الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

ادخار الغرباء يغني المصريين عن الاستدانة لإتمام أفراحهم

  • حس تضامني كبير وهدايا توزع خلال حفلات لأفراد عائلات مصرية بمشاركة غرباء يؤمنون بأن العطاء اليوم يأتي بالخير غدا، حيث ظهرت مؤخرا جمعيات خيرية تساعد كل من يرغب في إقامة عيد ميلاد أو زفاف في مصر بالادخار على الطريقة التقليدية بعيدا عن مصاعب ومشكلات البنوك.

العرب  [نُشر في 2017/01/09، العدد: 10507، ص(24)]

عادات قديمة تعزز روح التضامن وتعيد الابتسامة للمصريين

القاهرة- تتمايل راقصات على إيقاع موسيقى مصرية شعبية صاخبة على مسرع خشبي في الهواء الطلق، فيما يعلن حسن العجمي عبر مكبر الصوت أن أحد المدعوين دفع خمسة آلاف جنيه كهدية في حفل عيد ميلاد طفلة صغيرة. ولا يعرف مقدم الهدية حتما صاحبة العيد أو أهلها، لكنه يدفع اليوم ما سيحصده غدا في مناسبة اجتماعية خاصة به.

ولا يتخلى العجمي عن الميكروفون، هو الوسيط الذي يجمع أشخاصا لا يعرفون بعضهم البعض يدفعون مبالغ مالية أو “النقوط” في أفراح أو حفلات أعياد ميلاد صاخبة يشاركون بها. ويوضح العجمي “كل مشارك يدفع مبلغا معينا في أكثر من حفل حتى يأتي دوره ويقيم حفله فيجمع كل ما دفع مرة واحدة. هكذا تدور الجمعية”. وباتت أفراح الجمعيات أمرا شائعا في مصر بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد. وينشغل مساعدو العجمي بعدّ النقود وكتابة أسماء دافعيها عليها ثم التدوين في كراسة صفراء صغيرة.

ويقول العجمي “نحن نحدد مواعيد أفراح للناس. لكل واحد موعد؛ عيد ميلاد أو عرس أو ختان، ويأتي الناس للتنقيط”، فيسترد دفعة واحدة ما سبق أن سدده على دفعات. ويدير العجمي 70 جمعية في القاهرة و3 محافظات في دلتا النيل. وتتراوح المبالغ التي يدفعها المشاركون ما بين 250 جنيها (12.5 دولارا) و2500 جنيه (125 دولارا). في بلدة أبوالغيط الصغيرة في محافظة القليوبية (قرابة 35 كيلومترا شمال القاهرة)، تستقدم الطفلة التي تحتفل بعيد ميلادها إلى المسرح والدها وغيره من المدعوين لإطفاء شموع كعكة عيد ميلادها، في خطوة لم تكترث بها الغالبية العظمى من الحضور.

غالبا ما يكون الهدف من الجمعية مساعدة الشخص الذي سيحصل على المال على الوفـاء بالتزام هام أو تمويل حاجة ملحة

ويتواجد في العيد المئات من المدعوين الذين يرتدي معظمهم الجلابيب الشعبية. ويقام العيد في خيمة كبيرة وسط حقل زراعي، مضاءة بالمئات من المصابيح، بينما امتدت فوق الرؤوس سحابة بيضاء كبيرة ناتجة عن دخان السجائر والنرجيلة. بعد منتصف الليل، بقيت الموسيقى الصاخبة تصدح في المكان الريفي الذي استلزم الوصول إليه عبور أزقة وشوارع ضيقة غير ممهدة تنتشر فيها منازل صغيرة من طابقين أو ثلاثة على أقصى تقدير.

وتنتشر في مصر جمعيات بين أشخاص يعرفون بعضهم البعض، يدفع كل منهم مبلغا محددا شهريا ويحصل على هذه المبالغ شخص واحد منهم كل شهر، وهو شكل من أشكال التضامن الاجتماعي المعروف والمنتشر في مصر منذ عقود. وغالبا ما يكون الهدف من الجمعية مساعدة الشخص الذي سيحصل على المال على الوفـاء بالتزام هام أو تمويل حاجة ملحة. إلا أن “جمعيات الأفراح” مختلفة، إذ يشارك فيها أشخاص كثر لا يعرفون بعضهم البعض، والحفلات هي العنصر الرئيسي الذي يجمعهم.

وتحيي الحفلات فرق موسيقية وراقصات ومطربون شعبيون لجذب أكبر عدد ممكن من المشاركين، وهي مرهونة بإدارة شخص مثل العجمي يسجل بدقة كم يدفع كل شخص بالضبط وبالتالي يوجه زبائنه إلى حفلات مناسبة لما يدفعونه. ويصف المحلل الاقتصادي وائل جمال هذه الجمعيات بأنها إحدى “آليات التمويل الشعبي التضامني”. وهي تقوم في الواقع مقام البنوك في هذه الأوساط الشعبية.

ويقول “في كل الدول عندما لا تكون هناك ثقة في نظام البنوك أو بسبب ارتفاع كلفة الاقتراض، يلجأ الناس إلى وسائل تضامنية لمساعدة بعضهم البعض على العيش”. وقد يكلف الحفل الواحد 50 ألف جنيه (2500 دولار)، لكن صاحب الحفل قد يجني أموالا تصل إلى 200 ألف جنيه (10 آلاف دولار)، بحسب العجمي الذي شدد على أن “كل شخص يجمع في حدود ما سبق دفعه”.

ويشارك الجزار الثلاثيني مجدي رجب في حفل عيد الميلاد، رغم أنه لا يعرف الطفلة أو أيا من أفراد أسرتها. ويقول “جئت لأدفع النقوط. سأظل أدفع لمدة سنة حتى أقيم حفلي وأحصل على فلوسي”. ويضيف أنه سيستثمر أمواله المحصلة في “شراء عربة نقل أو إقامة مشروع لتحسين الدخل. الجمعية تساعد كثيرا في هذه الظروف الصعبة”.

وفي مدينة شما بمحافظة المنوفية في دلتا النيل، حيث انتشرت ظاهرة أفراح الجمعيات، أقام التاجر وليد أبوسارة حفل زفاف أخيه ليتمكن من جمع أموال دفعها على مدى شهور عديدة فائتة. وعلى المسرح الخشبي، كان العريس وعروسه يتلقيان التهاني من بعض المدعوين، بينما جلس معظم الحاضرين على الأرض حول طاولات مذهبة يتناولون الشاي المقدم في أباريق زرقاء والقهوة وبعض المحمصات كالفول السوداني. كذلك قُدّمت قوارير البيرة المحلية التي لا يتوقف الطلب عليها ولو دقيقة واحدة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر