الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

تراكمات التاريخ ترتب الفرنكفونية في خانة الاستعمار الجديد

مسألة التردد الجزائري في الانضمام إلى المنظمة الفرنكفونية تثير استفهامات المتتبعين بالنظر إلى الرصيد اللغوي الفرنسي في البلاد.

العرب صابر بليدي [نُشر في 2017/03/21، العدد: 10578، ص(12)]

لا مجال لاستعمار جديد

مازالت الكثير من النخب الجزائرية، تعتبر الفرنكفونية مشروعا ثقافيا يتصل بالمشروع الاستعماري العسكري، وما فشلت فيه فرنسا بالطرق الكلاسيكية في بسط نفوذها على المنطقة، تريد تعويضه بمشروع ثقافي لغوي، يكفل لها بقاء المستعمرات القديمة في المنطقة تحت سيطرتها بأقل التكاليف والخسائر.

صرح وزير المجاهدين (قدماء المحاربين) طيب زيتوني، مؤخرا، بأن “الجزائر لن تسكت ولن تتنازل عن مطالبها التاريخية، وأن الحديث عن أي تطبيع دبلوماسي أو ثقافي بالانضمام إلى القطب الفرنكفوني، لن يتحقق قبل أن تقرر فرنسا الاعتراف والاعتذار عن الحقبة الاستعمارية”.

وأضاف “لا يجب الاعتقاد بأن الحكومة الجزائرية والمجتمع المدني، سكتوا أو تنازلوا عن مطالبهم المرفوعة، وإنما تم سحب الملف لكي لا يتم توظيفه في الصراع السياسي الفرنسي الداخلي على الانتخابات الرئاسية بعد شهر، وأن الملف سيفتح من جديد بعد ترسيم الحاكم الجديد في قصر الإيليزيه، وأي طموح للتطبيع الثقافي والانضمام إلى المنظمة الفرنكفونية أو مجالات أخرى مربوط بتسوية ملف التاريخ والذاكرة الجماعية”.

تصريحات وزير المجاهدين تعكس حدة الالتباس المترسب لدى قطاع عريض من الجزائريين، بين تسوية قضايا التاريخ والذاكرة، وبين مساعي إرساء علاقات شاملة وندية بين الطرفين، فمازال هاجس حقبة الاستعمار السياسي والعسكري يخيم على أي مشروع يرتبط بفرنسا، وأي خطوة لإغراء الجزائر من أجل الانخراط في التكتل الفرنكفوني، تمثل محاولة لفرض وصاية استعمارية جديدة.

ويرى مختصون في الشأن الدبلوماسي والثقافي في الجزائر، بأن تذبذب الموقف الجزائري الرسمي من الانخراط في التنظيم الفرنكفوني، يرتبط بالدرجة الأولى بالعقبات التي تحول دون تسوية ملفات التاريخ والذاكرة الجماعية، حيث تبقى مرحلة الاستعمار تلقي بظلالها على علاقات الطرفين في مختلف الميادين، بما فيها مسألة الانضمام الجزائري الرسمي للمنظمة، الذي توظفه الجزائر كورقة ضغط لتصفية الحسابات غير المعلنة مع نظيرتها الفرنسية.

مازال هاجس الاستعمار السياسي والعسكري يخيم على أي مشروع يرتبط بفرنسا، وأي خطوة جزائرية للانضمام للفرنكفونية، تمثل محاولة لفرض وصاية استعمارية جديدة

وكان الرئيس السابق للمجلس الوطني والاجتماعي الراحل محمد الصغير باباس، قد صرّح في وقت سابق، بأن الجزائر ترفض العودة إلى حضن الفرنكفونية، دون تسوية نزيهة وعادلة لملفات التاريخ والذاكرة الجماعية العالقة منذ استقلال الجزائر في 1962، وأنه لا يمكن بناء علاقات سليمة، ما دامت فرنسا تمجد سياساتها الاستعمارية في الجزائر.

ويثير مسألة التردد الجزائري في الانضمام إلى المنظمة الفرنكفونية، استفهامات المتتبعين بالنظر إلى الرصيد اللغوي الفرنسي في البلاد، إذ تعدّ منافسا قويا وشرسا للغة العربية الأم، فهي الثانية في التدريس والخطاب والإدارة، وتستفيد من دعم لوبي إعلامي وإداري ورسمي موال لفرنسا ومعاد للقيم المحلية، ما يعتبر استمرارا للوجود الفرنسي في الجزائر رغم خروجها السياسي والعسكري في 1962.

وإذ عرف التعامل الرسمي في الجزائر مراحل مختلفة في التعامل مع ملف الفرنكفونية، قياسا بتوجهات السلطات المتعاقبة على قيادة البلاد، حيث اعتبرت في بعضها من التابوهات التي لا تمس، لأنها تشكل امتدادا للاستعمار السياسي والعسكري، وفي بعضها الآخر مسألة تحتاج إلى معاملة رصينة وبراغماتية، وأن الثقافة واللغة الفرنسيتين تشكلان للجزائريين غنيمة حرب.

وعلى عكس رؤساء الجزائر السابقين، أبدى الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، خلال سنوات مجيئه الأولى إلى قصر المرادية، انفتاحا على فرنسا في مختلف النواحي بما فيها اللغوية والثقافية، وأبدى نية الجزائر الرسمية الانضمام للمنظمة الفرنكفونية والاستفادة من مزايا العضوية، ليكون ذلك تحصيل حاصل لما أكده في أكثر من مرة بأن “اللغة الفرنسية هي غنيمة حرب”. إلا أن المسألة لم تكن بتلك السهولة التي كان يتوقعها، فمكانة اللغة الفرنسية في الجزائر من المدرسة إلى الشارع والإدارة والإعلام، لا تعكس توجهات التنازل عن الذاكرة، وأن محاولة توظيفها كورقة ضغط على الفرنسيين لتحقيق مكاسب جديدة، اصطدمت بنخب محلية تجمع على مقاومة المشروع، ويشترك في ذلك أنصار الهوية المحلية والتاريخ والثورة، ما جعله يسحب الملف كأولية مهمة في إرساء علاقات جزائرية فرنسية جديدة.

ومازالت فرنسا تراهن على انخراط جزائري في المنظمة، من أجل إعطائها دفعا قويا، قياسا بالرصيد اللغوي والثقافي الفرنسي المتراكم، إلا أن باريس لم تحسن لحد الآن الاستفادة مما توفره اللوبيات والدوائر الموالية لها، ولا من الثقل الجزائري القوي في الفرنكفونية مقارنة بالدول المغاربية أو العربية، بسبب مخلفات الماضي التي لم تتخلص منها لغاية الآن.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر