الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

96 عاما على تأسيس الجيش العراقي.. راية الطائفة تسبق علم الوطن

  • مع دخول القوات الأميركية والتحالف الدولي للعراق، في 9 أبريل 2003، أصدر الحاكم المدني للعراق، بول بريمر، قراره بحل الجيش الوطني العراقي، لأنه كان يعلم أن في استمرار المؤسسة العسكرية هزيمة أكيدة للأميركيين، مهما طالت الحرب. وفعلا كان حلّ الجيش الضربة القاصمة التي حلّت أبواب العراق أمام الأميركيين والإرهاب وإيران. ولم يبق من ذلك الجيش سوى ذكرى تأسيسه التي تمر عليها اليوم 96 سنة؛ عاش جيش العراق 82 سنة منها جيشا وطنيا موحدا ولاؤه إلا للوطن، أما الجيش الذي تكون على أنقاضه، فهو جيش طائفي بامتياز، يرفع في معاركه راية المذهب قبل راية الوطن، وهو جيش قال عنه الناطق العسكري باسم الجيش العراقي السابق الباحث الاستراتيجي اللواء الركن الدكتور حازم عبدالقهار الراوي، في حوار مع “العرب”، إنه لا يشبه الجيش الوطني العراقي السابق في شيء.

العرب سلام الشماع [نُشر في 2017/01/06، العدد: 10504، ص(12)]

الجندي المجهول رمز عراقي شيد أثناء الحرب مع إيران بتصميم الفنان الراحل خالد الرحال

عمان- يستحضر العراقيون اليوم الذكرى السادسة والتسعين لتأسيس جيش العراق قبل عام 2003، متفقين على أن الجيش، الذي انتهى فعليا يوم 9 أبريل 2003، كان كمؤسسة وطنية ذات هيبة لا مثيل لها، حتى وإن اختلف بعضهم مع قائده الأعلى. يحيي العراقيون هذه الذكرى وهم ينظرون اليوم إلى الجيش العراقي الحالي على أنه ظلّ مشوه لما كان عليه سابقا، تنخره الطائفية ويضعفه الفساد وغياب الحس الوطني الجامع.

ويعتبر الناطق العسكري باسم الجيش العراقي السابق الباحث الاستراتيجي اللواء الركن الدكتور حازم عبدالقهار الراوي أن الأمر الإيجابي الوحيد في الجيش العراقي الحالي احتفاله بيوم تأسيس الجيش في 6 يناير 1921، وما عدا ذلك فإنه لا يشبه الجيش الوطني العراقي السابق في شيء. وقال اللواء الركن حازم عبدالقهار الراوي، لـ”العرب”، متحدثا عن الجيش العراقي في ذكرى تأسيسه، “إن الجيش العراقي تأسّس في ظل الاحتلال البريطاني في العام 1921 ولكنه لم يرضخ لإرادة المحتل وكان في طليعة مقاوميه في ثورتي مارس 1941 ويوليو 1958 مقدما شهداء كثيرين خلال تلك المقاومة وظلّ متماسكا طوال تاريخه حتى حله الاحتلال الأميركي في العام 2003 وأحل محله جيشا جديدا بطبيعة أخرى بعيدة عن طبيعته”.

الحرب العراقية الإيرانية أنتجت مليون مقاتل عراقي مدربين ومجربين يتحلون بروح معنوية عالية شكلت من وجهة نظر إسرائيل خطرا حقيقيا على تواجد كيانها

وأضاف الراوي أن الولاء في الجيش العراقي كان للمؤسسة العسكرية التي هي مؤسسة الوطن الكبرى وسياجه المتين وتاج الشعب، المعبرة عن تطلعاته، مشيرا إلى أن قواعد الاشتباك في القوات المسلحة لم تكن تعتمد أساليب الشرطة وقوات الأمن الداخلي، فلكل مهمته. فالقوات المسلحة تنفتح على الحدود ومعسكراتها خارج المدن، واصفا الجيش الحالي بأنه تحول إلى قوات شرطة باستخدامه الهراوات وخراطيم المياه والغازات المسيلة للدموع.

وأكد أن بناء الجيش الحالي خالف جميع المرتكزات والمعايير التي تبنى بموجبها جيوش العالم، فأصبح جيشا طائفيا، لا يمتلك عقيدة عسكرية ولا انتماء وولاء للوطن، مما لا يصلح معه أن يكون نموذجا للوحدة الوطنية. وهو يفتقد الانضباط والكفاءة والروح المعنوية والقيادة والسيطرة والحيادية. وأشار إلى أن الجيش العراقي على امتداد تاريخه كان ينتهج عقيدة وطنية وقومية ترفض احتلال أي شبر من الوطن وتحثه على الدفاع عن الأمة أينما اقتضى الواجب القومي، كما في حروب 1948 و1967 و1973 في فلسطين، ولو أسقطنا هذا المعيار على الجيش الحالي لظهر أن عقيدته طائفية بامتياز.

حرب الخليج الأولى

تطرق اللواء الركن حازم الراوي إلى حرب الخليج الأولى، (الحرب العراقية الإيرانية)، وقال إن المرشد الأعلى في إيران آية الله الخميني كان يعد لغزو العراق ودول عربية أخرى. واستطاع الجيش العراقي صدّ هجمات الجيش الإيراني والحرس الثوري على مدى ثماني سنوات. ودخل إلى عمق الأراضي الإيرانية حتى وصل إلى مشارف كرمنشاه. وسيطر على مدينتي المحمرة وعبادان والكثير من مدن عربستان التي تقع في إقليم الأحواز. واستولى على المعسكرات الإيرانية في المناطق التي سيطر عليها وغنم أسلحتها من دبابات ومدرعات…، مكونا أسطولا جديدا من الدبابات الإيرانية من نوع جيفتاين بريطانية الصنع، حيث بلغت في نهاية الحرب قرابة الـ700 دبابة من النوع المذكور.

استمرت هذه الحرب من سبتمبر 1980 إلى أغسطس 1988، وشهدت تطبيقا حيا للإستراتيجية العسكرية العراقية المعتمدة على عقيدة الدفاع التعرضي. فبعد أن تمكنت إيران من احتلال مناطق واسعة وشاسعة ومهمة من الأراضي العراقية الحدودية مثل مثلث الفاو ومنطقة الشلامجة وجزر مجنون النفطية ومنطقة الزبيدات ومناطق أخرى في القاطعين الأوسط والجنوبي من جبهات القتال، أعد العراق خطة عسكرية تعرضية طموحة كانت من أفضل ما شهدته الإستراتيجية العسكرية العراقية من تطبيق لمبادئ الحرب وخاصة مبادئ المباغتة والتحشيد والشؤون الإدارية وغيرها ليبدأ تنفيذها في السابع عشر من أبريل عام 1988 بالهجوم على القوات الإيرانية.

اللواء الركن حازم الراوي: إيران تعيش أسوأ أحوالها، فالنظريات تؤكد أن القوة الموجودة في المركز يمكن تنميتها ولكنها تتعرض للاضمحلال إذا ابتعدت عن المركز

واستطاعت القوات العراقية تحقيق نصر عسكري سريع ومباغت خلال ساعات لم تتجاوز الست والثلاثين ساعة وليس أياما، ثم توالت العمليات التعرضية العراقية في المناطق الأخرى المحتلة الكائنة شمالا، حتى استعيدت كل الأراضي العراقية المحتلة بعد أن أوقعت القوات العراقية خسائر هائلة في صفوف وأسلحة ومعدات وتجهيزات القوات الإيرانية والتي فرضت على الحرب أن تضع أوزارها بالنصر العراقي بعد إعلان إيران الموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي 598 ليعلن رسميا بتاريخ 8 أغسطس 1988 عن النصر العراقي المؤزر.

وكشف الناطق العسكري باسم الجيش العراقي قبل الاحتلال عن أن الحرب العراقية الإيرانية أنتجت مليون مقاتل عراقي مدربين ومجربين يتحلون بروح معنوية عالية شكلت من وجهة نظر إسرائيل خطرا حقيقيا عليها. وأدت ريبة الإسرائيليين من المتغير الجديد إلى الانتقال إلى مرحلة تسريع استهداف العراق. وروّجت أجهزة المخابرات الإسرائيلية أن قادة الحرس الجمهوري وضباطه استطلعوا الحدود الأردنية الإسرائيلية بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية مباشرة، مما أدى إلى شعور إسرائيل بأن العقيدة العسكرية التعرضية ربما تكون قد تبنت التدريب لاقتحام المستوطنات الإسرائيلية والتحصينات الأخرى ثم الاندفاع إلى العمق على قاعدة تحرير فلسطين التي تؤمن بها القيادة السياسية العراقية إيمانا راسخا.

ورجح أن الموساد الإسرائيلي اعتمد على هذه الأطروحات ليبدأ في عملية ضغط سياسي وإعلامي واسعة النطاق ضد العراق وقيادته من خلال التركيز على امتلاكه أسلحة الدمار الشامل. وأوضح أن الموقف الكويتي تمثل بالتسارع في إشعال فتيل الأزمة الحدودية والمطالبة بترسيم الحدود، فضلا عن المطالبة بتسديد الديون المالية المترتبة على العراق بالرغم من الوضع المالي الصعب الذي كان يمر به بعد خروجه من الحرب، وكذلك المباشرة بسحب النفط العراقي من حقول الرميلة العراقية في عملية استفزازية واقتصادية مثيرة وخانقة ضمن مرحلة العدوان الاقتصادي التي تبنتها الكويت، بالإضافة إلى إغراق السوق الدولية بالنفط بهدف إيصال سعر البرميل الواحد إلى 12 دولارا فقط، مما سبب خسارة كبيرة للعراق وصلت إلى 7 مليارات دولار سنويا.

وأشار اللواء الركن حازم الراوي إلى أن التكنولوجيا العلمية المتطورة والاقتصاد العراقي المتين، رغم ظروف الحرب والتأثير السياسي الإقليمي والدولي، كانا من العناصر التي فرضت على الأميركيين والإسرائيليين القرار بضرب العراق وتحطيم بناه الارتكازية ضمن إطار الخطة الإستراتيجية بعيدة المدى لاحتلاله، مؤكدا أن ضرب المفاعل النووي العراقي في السابع من يونيو عام 1981 لم يكن إلا تطبيقا لهذه الإستراتيجية. وكان العراق قد تمكن من تطوير القاعدة العلمية الصناعية التكنولوجية ووصل إلى ناصية العلم بعد أن أطلق صاروخ العابد عام 1989 الذي اخترق حاجز الغلاف الجوي والذي صمم ليحمل القمر الصناعي العراقي، مما قد أذهل الجميع وأسهم في التفكير بتسريع تدمير العراق.

هزيمة الجيش العراقي

رفض اللواء الركن حازم الراوي القول إن الجيش العراقي هزم في العام 2003، وقال “إن الواقع كان معروفا، لم يكن لديك خيار آخر، والأميركيون قادمون لا محالة، والأمور تقاس بنتائجها. فالجندي العراقي الذي خلع بدلته العسكرية يوم 9 أبريل 2003، ارتدى زيه المدني وحمل معه سلاحه واستهدف دبابات المحتلين وقواتهم”. وأكد أن المقاومة العراقية، رغم أنها يتيمة، ولم تسند إعلاميا وماليا، إلا أنها تمكنت من إلحاق الهزيمة بالأميركيين.

الجيش العراقياستطاعصدّ هجمات الجيش الإيراني والحرس الثوري على مدى ثماني سنوات. ودخل إلى عمق الأراضي الإيرانية حتى وصل إلى مشارف كرمنشاه

وتوقع اللواء الركن حازم الراوي، الذي صدرت له مؤلفات عديدة في الفكر العسكري منها “الصراع النووي”، و”الشخصية العسكرية القيادية”، و”جوهر أفكار الحرب عند العرب”، و”البناء المعنوي والقيادي للأمة”، و”القنفذ.. قصة البرنامج النووي الإسرائيلي” وغيرها، أن العام الحالي 2017 لن يكون عام إيران التي تعيش أسوأ أحوالها الآن، مستندا إلى أن جميع نظريات التاريخ تؤكد أن القوة الموجودة في المركز يمكن تنميتها، ولكنها تتعرض للاضمحلال إذا ابتعدت عن المركز.

وأوضح أن إيران لديها مشروع قومي لإنشاء إمبراطورية كبرى تحارب من أجله في العراق واليمن وسوريا ولبنان وغيرها، مما يعني تحللها في الداخل الذي يتكون من أربع قوميات وليست أقليات تطالب كلها بالاستقلال، وكلها تمتلك قوات مناهضة لولاية الفقيه عسكريا وعقائديا، وهذا يشير إلى وجود تصدع كبير في الداخل الإيراني الذي يعاني، بالإضافة إلى ذلك، من تجاذبات سياسية خطرة بين الإصلاحيين والمحافظين.

وتوقع الراوي أن تشهد الانتخابات الإيرانية المقبلة في الخامس من مايو المقبل صراعات أخطر من تلك التي شهدتها الانتخابات السابقة، يضاف إلى ذلك كله وجود منظمة مجاهدي خلق التي تتزعمها مريم رجوي والتي تمكنت من إنشاء علاقات وطيدة مع الدول الأوروبية، فاضحة الأساليب القهرية التي يتبعها النظام الإيراني بوثائق عرضتها على العالم.

وأشار إلى أن هناك سببا آخر سيجعل إيران تنكفئ إلى الداخل هو تولي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، دفة الحكم في الولايات المتحدة الأميركية، مبينا أن ترامب وفريقه يصفون إيران بأنها منبع الإرهاب العالمي، وانطلقت تصريحات من مستشار الأمن القومي الجديد ووزير الدفاع ومستشاره تؤكد وجوب إيقاف المد الإيراني في الشرق الأوسط.

كاتب عراقي

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر