الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

ثقافة القوة لمواجهة قوة الثقافة: الموضة في إيران تقود إلى السجن

  • بعد سنوات طويلة من العمل في الخفاء، وجد العاملون في مجال الموضة وقطاع الأزياء في إيران، في شبكات التواصل الاجتماعي، وأساسا إنستغرام، مجالا لعرض أعمالهم وممارسة نشاطهم بشكل علني إلى حد ما، غير أن شرطة الإنترنت، التي تعد جزءا من الحرس الثوري الإيراني، كانت لهم بالمرصاد، ومثلما تمنع عنهم ممارسة نشاطهم بحرية على أرض الواقع تلاحهم في العالم الافتراضي.

العرب  [نُشر في 2017/01/04، العدد: 10502، ص(12)]

إنستغرام منصة بديلة لتقديم عروض الأزياء

طهران- حكمت محكمة إيرانية، في شهر ديسمبر الماضي، على 12 إيرانيا يعملون في مجال الأزياء بالسجن لمدد تتراوح بين خمسة أشهر وست سنوات. وجاء في حيثيات الحكم أن هؤلاء متهمون بـ”ترويج الفساد عبر نشر صور فاحشة على الإنترنت، وتحريض المسلمين على الفساد من خلال عروض الأزياء، ونشر “ثقافة العري تقليدا للغرب”.

ولم يعد مثل هذا الحكم غريبا بالنسبة إلى الإيرانيين، حيث شنت أذرع النظام خلال العام الماضي حملة موسعة على وسائل التواصل الاجتماعي واعتقلت عارضات وعارضي أزياء ومصورين وفناني مكياج، ومصممين، شاركوا في عروض على الإنترنت. وتأتي هذه الحملة على خلفية تحذير للمرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي من خطر الحرب الناعمة الغربية.

وجاء إعلان الحرب ضد كل أشكال الثقافة الغربية في أعقاب موجة من الابتهاج بتوقيع الاتفاق النووي بين إيران والقوى الغربية، حيث توقع الإيرانيون أن رياح التغيير والانفتاح على العالم ستطرق أبوابهم أخيرا؛ لكن جاءت هذه التحركات لتأد هذه الأحلام. وكشف تحقيق للحملة الدولية من أجل حقوق الإنسان في إيران أن الهجمة على القطاع مستمرة، وتتم بقيادة أجهزة استخبارات الحرس الثوري الإيراني، بالتنسيق مع السلطة القضائية في إيران، وذلك في أعقاب المرسوم الذي أصدره المرشد الأعلى علي خامنئي ضد كل أشكال الثقافة الغربية.

اتساع حملة القمع

وسائل التواصل الاجتماعي تجعل مهمة الدولة لقمع الاتجاهات الثقافية الجديدة خاصة بين الشباب أكثر صعوبة

بالإضافة إلى طهران، تم استهداف شركات الأزياء والمهنيين في مدن مشهد، قزوين، أراك وزاهدان من طرف أجهزة استخبارات الحرس الثوري. وقد أصدر جيش روح الله في المحافظات الوسطى بيانا يوم 18 أكتوبر الماضي أعلن من خلاله استدعاء 41 شخصا على علاقة بقطاع صناعة الأزياء في مدينة أراك. وتم إلقاء القبض على 24 من الذين تم استدعاؤهم وإغلاق 9 ورشات، وأستديوهات وصالونات تجميل نسائية.

وقبل يومين، في 16 أكتوبر عام 2016، اعتقل الحرس الثوري 11 شخصا وأغلقت 3 شركات أزياء في زاهدان وسيستان من مقاطعة بلوشستان. في قزوين، أكد المدعي العام المحلي، صادق نيراكي، اعتقال العشرات من الأشخاص من “شبكة عروض الأزياء” في 14 نوفمبر الماضي. وقال “بالإضافة إلى الأشخاص الذين ألقي عليهم القبض، تم استدعاء آخرين، وأغلقت سبعة أماكن عمل بما في ذلك الورشات وكذلك أستوديوهات الصور والأفلام، وتمت مصادرة أجهزة الكمبيوترات والكاميرات وأجهزة الكمبيوترات المحمولة، ومعدات الإضاءة والأجهزة الإلكترونية الأخرى”.

وقال مصدر من القطاع، في تصريح لموقع الحملة الدولية من أجل حقوق الإنسان في إيران، متحدثا عن أربعة من زملائهم الذين تم استدعاؤهم في نوفمبر 2016 للرد على أسئلة حول مزاعم بارتكابهم أنشطة “لا أخلاقية”، “بعد أن تم تجميعهم، طلبت منهم السلطات الدخول إلى صفحاتهم على إنستغرام وحذف حساباتهم”. وأضاف أن “السلطات حددت بعض الأشخاص كأهداف محتملة من خلال النظر في قائمة متابعي المعتقلين على إنستغرام”.

وأضافت إحدى المصممات “من الصعب تقدير عدد الذين تم استدعاؤهم ومضايقتهم من طرف الحرس الثوري، لأن ذلك يعتبر أمرا سيئا لرجال الأعمال والمصممين الذين يخشون فقدان زبائنهم. ولا أحد يتحدث عن هذه المضايقات سوى عدد قليل. ربما يخبرون أصدقاءهم بأن السلطات اتصلت بهم، وهم حريصون على ألا تتم محاصرتهم. وربما تكون الطريقة الوحيدة التي يمكنك من خلالها معرفة أن أحدهم تعرض إلى خطب ما، هو حدوث تغير مفاجئ في صفحته على إنستغرام”.

وأعلن المتحدث باسم محكمة طهران للجرائم الإلكترونية، جواد بابائي، أن “20 بالمئة ممّا ينشره الإيرانيون على تطبيق إنستغرام تديره شبكات لعرض الأزياء”. وللعمل بشكل قانوني في صناعة الأزياء في إيران، يحتاج الناس إلى الحصول على تصريح بما في ذلك في مجالات التصوير والتصميم وتصفيف الشعر. وتنظم هذا القطاع قوانين متخصصة ومنظمات يجب أن يكون أعضاؤها حذرين لا سيما بشأن الأنشطة التي يمكن أن تُفسر على أنها معادية للإسلام أو أنها غربية.

تحقيق للحملة الدولية من أجل حقوق الإنسان في إيران يكشف أن الهجمة على القطاع مستمرة، وتتم بقيادة أجهزة استخبارات الحرس الثوري الإيراني

منحت الإنترنت، التي تم تصفيتها بشكل دقيق من طرف السلطات الحكومية، للعاملين في القطاع متنفسا لهم. وأطلق العديد من العاملين في القطاع صفحات على إنستغرام، التي تعد واحدة من بين عدد قليل من المنصات الغربية المسموح باستخدامها في إيران. لكن، مع ذلك، تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي مجالا محفوفا بالمخاطر لأنها مراقبة باستمرار من طرف السلطات. وأجبرت الضغوط والقيود المتزايدة العديد من الناس على ترك صناعة الأزياء أو الهجرة لممارسة مهنتهم بحرية. وقال مصور الأزياء الإيراني، كوروش سوتوداه، إنه قبل أن ينتقل إلى مدينة نيويورك، كانت أكبر مشكلة تواجه عمله في إيران تتمثل في غياب معايير قانونية واضحة.

حرب ثقافية

في مايو عام 2016 نشرت الحملة الدولية من أجل حقوق الإنسان في إيران تقريرا عن استهداف الحرس الثوري لصناعة الأزياء، تحدث عن عمليات الإغلاق القسري للصالونات واستوديوهات الأزياء وتواصل حذف الصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي، وكشف عمليات الاعتقال واسعة النطاق. ووصفت هذه الممارسات بأنها معركة ثقافية كبرى بدأها الحرس الثوري والسلطة القضائية بتوجيهات من خامنئي بهدف السيطرة على خيارات نمط حياة الشعب.

منذ ثورة عام 1979، ركزت الجمهورية الإسلامية على جعل الناس يتفقون حول تفسيرات صارمة للمبادئ الإسلامية. ومن الأمثلة على ذلك فرض ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، وفصل الرجال والنساء في الأماكن العامة، وتقييد العلاقات بين الجنسين بالإطار العائلي أو الزواج، ومنع صناعة الأزياء التي يمكن أن تفسر على أنها معارضة لتفسير إيران للإسلام. ولكن مع تعبير الملايين من الإيرانيين عن أنفسهم من خلال تبادل المحتوى عبر الإنترنت في ما بينهم، ومع مختلف سكان العالم، بدأت سيطرة الدولة تتضاءل.

وجعلت الإنترنت مهمة الدولة لقمع الاتجاهات الثقافية الجديدة، وبخاصة بين الشباب، أكثر صعوبة؛ حيث يتعرض أعداد متزايدة من الإيرانيين الذين يستخدمون الإنترنت بشكل يومي إلى أفكار وخيارات لأسلوب الحياة تختلف عن المفاهيم التي تفرضها الدولة. وقد عكست تصريحات للمرشد الأعلى، في يونيو عام 2016، قلق رجال السلطة في إيران من هذا الخطر، القادم من الغرب، وغير القادرين على احتوائه.

الضغوط المتزايدة أجبرت العديد من الناس على ترك صناعة الأزياء أو الهجرة لممارسة مهنتهم بحرية

وجاءت في تصريحات خامنئي أن “الاستقلال الثقافي يعني أننا يجب أن نختار العيش بأسلوب حياة إيراني-إسلامي. واليوم، يعمل الغرب على خلق أجهزة جديدة من أجل الهيمنة على الثقافات الأخرى”. وبعد أقل من شهرين من ذلك التصريح، قال خامنئي لمجموعة من قادة الحرس الثوري، في سبتمبر 2016 إن “التأثيرات الثقافية والسياسية الخارجية تعد أكثر خطورة من القضايا الاقتصادية والأمنية”.

وتم إلقاء القبض على أربعة صحافيين وهم عيسى سهرخيز وأفرين شيتساز وإحسان مازندراني وسامان سافرزاي، إلى جانب داود السعدي، وهو مدير تسويق، بزعم أنهم جزء من مؤامرة تحريضية خارجية تهدف إلى نشر دعاية معادية لإيران. قامت وحدة جرائم الإنترنت التابعة للحرس الثوري بعمليات “مداهمة” إلكترونية واعتقال ميدانية لعاملين في قطاع صناعة الأزياء، مستعينة ببنرامج تعقب لمراقبة أنشطة تلك الشبكات وتحديد المشتبه بهم يدعى “عنكبوت”.

وقال عباس جعفري أبادي، المدعي العام في طهران في 15 مايو 2016، “خلال العامين الماضيين قمنا بعمل جيد عبر عمليات العنكبوت 1 و2 التي تنفذها وحدة جرائم الإنترنت لمحاربة صالونات التجميل وبيوت الأزياء المشاركة في أنشطة عروض الأزياء”. وأضاف المسؤول الإيراني مبررا هذه الحملات إنه “العدو يحاول اختراق عقول الشباب في الساحات الثقافية والاجتماعية من خلال الحوافز الجنسية والمالية. ولذلك، علينا أن نجد حلولا مناسبة لهذه التهديدات عبر الإنترنت”.

ووفقا لمخصصات الموازنة العامة للدولة، خلال السنة الإيرانية 1395 (التي تنتهي في 20 مارس 2017)، تم تخصيص 87 في المئة من إجمالي ستة تريليونات تومان (1.87 مليار دولار أميركي) موجهة للشؤون الثقافية لفائدة المنظمات الدينية والثقافية المسؤولة فقط عن تنفيذ حرب المرشد الأعلى ضد كل المؤامرات الثقافية الغربية المفترضة. وتم تخصيص 13 في المئة المتبقية لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، والتي يشرف عليها وزير عينه الرئيس حسن روحاني، والذي كثيرا ما توجه له أصابع الاتهام بعدم القيام بما يكفي لمقاومة تلك المؤامرات.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر