة وأي دولة عضو أخرى حول أفضل طريقة يمكننا من خلالها جعل المنظمة أكثر فعالية من حيث التكلفة لتحقيق أهدافنا وقيمنا المشتركة”.

وأعرب غوتيريس عن امتنانه “للدعم الذي قدمته الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة على مر السنين، بوصفها أكبر مساهم مالي للمنظمة”، مشيرا إلى أنه يساند بقوة ضرورة مكافحة الإرهاب على نحو فعال، ولكنه يعتقد أن الأمر يتطلب أكثر من الإنفاق العسكري. فهناك حاجة أيضا إلى معالجة الدوافع الأساسية للإرهاب من خلال مواصلة الاستثمار في منع نشوب الصراعات بل السعي لإيجاد طرق أمثل لحلها، ومكافحة التطرف العنيف، وحفظ وبناء السلام، والتنمية المستدامة والشاملة، وتعزيز حقوق الإنسان واحترامها.

وجاءت هذه التصريحات بعد نشر البيت الأبيض لمخطط موازنة عام 2018 تسعى إلى إجراء تخفيضات كبيرة في الدبلوماسية الأميركية والمساعدات الخارجية. وقالت نيكي هالي، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، في بيان إن الأمم المتحدة “تنفق أموالا أكثر مما ينبغي، وتضع بعدة طرق عبئا ماليا على الولايات المتحدة أكبر بكثير من الدول الأخرى”.

واقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب خفضا نسبته 28 بالمئة في ميزانية وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية بما يشمل تقليصا غير محدد لتمويل الأمم المتحدة ووكالاتها، إضافة إلى فرض حد أقصى نسبته 25 بالمئة على تمويل أميركا لمهمات حفظ السلام.

والولايات المتحدة هي أكبر ممول للأمم المتحدة، إذ تدفع 22 بالمئة من الميزانية الأساسية للمنظمة الدولية والبالغة 5.4 مليار دولار و28.5 بالمئة من ميزانية عمليات حفظ السلام الدولية البالغة 7.9 مليار دولار. ثم تأتي كل من الصين واليابان في المرتبة التالية، حيث تساهم كل منهما في حفظ السلام بنسبة 10 بالمئة وتليهما ألمانيا وفرنسا بنسبة 6 بالمئة لكل منهما. ورغم أهميتها في دعم المنظمة المنوط بها مهمة العمل على إرساء السلم والأمن العالميين، إلا أنها تجعل القرار الأممي مرتهنا في الغالب للداعمين والدول التي تمتلك حق الفيتو، ما يدعو البعض إلى تشبيها بـ”شركة قابضة تمتلكها الدول دائمة العضوية”.

وتمول الميزانية كل عامين من الاشتراكات المقررة على كل دولة عضو وفقا لصيغة يُراعى فيها متوسط الناتج المحلي على مدار عشر سنوات، مع عدم إغفال دخل الفرد والديون الخارجية لكل دولة من الدول الأعضاء التي يبلغ عدها 193 دولة. فيما الدول التي لا تفي مساهماتها في الميزانية خلال العامين الماليين تُحرم من حق التصويت في انتخابات الجمعية العامة للمنظمة.

بالمئة من الميزانية الأساسية لمنظمة الأمم المتحدة تدفعها واشنطن

الصين على خط الأزمة

في الأشهر القادمة ستناقش الجمعية العامة التي تضم 193 دولة عضوا الميزانية العادية لعامي 2018 و2019 للأمم المتحدة وميزانية حفظ السلام في الفترة من الأول من يوليو 2017 وحتى 30 يونيو 2018. كما يراجع مجلس الأمن الدولي مهمات حفظ السلام في ما يقترب موعد تجديد تفويضها.

وقال سفير فرنسا لدى المنظمة الدولية فرنسوا ديلاتر إن قوة الأمم المتحدة إلى جانب التزام أميركي قوي بالشؤون العالمية أمر مطلوب “أكثر من أي وقت مضى”، وعكست تصريحاته قلقا من أن تؤدي التوجهات الأحادية للرئيس الأميركي إلى تفكير دول أخرى في السير على نفس الخط، ما سيشكل خطرا بالعودة إلى مناخ قديم من سياسة مناطق النفوذ والتاريخ.

لكن، لا يشاطر كل الأعضاء في الأمم المتحدة القلق الفرنسي، فالصين مثلا قد تجد في تقليص الدعم الإنساني الأميركي في المنظمة الدولية فرصة تجعلها تتقدم هي لتملأ الفراغ، وبالتالي الاضطلاع بدور دولي أكبر لبكين.

ويشير كيري براون، مدير معهد لاو الصين في كلية كينغز كوليدج في لندن، إلى أن تحركات الصين باتجاه زيادة التعددية “معقدة”. ويقول في تصريحات نقلتها عنه شبكة الأنباء الإنسانية “إيرين” إن “موقف إدارة ترامب بشأن تغيّر المناخ وعدد من المجالات الأخرى تدفع الصين نحو خيار وحيد، وهو القيام بدور أكثر نشاطا في القضايا الدولية، بسبب الفجوة التي ستخلقها الانعزالية الأميركية التي تتوخى المصلحة الذاتية”.

وتقول يون سون، الخبيرة في السياسة الخارجية الصينية، إن الصين تساهم في عمليات حفظ السلام باعتبارها وسيلة لإقحام نفسها في ميزان القوى العالمي، و”بما أن الأمم المتحدة هي منصة متعددة الأطراف، فإن الصين تنظر إليها باعتبارها الوسيلة الأكثر شرعية وفعالية للسيطرة على الأحادية الغربية أو التدخل العسكري”.

إذا تراجعت الإدارة الأميركية القادمة بشكل ملحوظ عن تقديم الدعم الإنساني، يمكن أن تفتح الباب أمام الصين وروسيا للعب دور أكبر

روسيا تستفيد

لم تتخلف روسيا، التي تعتبر إلى جانب الصين وأميركا وبريطانيا وفرنسا من الخمسة الكبار المتحكمين في قرارات الأمم المتحدة، عن الاستفادة من الوضع الحالي للأمم المتحدة التي أفادتاه كثيرا في عهد بان كي مون فيما يخص المشاريع الأممية في سوريا أساسا. وفي خضم الجدل حول الميزانية وتقليص المساعدات الأميركية أقدمت موسكو على تحويل 77 مليون دولار إلى ميزانية المنظمة كجزء من مستحقاتها.

ويقول الخبراء إن موسكو سعت من خلال هذه الخطوة إلى ترسيخ تواجدها في صلب المنظمة الأممية، باعتبار أنها أحجّ الوسائل التي تساعدها على تحقيق أهداف سياستها الخارجية، والتي عبر عنها فلاديمير بوتين في أحد المقالات التي كتبها خلال حملة رئاسيات 2012، بقوله “سنسعى إلى إقامة نظام عالمي جديد ينطلق من الوقائع الجيوسياسية المعاصرة، على أن يكون ذلك بشكل تدريجي ودون هزات غير ضرورية”. وأضاف بوتين في ذات المقال “من المهم جدا أن تكون باستطاعة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وبشكل فعال مكافحة تحكم بعض الدول والاستبداد على الساحة الدولية. لا يمكن لأحد خطف صلاحيات ووظائف الأمم المتحدة وخاصة في ما يتعلق باستخدام القوة تجاه الدول المستقلة”.

إذا تراجعت الإدارة الأميركية القادمة بشكل ملحوظ عن تقديم الدعم الإنساني، يمكن أن تفتح الباب أمام الصين وروسيا للعب دور أكبر، لكن الخبراء يحذرون من أن هذا ستكون له تأثيرات كبيرة على النظام العالمي الذي تعتبر الأمم المتحدة أحد محركاته. لكن، وفيما يرى غوتيريس أن العالم يواجه تحديات عالمية هائلة “لا يمكن معالجتها إلا من خلال نظام قوي وفعال متعدد الأطراف، تبقى الأمم المتحدة ركيزته الأساسية”، فقد غرّد ترامب على صفحته على تويتر في ديسمبر الماضي يقول إن “الأمم المتحدة لديها إمكانات كبيرة لكنها الآن أصبحت ناديا يتجمع فيه الناس معا لتجاذب أطراف الحديث وقضاء أوقات طيبة. هذا شيء محزن للغاية”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر