الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

هاني رمضان حفيد حسن البنا يقود ثورة مضادة للتنوير في أوروبا

حفيد البنا هاني رمضان يروج لحكم بمرجعية القانون الإلهي لخدمة سلطة الإمام الديني المطلقة دون تسامح مع التداول والتعددية بعد أن قامت أوروبا بثورتها التنويرية.

العرب هشام النجار [نُشر في 2017/04/15، العدد: 10603، ص(12)]

هاني رمضان إخواني يحارب القارة العجوز بجنسيته السويسرية

القاهرة- طرد فرنسا للناشط والمحاضر الأصولي حفيد البنا ذي النزوع الإخواني هاني رمضان قبل أيام مغزاه أن فرنسا التي صدّرت إلى العالم الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطنة المستلهم من أفكار جان جاك روسو وبقية فلاسفة التنوير لن تقبل بغزو أصولي لفضائها الفكري ولن تقبل بعودة لتأويلات وعنف وطائفية وتهويمات العصور الوسطى ولن تقبل باحتقار المرأة بمزاعم تطبيق الشريعة.

قامت أوروبا بثورتها التنويرية التي نقلتها من عقلية القرون الوسطى الكهنوتية إلى عقلية العصور الحديثة وتم القضاء على التعصب الديني وخرجت من الطائفية الهمجية إلى مرحلة الحضارة والنهضة. لكنها الآن تشتكي نسخة جديدة من الأصولية المتزمتة التي تحارب القيم الإنسانية مستمدة من السلفية الإسلامية.

هاني رمضان شقيق طارق رمضان مدير المركز الإسلامي بجنيف وحفيد مؤسس جماعة الإخوان وابن الناشط الإخواني المثير للجدل سعيد رمضان تجرأ بعد قرون من ثورة أوروبا التحديثية التنويرية على العدوان على ميراث روسو وفولتير وديكارت في عقر دارهم متوهمًا أن يشغل أوروبا من جديد بإرث عقلية القرون الوسطى بنشر التأويلات المنغلقة المتشددة للدين الإسلامي.

فلاسفة ومفكرون فرنسيون معاصرون تحدثوا عن محاضرات وكتب ومقالات هاني البنا بسخط واندهاش بالغين، فكيف في قلب أوروبا وداخل أرقى مجتمعاتها تطرح تلك التأويلات المتخلفة للدين بعد أن تجاوزتها منذ زمن طويل بثورة فكرية وفلسفية أسست للقارة المتسامحة والليبرالية والمتفوقة في الصناعة والتكنولوجيا؟ وكيف تُلقى على سمع أوروبا من جديد تلك الأطروحات الطائفية التي دمرت الشعوب الأوروبية سابقًا وأدخلتها في حروب أهلية طاحنة؟

اتجاه الأسرة

والدا هاني البنا مصريان غير عاديين فوفاء البنا الابنة المفضلة لزعيم جماعة الإخوان ومؤسسها وسعيد رمضان الذي قابل إيزنهاور في البيت الأبيض ودعمته دول أوروبا في تحالفها مع الإسلام الأصولي ضد الشيوعية في خمسينات وستينات القرن الماضي حلما معًا بانتصار نموذج “الإسلام الشمولي” الذي صاغه البنا انطلاقًا من أوروبا.

حمل مسؤولية المشروع بعد وفاة الأب في منتصف التسعينات من القرن الماضي الشقيقان طارق رمضان وهاني رمضان، ويرى الأخير ضرورة التمسك بتصورات الجد بشأن علاقة الدين بالسياسة ويؤمن بأن الإسلام دين ودولة، ويرى أن جماعة الإخوان هي من تمتلك الرؤية الشاملة للإسلام حسب ما جاء في رسالة التعاليم للبنا، كما ورد بالأصل الأول من الأصول العشرين الذي تحدث عن الجماعة كرسالة سلفية ودعوة سنية وطريقة صوفية وهيئة سياسية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية ورابطة علمية وثقافية.

هاني البنا يناشد بأحقية جماعة الإخوان بالحكم ويدعوها لعدم ترك السلطة لغيرها لا على أساس امتلاكها كوادر وخبرات سياسية واقتصادية متميزة، لكن لأن الجماعة هي المعبرة عن الدين الذي شمل كل شيء في الحياة، ويتساءل بتسطيح ظاهر “أوضح لنا ديننا ما علينا فعله في حالة استدان أحدنا مبلغًا من آخر.. أليس هذا اقتصادًا؟ وأوضح أنه قبل دخول الحرب علينا إعداد العدة لها.. أليس هذا عسكرية؟”، زاعمًا بأن الرسول مات وفي المدينة فرد مسلم ومجتمع مسلم وجيش مسلم ودولة مسلمة، مستخلصًا من ذلك أن الحكم من الإسلام وأن الشريعة والإسلام لا يتجزآن.

فلاسفة ومفكرون فرنسيون معاصرون يتحدثون عن محاضرات وكتب ومقالات هاني البنا بسخط واندهاش بالغين، فكيف في قلب أوروبا وداخل أرقى مجتمعاتها تطرح تلك التأويلات المتخلفة للدين بعد أن تجاوزتها منذ زمن طويل بثورة فكرية وفلسفية أسست للقارة المتسامحة والليبرالية والمتفوقة في الصناعة والتكنولوجيا؟

ضد الحداثة

ازداد الطلب على ضرورة إطلاق ثورة تنويرية من داخل الإسلام شبيهة بما حصل مع المسيحية في القرن الثامن عشر توقف التمدد الأصولي الجارف وتنهي الصراعات المذهبية والحروب الأهلية وتؤسس لمصالحة مع الغرب والعالم، بينما نقل أحفاد البنا من أبناء سعيد رمضان صراع مؤسس الإخوان مع الدولة المدنية والحداثة إلى قلب أوروبا.

هاني البنا المولود في 2 يونيو من عام 1959 في جنيف، والذي تلقى كل تعليمه في مدارس كانتون جنيف والحاصل على ليسانس الآداب في نفس الشهر والسنة التي اغتالت فيها الجماعات الأصولية الجهادية الرئيس السادات في أكتوبر 1981 وعلى شهادة الدكتوراه في الآداب عام 1990، يواصل من قلب أوروبا ترسيخ نموذج جماعة الإخوان المسلمين ككيان يرفض التكامل أو الاستفادة من المنتج الثقافي الغربي من نظريات علمية واجتماعية وقيم فلسفية.

ويروّج رمضان لحكم بمرجعية القانون الإلهي تخدم سلطة الإمام الديني المطلقة ولا تتسامح مع التداول والتعددية، ولتبرير الصراع مع الحداثة والنموذج الغربي في الحكم يسير على نفس خطة جده حسن البنا عندما رفع شعارات مواجهة الإلحاد والتفسخ الأخلاقي وحملات التبشير في مسعى منه وقتها لفرض النمط التقليدي وتمكينه من الانتصار على النموذج الحداثي العصري.

خاضت جماعة الإخوان في مصر تحديًا مع نموذج الدولة الليبرالية المدنية متعددة الانتماءات والأحزاب، وكان الصراع مع الحداثة ستارًا يخفي وراءه محاولة استعادة التيار التقليدي -الذي تزعمه البنا- مركزه في الحكم، فقد رأى قادة الجماعة حينئذ أن اكتساح الحداثة أو النموذج الغربي الذي وصفه حسن البنا بالإلحادية والتفسخ داخل المجتمع المصري أدى إلى أن تنفصل النخبة التقليدية التي يمثلها البنا.

الجذور كانت مع اللبناني رشيد رضا الذي غلف خطة أسلمة السلطة بغطاء كثيف من معارك متواصلة وشرسة مع الأطياف الفكرية والثقافية والإعلامية من ممثلي الليبرالية والحداثة أمثال قاسم أمين وأحمد لطفي السيد وطه حسين ليمهد رضا للإخوان عبر التأثير المباشر على مؤسسها وزعيمها الشاب حسن البنا بعد إحداث القطيعة مع فكر واجتهادات محمد عبده الإصلاحية وبتعزيز الخط السلفي الأصولي.

العداء للغرب

هاني البنا يناشد بأحقية جماعة الإخوان بالحكم

حسن البنا “الجد والمؤسس” كان دقيقًا في توصيف طبيعة الصراع الحقيقية عندما عبّر عمّا يدور في نفسه وعمّا يشعر به أقرانه من ظلم تجاه سيطرة أبناء التعليم المدني على المشهدين الاجتماعي والسياسي فقال “بلغ عدد الذين في المدارس الأجنبية حوالي الخمسة والثلاثين ألفًا ليسوا من أبناء الطبقات الفقيرة ولا المتوسطة بل هم من أبناء الوزراء والكبراء والمديرين والحكام والقضاة وغيرهم، فيكون منهم الوزير والوكيل والقائد والحاكم، هذه هي القيود وهذا هو الاستعمار في الواقع”.

رمضان يواصل الصراع من قلب مركزه الرئيسي في أوروبا بنفس أدوات جده ومعلمه فهو يظهر كراهيته للعلمانيين والليبراليين على خلفية معركة حظر النقاب في المدارس ومعارك الحريات الشخصية وقضايا المرأة، معتبرًا الحجاب في الإسلام بمثابة “رمز خضوع المؤمن للأوامر الإلهية”، وينشر عام 1998 كتابًا بعنوان “المرأة في الإسلام” دافع فيه عن حق تعدد الزوجات باعتباره أفضل وسيلة لمكافحة خطر الزنا.

نشر مقالًا في اللوموند الفرنسية يبرر فيه رجم المرأة الزانية باعتباره “عقابًا وأيضًا شكلًا من أشكال التطهر” وقال “إن الشريعة الإسلامية رحيمة بالمرأة لأنها لا تفرض الرجم إلا إذا توفر شهود أربعة على واقعة الزنا”، واعتبر الإيدز عقابًا إلهيًا متسائلًا “من الذي خلق فيروس الإيدز؟”. انتهى مشروع رشيد رضا والبنا السلفي في السابق في يد مهندس الأيديولوجيا السلفية الجهادية المعاصرة سيد قطب الذي دعمه بالفكرة الجهادية التكفيرية ليبرز تيار السلفية الجهادية بتزاوج مشروع البنا السلفي ومشروع قطب الجهادي.

في واقع الأمر فقد انطلق قطب من نفس الفكرة الأم التي راوغ بها البنا ورشيد رضا وحديثًا هاني رمضان وشقيقه طارق في البداية، وهي فكرة الصراع والعداء للحداثة والحضارة الغربية؛ ليصدر حكمًا بأن الإسلام سيقود العالم وأن الغرب بحداثته وحضارته يعيش مرحلة الانهيار والأفول نتيجة “أزماته وخوائه الروحي وطغيان الفردية والمادية”، طارحًا الإسلام كبديل حتمي سيتولى قيادة البشرية.

تلك هي الدائرة التي أزعجت النخبة الفرنسية من مفكرين وفلاسفة وحركت أجهزتها الأمنية لتبعد هاني رمضان عن الأراضي الفرنسية. جماعة الإخوان التي يمثلها فكريًا في أوساط الغرب هاني رمضان وشقيقه من أصحاب النشاط الواسع كانت تعزز داخلها الخط السلفي الأصولي منذ أوائل خمسينات القرن العشرين.

هاني رمضان يروج لحكم بمرجعية القانون الإلهي تخدم سلطة الإمام الديني المطلقة ولا تتسامح مع التداول والتعددية، ولتبرير الصراع مع الحداثة والنموذج الغربي في الحكم يسير على نفس خطة جده حسن البنا

هذا الحضور السلفي بجماعة الإخوان سيحدد طبيعة مواقف الجماعة بشأن القضايا الإشكالية الأساسية التي أثارت الجدل والنقاش مع القوى السياسية والنخب الثقافية عقب صعود الإسلام السياسي في الفضاء العام وإثر أفول الأفكار الإصلاحية، سواء المتعلقة بالمرأة أو الحريات الفردية والقضايا الأخلاقية أو المتصلة بالآداب والفنون وحتى القضايا المتعلقة بالتكفير والعنف والتصورات النهائية بشأن ملفات الخلافة والحاكمية والأممية وجاهلية المجتمعات وتكفير الحاكم وتغيير نظم الحكم بالقوة.

السلفية الأصولية تعاظم حضورها على المستوى التنظيمي داخل جماعة الإخوان وطغت على خطاب وطرح مراجعها ومفكريها حتى ممّن كانوا يوصفون بالانفتاح والاعتدال. لتتحول الدعوة الدينية بسهولة إلى دعوة مفرقة ويصبح الدين عنصر تفريق وتمزيق عندما يتم اختزاله في الحجاب ورجم المرأة المخطئة كنموذج طرح أحفاد البنا، ومن خلال الخبرة العربية بتيار الإسلام السياسي فهذا لا يعبّر سوى عن عجز في طرح القضايا السياسية والتعاطي بكفاءة كافية مع أزمات وتحديات الواقع، وعندما ينشغل به تيار أو كيان ما فهو مؤشر على بداية انزلاق نحو الصراعات الطائفية الدامية والحروب الأهلية بتحويل الدين إلى عامل تفريق بدل أن يكون عامل وحدة.

لا أثر للتعصب الديني أو الطائفي في دول أوروبا لأنهم أخضعوا التراث الديني للنقد وأطلقوا ثورتهم الفكرية قبل أكثر من قرنين وفصلوا بين الدين والدولة وسادت أفكار فلاسفتهم ومفكريهم من ديكارت إلى سبينوزا وفولتير وكانط ومالبرانش، لذا تسود بينهم قيم المواطنة والتعايش والتسامح والحرية الفردية وحرية المعتقد والضمير.

النخب في أوروبا، ممن يدركون جيدًا خطورة الطرح الأصولي المنغلق، يحذرون نتيجة تزايد أعداد المهاجرين واللاجئين ونتيجة النشاط الملحوظ للأصوات السلفية من محاولات جر أوروبا لمعاينة صورة معاصرة من عصورها الوسطى المظلمة بنسخة إسلامية، ويرون في الصراعات التي تضرب المجتمعات العربية والإسلامية قيمة ما أنجزوه عندما قضوا على هيمنة الأصوليين وتأويلاتهم المنغلقة وعندما ألغوا النظام الملكي مطلق الصلاحيات القائم على الحق الإلهي باعتبار الملك خليفة الله في الأرض ليحل النظام الجمهوري والتداول والحريات ودولة المواطنة، بعد أن كاد الأوروبيون يقضون على بعضهم البعض ذبحًا وتقتيلًا على الهوية والمذهب.

مغزى الطرد

هاني رمضان يتصور أنه موكول له مهمة مقدسة بأوروبا

يتصور هاني رمضان أنه موكول له مهمة مقدسة بأوروبا متحمسًا لمواصلة رسالة جده، فباشر عمله البحثي وألف كتبه ونشر مقالاته وألقى محاضراته دون المرور بالمرحلة التنويرية أو القيام بالثورة الفكرية المطلوبة، غازيًا أوروبا بإرث البنا وقطب والزرقاوي والظواهري والبغدادي، وكأن هؤلاء هم إنجاز العرب الوحيد.

القارة الأوروبية ترى أن إنجازها التاريخي لا يقدر بثمن لأنه أدّى إلى بناء كل هذه الحضارة الحديثة وليس من السهل التخلي عمّا يميزها بين الأمم بالتراجع عن قيم الحداثة والمواطنة والدولة المدنية. هاني رمضان ليس ذلك المفكر الألمعي أو الباحث المدقق أو العالم المجدد بل محاضر عادي بعدة تقليدية وطرح مكرر، وهو يقدم نفسه كما يفعل شقيقه طارق رمضان كمتحدث باسم الإسلام في الغرب وسط فوضى أتاحت للآلاف من العاديين تصدر المشهد وإصدار قرارات باسم الأمة لدرجة إعلان أحدهم نفسه “خليفة” على المسلمين دون حتى استشارتهم. قديمًا أدان البعض من مدّعي التميز الديني المتشددين بودلير وفلوبير بسبب “أزهار الشر” و“مدام بوفاري” بحجة الإخلال بالآداب العامة والحض على الفسق، فهل يتصور أحدهم بعد أن قطعت فرنسا تلك الأشواط في حرية الإبداع والرأي والتعبير أن يعيدها لتلك الحقبة؟

وإذا تمكن البعض من فعل ذلك في الشرق حيث لم تقم ثورة تنويرية بعد تضع حدودًا للمقدس وغير المقدس وتزيل عن الدين ما تراكم عليه من تكلسات وقشور وتفصل بين الدين والسياسة وتعيد لكل من العقل والفلسفة والفكر مكانته المفقودة، فإن محاولاتهم في نقل تلك الممارسات إلى أوروبا محكوم عليها بالفشل لأن الأوروبيين ببساطة يسبقوننا بحساب التاريخ وموازين التقدم والنهضة بقرن ونصف وقد صارت تلك الأطروحات وراءهم منذ زمن بعيد.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر