الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الأنبا موسى راهب يعمل إطفائيا للحرائق داخل الكنيسة المصرية

الأسقف 'التوافقي' يتمتع بشهرة واسعة داخل المجتمع سواء بين المسلمين أو المسيحيين، ويصفونه بأنه 'الأب الروحي' للجميع، وتطغى وطنيته وحبه لمصر على أي حسابات أخرى.

العرب  شيرين الديداموني [نُشر في 2017/03/12، العدد: 10569، ص(8)]

المرشح السابق لكرسي البابوية الزاهد في المناصب

القاهرة - في ظل وجود أساقفة عديدين يمثلون صقور الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، مثل الأنبا مكاريوس والأنبا بيشوي، أخذ الأنبا موسى، أسقف عام الشباب بالكنيسة، يظهر ممثلا عن “الحمائم”. فهو الأسقف “التوافقي”، الذي يعدّل كفة الميزان، ويعبّر عن تيار الاعتدال بكل ما تحمله الكلمة من معان. لذلك يحب الأقباط أن يصفوه دائما، بأنه رجل إطفاء الحرائق، لأنه يتميز بالحنكة والدبلوماسية الواسعتين في التعامل مع كل المشكلات، خاصة الطائفية منها.

قلّما تجد في مصر شخصا يحظى بالإجماع من الجميع، ومن كل التيارات والاتجاهات، ويحصد العديد من الألقاب الطيّبة، مثل الأنبا موسى، الذي يتمتع بشهرة واسعة داخل المجتمع، سواء بين المسلمين أو المسيحيين، ويصفونه بأنه “الأب الروحي” للجميع، وتطغى وطنيته وحبه لمصر على أي حسابات أخرى.

لم يأت هذا من فراغ. إذ أن صفات الرجل تستدعي عناوين فرعية كثيرة، ويمتلك حِسّا مُرهفا وعلما دينيا عميقا، صقلهما بوعي إنساني وتواصل اجتماعي لا يختلف عليه اثنان، ولم ينتقده أحد على مدار تاريخه، كما لم يمتعض مسؤول من أي رأي نطق به، فهو الأسقف الوحيد في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الذي لم يثر حوله أي نوع من المشكلات على مدار تاريخه الكنسي.

الحقائق الدينية والهدوء

لعل ما ساهم في مكانة الأنبا موسى، عدم انتمائه لأي تكتلات داخل الكنيسة، فهو رجل دين معتدل غير محسوب على تيار ضد آخر، وجعلته “لاهوتيته” يجيد تقديم الحقائق الدينية من خلال عظات للشباب تنساب في هدوء وتدفق، وأفكار يكمّل كل منها الآخر.

ولأكثر من 35 عاما، ظل موسى يضع الوطن والكنيسة في قلب الشباب القبطي، بعد أن تولى مسؤولية خدمة أسقفية الشباب، كأول أسقف في تاريخ الكنيسة المصرية يُكلّف بهذه المهمة، واستطاعت الأسقفية في عهده أن تمد خدماتها إلى خارج مصر، وتعمل على ربط الأقباط بوطنهم.

تعامل الأنبا موسى مع نيران الطائفية، برزانة عهدها الجميع فيه، والكنيسة صدّرته دائما كهمزة الوصل بينها وبين مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية، لنزع فتيل الكثير من الأزمات وأحداث العنف الطائفي، ومن ثم استحق عن جدارة لقب “الأنبا التوافقي” المنفتح على جميع الأطياف المجتمعية.

أسقف الشباب لم يجنح أبدا إلى تيار “الاستقواء بالخارج” لمعالجة المشكلات القبطية، وليست له علاقات خارجية رغم سفرياته الكثيرة إلى الخارج، ورغم شعبيته الطاغية داخل أقباط المهجر، وكان حريصا على معالجة الأزمات الطائفية في إطار مصري خالص بعيدا عن التدخلات الخارجية، التي يرى أنها تزيد من تعقيد تلك الأزمات وليس حلها.

صوت العقل

لم يوظف الأسقف البشوش إميل عزيز جرجس، الذي أصبح اسمه الأنبا موسى بعد دخوله الخدمة الكنسية عام 1976، ثم رسامته أسقفا عامّا للشباب في عام 1980 – شعبيته والألقاب التي تميز بها عن غيره من الأساقفة في خطف الأضواء أو تحقيق الشهرة كما فعل غيره، وفرّغ حياته للخدمة الدينية، وترفّع عن المناصب وصراعاتها ومغرياتها.

تصدره الكنيسة كهمزة الوصل بينها وبين مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية لنزع فتيل الكثير من الأزمات وأحداث العنف الطائفي. ورغم شعبيته الطاغية بين أقباط المهجر إلا أنه يحرص على معالجة الأزمات في إطار مصري خالص بعيدا عن التدخلات الخارجية

كما لم يسع يوما وراء تكريم أو احتفاء، وهو الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الكرسي البطريركي، كخليفة للبابا شنودة الثالث بعد وفاته في عام 2012، حيث كان من أقوى المرشحين لهذا الكرسي، إذ أنه، من الناحية السياسية، كان يمكن أن يكون هو البابا التوافقي للكنيسة.

كانت شعبيته جارفة داخل المجتمع القبطي، ما جعله يحتل المرتبة الثانية في قائمة المرشحين للمنصب، بعد الأنبا باخوميوس، إلا أنه وبعد أن جمع الأساقفة توقيعات لتزكية ترشحه، آثر الانسحاب والابتعاد عن المنصب، مكتفيا بمنصبه ودوره الرعوي والخدمي في أسقفية الشباب.

عندما طلب منه البابا تواضروس الثاني، بابا الكنيسة الأرثوذكسية الحالي، تولي منصب المتحدث الإعلامي باسم الكنيسة الأرثوذكسية، باعتباره أكثر الأساقفة انفتاحا على كل التيارات داخل وخارج الكنيسة وله علاقات جيدة مع جميع الأطياف السياسية، رفض هذا المنصب أيضا، معتبرا أن دوره الحقيقي هو احتواء واحتضان الشباب، والعمل الرعوي الذي يراه أعلى المناصب.

أسقف الشباب كان ومازال يتجنب الخوض في غمار السياسة ودهاليزها وسمومها وألاعيبها، وكرس حياته لخدمة الشباب، من خلال العديد من اللجان التي ترأسها، مثل لجنة سكرتارية المجمع المقدس، ولجنة الرعاية والخدمة، ومساعد رئيس لجنة الإيمان والتعليم والتشريع.

في الكثير من أزمات العنف الطائفي التي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد أصوات منددة داخل الكنيسة بتراخي الدولة عن حماية الأقباط، والإدلاء بتصريحات صحافية أثارت الجدل، كان الأنبا موسي يمثل صوت العقل، فلم يدل بتصريحات إعلامية صاخبة أو منددة كما فعل البعض من القساوسة الآخرين، بل كان دائم الدعوة إلى الحوار الهادئ والبحث عن جذور الأزمات لعلاجها.

على سبيل المثال، عندما وقع هجوم إرهابي على الكنيسة البطرسية وسط القاهرة، في ديسمبر 2016، ومقتل 29 شخصا من النساء والأطفال، لم يتخذ أسقف الشباب مواقف عنترية أو صاخبة، لكنه أصيب بذبحة صدرية حزنا على هذا الحادث الأليم، استدعت سفره إلى بريطانيا لتركيب دعامات في قلبه الحنون الذي لم يحتمل ما فعله الإرهاب.

وكل ما فعله، أنه بعد أن تعافى قليلا، ذهب إلى أكثر من مكان للصلاة على أرواح شهداء الحادث، سواء في كنائس لندن، أو في مدينة برايتون جنوبا، وأعلن أن الإرهابيين الذين نفذوا حادث الكنيسة البطرسية سيتلقون عقابا إلهيا جزاء ما اقترفوه، لأن الله لا يظلم أحدا.

أسقف الشباب لم يجنح أبدا إلى تيار "الاستقواء بالخارج" لمعالجة المشكلات القبطية، وليست له علاقات خارجية رغم سفرياته الكثيرة

ومع أن رجل الدين المتسامح لم يكن له دور سياسي خلال رحلته التي تمتد لنحو أربعة عقود، إلا أنه اتخذ مواقف سياسية جريئة من الأحداث الكبرى التي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة، فعندما اندلعت ثورة 25 يناير في عام 2011، ورغم تردد الكنيسة في اتخاذ موقف واضح منها والاستمرار في تأييد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وهو ما جعلها محل انتقاد من الشباب القبطي الغاضب المشارك في الثورة، اتخذ أسقف الشباب موقفا جريئا، وقال لمبارك “أنت مستبد”.

ساند الحمائمي الرزين إذن ثورة 25 يناير، واعترف بالمطالب المشروعة للثوار في الكرامة والحرية قائلا “تحية لشباب مصر الأبرار، الذين كتبوا صفحات ناصعة البياض في تاريخ مصر الحديث، فكر مستنير، وقلب محب، وإرادة خيّرة، ومستقبل مشرق”.

قلب دير البراموس

شباب الكنيسة يداعبونه دائما بتسميته الأنبا موسى “الأبيض”، إشارة إلى بشرته البيضاء، وتمييزا له عن قديس آخر في الكنيسة القبطية اسمه “الأنبا موسى الأسود”، كان صاحب بشرة سمراء، كما أن الأبيض طلب الرهبنة في دير البراموس، بوادي النطرون، بمحافظة البحيرة (شمال مصر)، وهو نفس الدير الذي يعتبر موسى الأسود من آبائه العظام.

صفة “الأبيض” التي لازمته تجاوزت لون بشرته وامتدت إلى القلب والمشاعر والروح، فقلبه نقي، وابتسامته لا تفارق وجهه البشوش، ولم يُضبط يوما عابسا أو متجهما أو فظا غليظا ينهر أحدا وقف على بابه.

في عام 1960 تخرج موسى في كلية الطب، وهو ما انعكس على منهجه في التعامل مع قضايا الشباب ومشكلاتهم، وما إن تقترب منه حتى تستدفئ بتواصله الإنساني الراقي، ولذلك يطلقون عليه أيضا لقب “طبيب القلوب الشابة”، حيث كان الطبيب المعالج للهموم والمريح من الضغوط النفسية. وهو إلى جانب ذلك، “أبو الشباب”، رغم الفجوة العمرية والجيلية الكبيرة بينه وبينهم، حيث ولد في عام 1938 بمحافظة أسيوط، ويوشك على دخول السنة الثمانين من العمر، وكلما تقدمت به السن ازداد نشاطا وحيوية وشبابا.

لم يمنعه كبر سنه من الاقتراب من الجيل الجديد، ليعايش تحدياتهم، ويتخاطب معهم بلغتهم التي يفهمونها، ويعمل دائما على تحصينهم بالإيمان، وكلما ازدادت المخاطر حولهم نجده يدخل إلى قلايته (مكان للصلاة) ليصلي من أجلهم.

كان من الأساقفة القليلين الذين يتيحون رقم هاتفهم لجميع الشباب، وإذا أرسل إليه أحد رسالة، فإنه يحرص على الرد عليه فور استلامها، وهو يدير منظومة الشباب داخل الكنيسة بطريقة لا مركزية، معتمدا على مجموعة من الشباب يعاونونه، وكان حريصا على إقامة كاهن شاب بكل “إبرشية”.

ودفعت التداعيات السلبية للإنترنت على الشباب أسقف الشباب إلى أن يجعل عنوان مهرجان الكرازة المرقسية لعام 2017 “لاحظ نفسك وتعلم”، لمواجهة تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تنشرها، وتخلق التذبذب والقلق لدى البعض من الشباب.

كان حريصا على معالجة الأزمات الطائفية في إطار مصري خالص بعيدا عن التدخلات الخارجية، التي يرى أنها تزيد من تعقيد تلك الأزمات وليس حلها

في السنوات الأخيرة، لعب الأنبا موسى، دورا مهمّا في مواجهة ظاهرة أخذت في الاستفحال داخل أوساط الجيل الصاعد، وهي انتشار الإلحاد، حيث واجهها بالعلم والمنطق والمعرفة، عبر دورات مكثفة توضح مخاطر الإلحاد وتأثيراته الخطيرة على الشباب والمجتمع المصري ككل. وهو باستمرار يدعو إلى عدم وضع الدين في قوالب جامدة ينفر منها الشباب، لذلك ساهم في الربط بين الشباب المسيحي والشباب المسلم في لقاءات مشتركة على كافة المستويات، لنشر ثقافة التسامح والاعتدال والتعايش، ومن هنا أطلق عليه البعض صفة “حبيب الكل”، سواء في داخل مصر أو خارجها.

صراع مكتوم

شعبية الأنبا موسى الكبيرة وحب الشعب القبطي له والصفات النبيلة التي يتمتع بها، لم تكن مع ذلك حائط صد بينه وبين الصراعات المكتومة التي كانت تنال منه بين الحين والآخر، وكثيرا ما أوجدت تلك الصراعات “حزازيات” ومضايقات كثيرة له، ربما كنوع من الغيرة من جانب البعض من الأساقفة، وبالرغم من أن هذا كان يحزنه داخليا، إلا أنه كان يرفض التحدث عنه أو التعليق عليه.

يُحسب الأنبا موسى على الحرس القديم، وكان تلميذا نجيبا للبابا الراحل شنودة الثالث وأبرز المقربين منه، حيث أعطاه صلاحيات كاملة في ما يتعلق بأسقفية الشباب، ولم يكن يتدخل في تلك الصلاحيات رغم منصبه كبابا وراع للكنيسة، ولم يكن يتخذ قرارا بشأن الأسقفية إلا بعد الرجوع للأنبا موسى.

لكن التغيرات التي شهدتها الكنيسة بعد رحيل البابا شنودة عام 2012، تشي بأن هناك صراعا مكتوما بين أسقف الشباب والبابا تواضروس الثاني، فقد قام البابا تواضروس بتعيين أسقف مطرود من حي عزبة النخل (بالقاهرة) أسقفا عاما لشباب الإسكندرية دون مشاورة الأنبا موسى، أو استطلاع رأيه، وهكذا أصيب موسى بأزمة قلبية، بعد محادثة تليفونية مع البابا تواضروس، يستفسر فيها عن سبب هذا التعيين المفاجئ.

كان نقل الأنبا موسى إلى المستشفى للعلاج، بمثابة استفتاء من الأساقفة والمطارنة على قرار البابا، حيث شهدت غرفته بالمستشفى الذي يرقد فيه، حشودا كبيرة من أساقفة المجمع المقدس، جاؤوا لزيارته والاطمئنان على صحته، وهو ما مثّل رفضا ضمنيا لقرارات البابا ودعما لموقف الأنبا موسى.

تدخل كثيرون من أساقفة المجمع المقدس لاحتواء الأزمة بين البابا والأنبا موسى، لكن البابا رفض التراجع عن قراراته، فاستسلم الأنبا للواقع، وعندما اشتعلت نيران أخرى تحت الرماد، وقرر رهبان دير البراموس اتخاذ موقف تجاه سياسات البابا، وقاموا بزيارة الأنبا موسى للتنسيق معه وإعلان غضبهم على البابا، رفض بشدة اتخاذ أي موقف، وأعلن خضوعه الكلي لطاعة البابا، وعمله دائما تحت عباءته، فموسى رجل متسامح، يؤثر السلامة، ولا يريد الدخول في معارك من أي نوع، ويفوض أمره للسماء ولا يتكلم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر