الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الهوس بالمشاهير.. الشركات ترتدي أقنعة يحبها الجمهور

  • ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تعزيز ثقافة “الهوس بالمشاهير” الذين تحولوا تدريجيا إلى أيقونات وواجهات للشركات، وأصبحوا أداة في أيدي الحكومات لإلهاء أعداد كبيرة من البشر عن قضايا حيوية في حياتهم اليومية.

العرب  [نُشر في 2017/01/03، العدد: 10501، ص(13)]

ماذا لو كان ت. س إليوت أو نعوم تشومسكي وليست كيم كاردشيان

لندن - يهيمن المشاهير على حياة الناس العاديين عبر مصاحبتهم من خلال برامج تلفزيونية شبه يومية وإعلانات تجارية صاخبة، وصفحات لا تنتهي على مواقع التواصل الاجتماعي. خلق كل هذا “ثقافة المشاهير” التي باتت أحد المحركات الرئيسية خلف اتجاهات الجماهير.

وغالبا ما تضيق دائرة المشاهير الذين يحظون بتأثير واسع على الجمهور لتشمل فقط شخصيات تتسم بالسطحية ولا تقدم شيئا مفيدا. والممثلون ونجوم تلفزيون الواقع وعارضات الأزياء والمطربون هم الأولوية في قمة قائمة طويلة تضم شخصيات باتت جزءا من حياة الملايين اليومية.

والآن يستعد أحد نجوم تلفزيون الواقع لأن يصبح رئيسا للولايات المتحدة.

ويقول خبراء إن ثقافة المشاهير هي أكثر من مجرد متعة غير مؤذية، إذ أنها عنصر أساسي في الأنظمة التي تحكم حياتنا.

ولا يحدث تنامي ثقافة المشاهير من تلقاء نفسه. فمنذ فترة طويلة تمت زراعة هذه الثقافة من طرف المعلنين والمسوقين ووسائل الإعلام، وأصبحت لهذه الثقافة وظيفة تضطلع بها، ومع الوقت أصبحت الشركات تعتمد إلى حد ما على وجوه بعض الشخصيات من أجل الوصول إلى زبائنها.

تمكن الممثلون من شغل مساحات واسعة في الفضاء الإعلامي كانت مشغولة في السابق بأشخاص يتبنون أفكارهم الخاصة. تحول المشاهير إلى قنوات لإيصال رؤى الآخرين لا غير

ويقول جورج مونبيوت، المحلل في صحيفة “الغارديان” إن “الشركة تعني الجسم، والمال يعني المدير. لكن رأس مال الشركات ليس له جسم ولا مدير. من الصعب على الناس أن يتعلقوا بشركة يمتلكها صندوق تحوط تتكون هويته المؤسسة من خزانة من الملفات في مدينة بنما. هذا الجهاز على هذه الشاكلة يحتاج إلى قناع يغطي كل ذلك. يجب أن يرتدي هذا الجهاز وجه شخص ما، نراه في الكثير من الأحيان كما نرى جيراننا المجاورين لنا”.

وأضاف “من غير المجدي أن نسأل ما الذي تفعله كيم كارداشيان لتكسب عيشها.. يتمثل دورها في أن تتواجد في عقولنا. من خلال لعب دور الجارة القريبة منا، إنها تثير رغبتنا في تجميع أخبارها التي تملأ المواقع الإلكترونية هذا الأسبوع”.

هيمنة مطلقة

ولا يقبع الهوس بالمشاهير في وجدان الناس بجوار أشياء أخرى يكن لها الناس تقديرا، لكنه اتخذ مكانا بشكل متسارع في حياتهم.

وكشفت دراسة نشرتها مجلة “سيبر سيكولوجي” حدوث تحول غير عادي بين عامي 1997 و2007 في الولايات المتحدة.

في عام 1997 تصدرت قيمة مساعدة سكان الحي والقيام بأعمال تطوعية أخرى جدول القيم السائدة (كما تم تقييمها من طرف جمهور البالغين)، التي عرضت خلال البرامج التلفزيونية الأكثر شعبية بين الأطفال في الفئة العمرية التي تتراوح بين 9 و11 عاما. وقد جاءت الشهرة في المرتبة الخامسة عشرة بين ست عشرة درجة من القيم.

بحلول عام 2007، عندما ظهر المسلسل الكوميدي الشهير “هانا مونتانا”، صارت الشهرة تحتل المرتبة الأولى، يليها الإنجاز والصورة العامة والمحبة والشعبية والنجاح المالي. وتراجعت قيمة خدمة سكان الحي إلى المركز الحادي عشر، والأعمال التطوعية إلى المركز الثاني عشر.

وكشفت ورقة بحثية نشرتها المجلة الدولية للدراسات الثقافية، أن من بين الأشخاص الذين شملهم الاستـطـــلاع في المملكة المتــحدة، أولئك الذين يتبعون أدق أخبار المشاهير، والأقل انخراطا بمقدار ثلاث مرات في المنظمات المحلية مقارنة بأولئك المهتمين بأشكال أخرى من الأخبار، وأنهم أقل بحوالي النصف في المساهمة في الأعمال التطوعية. لقد عوض الجيران الافتراضيون أولئك الحقيقيين.

ويقول مونيبوت “كلما كان المنتج أكثر تجانسا وأكثر لطفا، كان القناع الذي يحتاج إلى ارتدائه أكثر تميزا. هذا هو السبب في استخدام إيجي بوب لتعزيز التأمين على السيارات، واستخدام بينيشيو ديل تورو لبيع منتجات هاينكن".

جورج مونبيوت: من غير المجدي أن نسأل ما الذي تفعله كيم كاردشيان لتكسب عيشها.. يتمثل دورها في أن تتواجد في عقولنا

وأضاف “يتمثل دور هذه الشخصيات في الإيحاء بأن هناك شيئا أكثر إثارة وراء شعار الشركة يفوق بكثير المكاتب وجداول البيانات. يتم نقل بهرجتهم إلى الشركات التي يمثلونها، وبمجرد حصولهم على مقابل شراء هوياتهم، يصبحون بلا معنى بالضبط كالمنتوجات التي يروجونها”. وبالتدريج تحول الكثير من المشاهير اليوم إلى منتجات مربحة، تم وضعها في صدارة أنظار المتابعين عبر وسائل الإعلام بواسطة وسطاء الإعلانات الذين لا يخضعون لأي مراقبة.

وبات الممثلون وعارضو الأزياء يتمتعون باهتمام كبير، إذ تمكنوا من شغل مساحات واسعة في الفضاء الإعلامي كانت مشغولة في السابق بأشخاص يتبنون أفكارهم الخاصة. تحول المشاهير إلى قنوات لإيصال رؤى الآخرين لا غير.

وكشف بحث أجراه عالم الأنثروبولوجيا غرانت مكراكين أن الممثلين الأميركيين حظوا بنسبة 17 في المئة من الاهتمام الجماهيري بين عامي 1900 و1910، وهو أقل بقليل من الفيزيائيين والكيميائيين والبيولوجيين مجتمعين.

وتقول الدراسة، التي اطلعت “العرب” على أجزاء منها، إن مخرجي الأفلام حظوا بنسبة 6 في المئة، واستحوذ الكتاب على 11 في المئة فقط. وبين عامي 1900 و1950، حظي الممثلون بنسبة 24 في المئة من مساحة الشهرة، والكتاب بنسبة 9 في المئة. وبحلول عام 2010 نال الممثلون نسبة 37 في المئة (أكثر أربع مرات من شهرة العلماء)، في حين انخفضت النسبة المخصصة لكل من المخرجين والكتاب إلى 3 في المئة.

ويقول الكاتب السعودي علي الزهراني إن “ظاهرة الإعجاب بالمشاهير ليست جديدة بل هي قديمة عرفها ايروتومانيا بقوله إنها قناعات زائفة وغير حقيقية لا يمكن تعديلها أو تصحيحها بأن هناك مشاعر متبادلة بين المصاب بـ(الايروتومانيا) وأي شخص آخر من المشاهير، وقد تكون هناك علاقة ايروتومانية مع أكثر من شخص مشهور في آن واحد".

ورغم قدم هذه الظاهرة إلا أنها أصبحت واضحة للعيان في هذا الزمن بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، هذا فضلا عن البرامج الجماهيرية على شاشات التلفزيون، والتي تعزز تعلق المراهقين بالنجوم في شتى المجالات. وقد وصفها الطبيب الفرنسي دوكلير امبو بمتلازمة دوكليرامبو، وهي باختصار تهيؤات تصيب الشخص، وتعرف تدرجا في حدتها.

وقد كشفت دراسات أميركية أن واحداً من كل عشرة أشخاص يعانون من هوس المشاهير مما يجعلهم فريسة سهلة للأمراض العصابية (غير العصبية) كالقلق والاكتئاب ولربما الإصابة لاحقا بالأمراض الذهانية.

وكشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة دنفر الأميركية شملت 600 شخصا لمعرفة مدى اهتمامهم بالمشاهير. وتوصلت الدراسة إلى نتيجة مفادها أن هناك ثلاث مراحل يمر بها الشخص المهووس بالمشاهير: الأولى تعقب المشاهير، والثانية تركيز قوي من المهووس تجاه هذا المشهور لدرجة الإدمان، والثالثة تسمى الحالة البينية المرضية حيث يأخذ الهوس شكلا عدوانيا تجاه المشهور إذا حاول تجاهله.

فراغ ثقافي يقود الناس إلى ثقافة الفراغ!

مصادر للتفاهة والفراغ

يقول محللون نفسيون إن الصفات الرئيسية التي يتم البحث عنها اليوم لدى المشاهير، تنصب على التفاهة والفراغ وجمال الجسد. ويمكن استخدام المشاهير كشاشة لعرض أي شيء. وباستثناء قليلين فقط، فإن أولئك المشاهير الذين ليس لديهم أي شيء يقولونه يستغلون أكبر عدد من المنصات لينشروا أفكارهم.

كل هذا يساعد على تفسير الوهم الجماعي المنتشر بين الشباب الذين باتوا يحلمون بأن يصبحوا من المشاهير.

وكشفت دراسة استقصائية أن 54 في المئة من الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 16 عاما في بريطانيا ينوون أن يصبحوا من المشاهير.

بمجرد أن يتناسى المشاهير الدور الموكل إليهم، يتم فتح أبواب الجحيم عليهم. كانت المطربة والمغنية البريطانية ليلي ألان حبيبة وسائل الإعلام عندما كانت تروج لإعلانات شركة “جون لويس″. ولم يعتبر الكثيرون أن لاعب كرة القدم السابق ومقدم البرامج غاري لينيكر مخطئا عندما روج لبيع الوجبات السريعة للأطفال. ولكن عندما عبر عن تعاطفه مع اللاجئين، تم تمزيقه إلى أشلاء. عندما تتلقى أموالا من الشركات، عليك أن تلغي التفكير في نفسك.

للمشاهير دور رئيسي ثان: هم سلاح الإلهاء التام. فقد كشفت دراسة نُشرت في المجلة الدولية للدراسات الثقافية أن الناس الأكثر اهتماما بالمشاهير هم الأقل انخراطا في عالم السياسة، والأقل احتمالا للمشاركة في الاحتجاجات والأقل احتمالا أيضا للمشاركة في الانتخابات. هذا يبرز أن المشاهير يحطمون الرأي السائد بأنهم يجعلون الناس أكثر التصاقا بالحياة العامة.

وتوصلت الدراسة إلى أن الناس المهووسين بمتابعة أخبار المشاهير، يتابعون أيضا الأخبار بنفس قدر الآخرين، لكنهم على ما يبدو يشعرون أنهم في حالة تحول دائم. فإذا كنت تريد أن يبقى الناس هادئين وغير منخرطين في الحياة العامة، ليس عليك سوى أن تبث وجوه تايلور سويفت (مطربة) وشيا لابوف (ممثل ومخرج) وكارا ديليفين (ممثلة وعارضة أزياء) عدة مرات في اليوم.

ويشكل الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب مزيجا مناسبا للاستخدامات المثالية لثقافة المشاهير: فهو يمثل تجسيد الشركات والقوة التي تقف وراء ظاهرة “الإلهاء العام".

لقد أصبحت شهرة ترامب قناعا لامبراطوريته التجارية الفوضوية، ولا تقوم على أي مبادئ. كانت صورته العامة انعكاسا مثاليا لكل شيء موجود في شركاته.

وكمقدم للنسخة الأميركية من برنامج “ذي أبرنتيس″، أصبح هذا الوريث المدلل لثروة عملاقة واجهة للمشاريع والحراك الاجتماعي على حد سواء. خلال الانتخابات الرئاسية، ألهت شخصيته الصاخبة الناس عن فراغه الفكري المختفي وراء القناع، فراغ يملأه الآن ممثلو رأس المال العالمي.

وقال جورج مونيبوت “قد يسكن المشاهير حياتك، لكنهم ليسوا أصدقاءك. بغض النظر عن موروثهم، المشاهير هم جنود الاستغلال. لذا دعونا نعد جيراننا الفعليين إلى حياتنا، وندر ظهورنا لأولئك الذين ينتحلون شخصيتهم".

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر