الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

التحول في موضوع المرأة أكبر انقلاب اجتماعي سعودي

هناك تقدم كبير والدولة تقف خلف الانفتاح وتشجع المرأة لكن في نفس الوقت على الناشطين السعوديين عدم المبالغة وإحراج الدولة كما حدث عام 1990.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2017/03/19، العدد: 10576، ص(6)]

منال الشريف سعودية تقود سيارتها بنفسها

توقع الأمير السعودي طلال بن عبدالعزيز أن يُسمح للمرأة السعودية بقيادة السيارة في شوارع المملكة اعتبارا من شهر أبريل المقبل. وكانت هناك توقعات أخرى العام الماضي أن تتضمن رؤية السعودية 2030 السماح للمرأة بقيادة السيارة فقد كان وليّ وليّ العهد مصمما على مستقبل سعودي كبير ولسبب لا نعرفه تم تأجيل ذلك القرار إلى المستقبل.

إن موضوع الموقف الديني من المرأة أصبح موضوعا عالميا وسياسيا. فقد واصلت الصحف البريطانية الصادرة صباح الأربعاء الماضي تركيزها على قرار محكمة العدل الأوروبية السماح بفصل المسلمات اللواتي يرتدين الحجاب في العمل. وقد انتهز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القريب من الإخوان المسلمين هذه الفرصة للترويج لنفسه وللإسلام السياسي حيث أدان قرار محكمة العدل الأوروبية منع الرموز والملابس الدينية، ومن بينها الحجاب، في أماكن العمل، واصفا إياه بأنه “حملة” ضد الإسلام.

قبل أسبوعين أثارت صورة على أنستغرام جدلا سياسيا وفلسفيا واسعا بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي في أميركا. الصورة لرجل مثلي متحول جنسيا يجلس في القطار إلى جانب سيدة محجبة تلبس البرقع، قال الجمهوريون هكذا يريد الحزب الديمقراطي العالم في حالة صدام ثقافي. فالجمهوريون محافظون ولا يفضلون الطرفين لا المتحول جنسيا ولا المسلمة التي ترتدي غطاء الوجه.

أجاب الديمقراطيون فورا بأنهم فعلا يريدون أميركا هكذا، فالسيدة التي تلبس البرقع تجلس إلى جانب المتحول جنسيا بوداعة وسلام وكلاهما غير مكترث بطريقة الآخر في العيش. لو فكرت بالأمر لوجدت بأن الحزب الجمهوري على حق والديمقراطيون يبالغون كثيرا في الاتجاهين.

أبلغ ما يمكن أن يقال في حرية المرأة كتبته السعودية فوزية البراك حين قالت إنها تتمنى لو يجرب الرجل مرة هذه القيود المفروضة على المرأة ولو لفترة قصيرة، فقط ليفهم ما معنى أن تكون مستعبَدا من قبل رجل آخر يتحكم بك ويسيطر على مصيرك، ودراستك، وعملك، وأطفالك، وممتلكاتك ووثائقك الثبوتية

المملكة العربية السعودية تتمتع بقيادة حكيمة لا تصطاد في الإسلام السياسي العالمي كما يفعل أردوغان ولا تحب الصورة المتناقضة والمبالغ فيها التي يرحب بها الحزب الديمقراطي دائما. يبدو أن المملكة في هذا الشأن بالذات تبدو معتدلة وقريبة من رؤية الحزب الجمهوري الأميركي. المملكة تسعى إلى تعليم المرأة السعودية وزجّها في العمل ومنحها الحق بقيادة سيارتها بأقرب فرصة.

مسؤولون سعوديون كثيرون يتساءلون كيف تكون المرأة أكثر أمنا وهي تستأجر التاكسي أو تنتقل برفقة سائق أجنبي لسيارتها؟ وقد انتشر مؤخرا فيديو مصور لسائق باكستاني يتحرش بسيدة سعودية. المسؤولون يرون أن قيادة المرأة لسيارتها ليس أكثر محافظة فقط بل يخفف عبئا اقتصاديا كبيرا من حيث انعدام الحاجة للسائق الأجنبي وتسهيل وصول السعوديات إلى سوق العمل.

إلى جانب مشكلة الصحوة الدينية والتطرف لم يكن هناك موضوع آخر مدعاة لسوء الفهم والإساءة إلى دولة عصرية ناجحة كالمملكة العربية السعودية مثل وضعية المرأة. حتى الإنسان الغربي الذي لا يهتم بالسياسة يعتبر السعودية تلك البلاد التي تلبس فيها المرأة البرقع وغير مسموح لها بقيادة السيارة.

القانون يسمح بتعدد الزوجات وقد تحدث حالات إجبار لزواج فتاة قاصر من رجل في منتصف العمر، ويتم الفصل بين الرجال والنساء في الأماكن العامة، وقد تتعرض النساء في مناسبات عديدة إلى ظروف صعبة بسبب سياسة التمييز بين الجنسين. هناك وظائف عديدة مغلقة بوجه المرأة، والمرأة تحتاج إلى ترخيص من الرجل للسفر أو الدراسة. يجري إعفاء الفتيات من التمارين البدنية في المدارس أو المشاركة في النشاطات الرياضية. وخارج البيت على المرأة ارتداء العباءة السوداء وتغطية وجهها بالبرقع.

إذا كان هناك من أمر مؤكد في مستقبل المملكة فهو أن القوانين المتشددة بخصوص النساء ستتبدل وسيجد القانون السعودي لسنّة التشدد تبديلا. المرأة ستجد مكانها الطبيعي في النهاية بسوق العمل، وستأخذ مكانها في المجتمع والاقتصاد السعودي. نحن نرى هذه التبدّلات قد بدأت فعلا بسبب الحاجة الاقتصادية وطبيعة البشر والإنترنت.

يبدو أن التحول في موضوع المرأة يعتبر أكبر انقلاب اجتماعي سعودي. ورغم أن التقاليد والشريعة والقانون مجتمعة ما زالت تحد من حرية المرأة، تجد بأن عدد السعوديات في سوق العمل يتصاعد. السعوديات أصبحن أفضل تعليما ويتزوّجن في سن متأخر وينجبن أطفالا أقل. وانخراطهن المتزايد في العمل سيفتح لهن دورا أكبر في المجتمع والإعلام. ستكون المرأة السعودية قريبا حرة في السفر ومسؤولة عن حياتها الخاصة دون وصاية من الأب والزوج والأخ. سينتهي شعور السعوديات بالذنب كلما ذهبن إلى المحاكم سواء في قضايا العائلة أو الجريمة.

مشهد سعودي غير مألوف: سعوديات في الرياض يركضن ويضحكن تحت المطر

هذا التغيير لن يكون سهلا وسيلقى مقاومة شرسة من الزعماء الدينيين والمجتمع المحافظ، ومن ضمنهم نساء مستفيدات من الوضع الحالي. ربما لو تسرّعت الدولة بالتصويت لفشل مشروع تحرير المرأة الذي تريده الدولة. بعض النساء ربما يتعرضن للعنف من قبل رجال يرفضون التغيير، وهذا حدث حتى في الولايات المتحدة حين تم سن قوانين حماية المرأة.

بالرغم من ذلك فإن التغيير قادم لسبب بسيط هو الضرورة الاقتصادية وسوق العمل. الأمم المتحدة لاحظت التغيير مسبقا ففي عام 2009 حلت السعودية بالمرتبة 59 عالميا من ناحية حقوق المرأة من ضمن تصنيف عالمي ضم 177 دولة، رغم أن السعودية عام 2006 قد حلت بالمرتبة 76 في التصنيف نفسه، هذا يعني وجود تطور متسارع لا يمكن إيقافه، وربما المملكة عام 2017 تحل بالمرتبة 40. معظم الدول التي حلت بعد السعودية في موضوع المرأة هي من جنوب آسيا وصحراء أفريقيا حيث السبب الرئيسي لذلك اقتصادي وليس ثقافيا أو حقوقيا.

وليّ وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كان واضحا ولم يترك فرصة لسوء الفهم فقد قال علنا في رؤية المملكة 2030 بأنه ماض نحو بناء مملكة صناعية، وهذا يتطلب تحولا اجتماعيا وثقافيا هائلا. لم تعد المملكة تستطيع إنفاق كل تلك المليارات على تعليم المرأة دون مردود اقتصادي من هذه القوة البشرية والعلمية الهائلة. الرجل السعودي بدأ يشعر بالضغوطات الاقتصادية ويتطلع إلى الزواج بامرأة تعمل وتساعده، لأن الدخل الواحد لم يعد كافيا للعائلة.

مهما يكن من أمر فإن الدراسات الحالية تؤكد بأن السعودية ما زالت ضمن الدول التي تحتفظ بأقل نسبة مشاركة للنساء في سوق العمل. غير أن الدولة اتخذت عدة إجراءات لتعديل الوضع الحالي وفتح الطريق للمرأة. وضمن المعاهدات الدولية وقعت المملكة على القوانين التي تؤكد على معاملة المرأة بشكل مساوٍ للرجل في العمل دون تفرقة بين الجنسين ولكنها تضيف شرطا واحدا فقط يتعلق بعدم تعارض ذلك مع قوانين الشريعة الإسلامية. عام 2004 فتحت المملكة قسما خاصا لتدريب وتعيين السعوديات في وظائف الدولة دون الحاجة إلى وجود مرافق أو حماية أثناء العمل. وعام 2006 كانت المملكة قد وضعت خطة لتعيين ما نسبته ثلث وظائف الدولة بالسعوديات.

لقد انتبهت المملكة إلى ضرورة سن قوانين جديدة لحماية المرأة خصوصا بعد عام 2004 حيث انتشرت صور الإعلامية رانية الباز بعد تعرضها للضرب المبرح من زوجها وأوشكت على الهلاك. المسؤولون شعروا حينها بأن الأعراف والتقاليد لم تعد كافية وحدها لحماية النساء.

من المعروف أن الملك فيصل بن عبدالعزيز افتتح عام 1960 أول مدرسة لتعليم السعوديات والملك عبدالله بن عبدالعزيز افتتح عام 2011 أول جامعة مختلطة في السعودية. الدولة السعودية تريد التغيير ولكن هناك أشياء تحتاج إلى مناقشات مثل ما تنص عليه المدرسة الحنبلية في الزواج واشتراط حضور وليّ المرأة لتوقيع عقد الزواج.

كما لا يوجد سن محدد للزواج يحمي القاصرات من هكذا قرار مصيري قد يتخذه بدلا عنهن أولياء الأمور في العائلة. هذا بالرغم من وجود حديث نبوي ينص على ضرورة موافقة البكر على الزواج وأن تكون في سن يسمح لها باتخاذ هكذا قرار مصيري. إضافة إلى أن القرآن لم يذكر شيئا عن تغطية الوجه ولا عن قيادة المرأة للسيارة.

إذا كان هناك من أمر مؤكد في مستقبل المملكة فهو أن القوانين المتشددة بخصوص النساء ستتبدل وسيجد القانون السعودي لسنة التشدد تبديلا. المرأة ستجد مكانها الطبيعي في النهاية بسوق العمل، وستأخذ مكانها في المجتمع والاقتصاد السعودي. نحن نرى هذه التبدلات قد بدأت فعلا بسبب الحاجة الاقتصادية وطبيعة البشر والإنترنت

عام 2010 قال الشيخ عبدالرحمن البراك بأن كلّ مَن يدعو إلى الاختلاط والمساواة بين الرجل والمرأة في العمل والمدارس يعتبر كافرا يستوجب قتله. ولانتشار هذا الكلام في الإعلام بما فيه من إساءة لسمعة المملكة قام الملك الحكيم عبدالله بن عبدالعزيز حينها بتوجيه دعوة إلى أمير قطر مع زوجته السافرة وسمح للإعلام بتغطية الزيارة.

كما افتتح الملك بعدها بشهور جامعة الملك عبدالله التي يدرس فيها الرجل مع المرأة ويعملان معا في نفس المكان. بدلا من معاقبة الشيخ المتطرف فكر الملك بموعظة حكيمة لهؤلاء الناس. الجميع يعلم بأن زوجة النبي خديجة كانت سيدة أعمال وتسافر وتختلط مع التجار ولا يعرف أحد من أين جاء المتشددون بطريقتهم العجيبة هذه.

المسؤولون السعوديون غير مقتنعين بالوضع الحالي ويقولون كيف أن 40 بالمئة من الأطباء السعوديين هم من النساء و79 بالمئة من الحاصلين على شهادات الدكتوراه في البلاد هم من السعوديات، كيف أن المرأة السعودية هي الأكفأ تعليما والأكثر ذكاء بينما المملكة تُصَنّف من الدول التي نسبة النساء العاملات فيها منخفضة جدا.

طبيبة باكستانية محاضرة للأطباء السعوديين المتدربين بالمستشفى تقول إن الطبيبات السعوديات لا يسألن ويقفن بعيدا خلف زملائهن الأطباء المتدربين، وهناك حالة من الخجل حتى الصدرية الطبية مختلفة حيث يخطنها عند الخياط بمواصفات طويلة وخاصة، ويجدن صعوبة بتحريك الحجاب ووضع السماعات الطبية بحيث لا يسمعن دقات قلب المريض بوضوح.

الحكومة السعودية تحاول مساعدة المرأة قدر المستطاع ففي عام 2009 كان هناك 20 ألف شركة صغيرة ومتوسطة مسجلة باسم السيدات بعد أن سمح لهن قانون عام 2006 بذلك لتشجيع سيدات الأعمال، وهناك اليوم 50 مليار ريال في حساب سيدات الأعمال السعوديات.

هناك تقدم كبير والدولة تقف خلف الانفتاح وتشجع المرأة لكن في نفس الوقت على الناشطين السعوديين عدم المبالغة وإحراج الدولة كما حدث عام 1990. كان الملك فهد بن عبدالعزيز مقتنعا حينها بضرورة السماح للمرأة بقيادة السيارة والقرار الملكي كان وشيكا غير أن تظاهرة من 45 سيدة سعودية قدن سياراتهن في وسط الرياض بوضح النهار اعتبر تحديا للنظام في ظرف كانت الدولة تجاهد ضد انشقاق بين رجال الدين حول شرعية الاستعانة بالقوات الأميركية لتحرير الكويت من الغزو العراقي. شعر الملك فهد حينها بخيبة أمل من هؤلاء الناشطين الذين ضيعوا بسلوكهم المتهور فرصة حقيقية لمنح المرأة رخصة القيادة السعودية قبل 27 عاما من اليوم.

إن أبلغ ما يمكن أن يقال في حرية المرأة كتبته السعودية فوزية البراك حين قالت إنها تتمنى لو يجرّب الرجل مرة هذه القيود المفروضة على المرأة ولو لفترة قصيرة فقط ليفهم ما معنى أن تكون مستعبَدا من قبل رجل آخر يتحكم بك ويسيطر على مصيرك ودراستك وعملك وأطفالك وممتلكاتك ووثائقك الثبوتية.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر