الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

سانحة أمين زكي آخر رائدات النهضة النسوية العراقية ترحل إلى مقامها العالي

الطبيبة الراحلة سانحة أمين زكي تعد من رائدات حركة النهضة والتنوير العراقية الحديثة، امتازت بذاكرة قوية وتفكير واضح وحب للتاريخ والشعر واللغات.

العرب سلام الشماع [نُشر في 2017/04/15، العدد: 10603، ص(13)]

سانحة أمين زكي شاهدة رأت بلدها أكبر من شيعستان وسنيستان وكردستان

عمان- تعد الطبيبة سانحة أمين زكي التي فقدها العراق الأسبوع الماضي بعد بلوغها السابعة والتسعين من عمرها، والتي توفيت في مدينة بيتربورو البريطانية حيث كانت تقيم في آخر أيام حياتها من رائدات حركة النهضة والتنوير العراقية الحديثة. فقد ولدت سنة 1920 في بغداد وجمعت في نسبها جميع أعراق العراق.

نشأت سانحة أمين زكي في عائلة ضمت الأصول العربية والكردية والتركمانية ولكنها بقيت عراقية صميمية. هي وشقيقتها لمعان محمد زكي اختصاصية طب الأطفال من جامعة لندن 1949 وحاملة بكالوريوس جامعة بغداد 1945 فيما كانت سانحة أستاذة مادة الفارماكولوجي وعلم الأدوية في كلية طب بغداد بعد حصولها على شهادة الماجستير من جامعة لندن 1965.

الطفلة الاستثنائية

عملت زكي، وهي أرملة المهندس العراقي المعروف إحسان رفعت، خلال حياتها المهنية عضواً فعّالاً في جمعيات خيرية عدة منها الجمعية الطبية العراقية وجمعية الهلال الأحمر- الفرع النسائي وجمعية رمزي للأطفال المعاقين وجمعية إعمار الشمال للبناء في كردستان وجمعية المؤلفين والكتاب العراقيين.

امتازت بذاكرة قوية وتفكير واضح وحب للتاريخ والشعر واللغات، ويقول عنها الأديب العراقي إبراهيم البهرزي إن “سانحة أمين زكي واحدة من بُنَاةُ حضارة العراق وهي أولى بالذكرى من بعض دمى السياسة من الرجال الذين رمتهم الظروف عالة على كتب تاريخنا وأولى بنا أن نتذكرها في أعياد أضاحي النساء حيث يضحّى بهن بدلاً عن أعناق المحتلين والعملاء”.

الغريب في حياتها أنها دخلت المدرسة الابتدائية سنة 1924 وعمرها أربع سنوات في مدينة الموصل التي كانت أحداث انضمامها إلى تركيا لا تزال قائمة. وعند زيارة المفكر ساطع الحصري للمدرسة قرأت مجموعة من الأطفال نشيدا وطنيا يتغنى بعراقة مدينة الموصل وعروبتها: “لست يا موصل إلا دار عز وكرامه/أنت فردوس العراق حبذا فيك الإقامه/أنت بدر هو شمس أنت تاج هو هامه”.

تقول في كتابها “ذكريات طبيبة عراقية” الذي أصدرته دار الحكمة بلندن ويضم 850 صفحة إنها سمعت أن ساطع بك، كما قالت، في الموصل، وسوف يزور المدرسة، وتضيف “فاهتم والدي للأمر كثيراً وكذلك المديرة، بدأت أتخيل شكل ساطع بك. تصورته طويل القامة مهيباً شامخاً دخل المدرسة ومعه والدي وكان يمشي بين والدي والمديرة والمعاونة، وجدته أقصر من والدي بكثير وأقصر من المديرة ومنظره غريب، يلبس على رأسه خوذة العسكر ولكن ملابسه كانت مدنية، تجوّل في المدرسة ودخل صفنا وتكلم مع والدي ومع المديرة باللغة التركية ثم غادر صفنا إلى غرفة المديرة. هذا هو ساطع الحصري مؤلف ‘القراءة الخلدونية’ التي نقرأها كل يوم وقد تعلمنا القراءة السريعة بواسطتها، قيل إنه سماها على اسم ابنه خلدون”.

رحيل سانحة أمين زكي يفقد العراق الرائدة الأخيرة للنهضة النسوية فيه والشاهدة الأخيرة على بناء دولته الحديثة التي أنهاها الاحتلال الأميركي ودمر منجزاتها، والشاهدة الأخيرة أيضا على الاحتلالين البريطاني للعراق نهاية العقد الثاني من القرن الماضي والاحتلال الأميركي في مستهل القرن الحالي

الأديبة التي أصبحت طبيبة

وعلى الرغم من صغر سنها إلا أنها كانت تجيد القراءة الخلدونية وأرقام الحساب ولذلك انتقلت من الصف التمهيدي إلى الصف الأول الابتدائي في المدرسة، وعندما بلغت سن العاشرة من عمرها انتقلت إلى المدرسة المركزية للبنات ولبست العباءة وهي في الثالثة عشرة، وكانت ترغب بالانضمام إلى الفرع العلمي إلا أن إدارة المدرسة أرغمتها على دخول الفرع الأدبي لقلة عدد الطالبات، آنذاك، والأغرب أنها لم تكن متحمسة للانتماء إلى كلية الطب كونها خريجة الفرع الأدبي وخططت لإكمال دراسة الأدب بالجامعة الأميركية في بيروت ولكن إصرار والدها على دراسة الطب حال دون ذلك، إذ كان يقول لها دوما بأنها ستصبح طبيبة، وما إن تخرجت في الإعدادية حتى قدم والدها أوراقها إلى عمادة الكلية الطبية وعند وصولها إلى الكلية خلعت العباءة وكان عمرها ست عشرة سنة ونصفا.

هكذا بدأت سيرتها المهنية كطبيبة من منطلق أدبي لكونها تخرجت في الفرع الأدبي. فكانت أول امرأة مسلمة تقتحم هذا الميدان معبرة عن تحدي المرأة العراقية وتطلعها إلى التحرر والحداثة. تذكر زكي في كتابها ذاته “ذكريات طبيبة عراقية” أنها عينت بعد تخرجها في وزارة الصحة ومارست مهنة الطب لمدة طويلة وكانت لها ذكريات جميلة منذ دخولها كلية الطب.

كتابها هذا ليس تأريخاً لها ولا للإنجازات الكبيرة التي حققتها، فحسب، بل لموطنها وبالأخص لمجتمعه ولنسائه. فهي قد ولدت عام 1920 يوم كانت بغداد، حسب قولها، نائمة في أحضان العصور المظلمة والمرأة حبيسة دارها، وبعد ميلادها بسنة واحدة تُوّج فيصل الأول ملكاً على العراق، واصفة عهده بأنه كان “بداية جديدة عصرية ومباركة انفتحت أمام البلد كله، وخصوصاً أمام النساء. فقد انتشر تعليم البنات وتحولت المرأة من شخص طفيلي عاجز إلى سيدة متعلمة تكسب رزقها بنفسها كما يفعل الرجال”.

أهدت مؤلفها إلى أحفادها

تقول الصحافية العراقية إنعام كجه جي إن زكي بعد أن تجاوزت السبعين جلست أمام الكومبيوتر لأول مرة لكي تكتب مذكراتها. وقد أنهت المهمة وهي على عتبة التسعين. وصدرت المذكرات في لندن عام 2005 ثم ترجمت إلى الإنكليزية. لتكتب في المقدمة أن صديقًا من عمر أبنائها أهداها كتيباً حول استخدام الحاسوب. فضحكت وسألته “هل سأتعلم مع طلاب رياض الأطفال؟”، متسائلة “هل تعرفون سيدات تسعينيات عربيات كثيرات من هذه الخامة الراقية القادرة على التعلم من المهد إلى اللحد؟”.

وفي كتابها تتوقف عند معلماتها اللواتي “كنّ على درجة كبيرة من الأناقة العصرية في الملابس والاعتناء بالشعر وأسلوب الكلام المهذب” لتقول إنهن كن يتقاضين أجوراً متساوية مع الرجال. والمساواة بين الجنسين في الأجور أمر لم يتحقق في بلد مثل فرنسا حتى اليوم. ومن أولئك المعلمات صبيحة الشيخ داود أول طالبة تدخل كلية الحقوق. وبعد ذلك أول قاضية في العراق.

فرقة فاطمة رشدي في العراق

يذكر الكتاب مناسبة شهدتها زكي عام 1930 إذ تقول “دخلت الست صبيحة إلى الصف وقالت إن فرقة فاطمة رشدي وصلت بغداد وإن الرواية ستكون ‘مصرع كليوباترا’. وهي مسرحية شعرية من تأليف أمير الشعراء أحمد شوقي. وكان لا يزال حيًا يومها. اشتريت بطاقات الحفلة النهارية التي تقام بعد الظهر للسيدات، وذهبنا مع الوالدة وفهمت معظم ما دار من حديث بين الممثلين. بدت فاطمة رشدي ملكة جميلة جدا، ترتدي التاج والجواهر، تأمر فتطاع، وبشارة واكيم بدور القيصر أنطونيو وروعة شخصيته العسكرية. والرومان بخوذهم المعدنية وسيوفهم اللامعة. يقابلهم المصريون بملابسهم الفرعونية وآلهتهم الغريبة، والمؤامرات تحاك حول الملكة والقيصر. والمغني يغني شعراً: أنا أنطونيو وأنطونيو أنا/ما لروحينا عن الحب غنى. وعشق الناس هذه الأغنية، وأصبحنا نسمعها في كل مرة نمرّ قرب أحد المقاهي في البلد. ولما ماتت كليوباترا بأفعى حقيقية تتلوى بين أصابعها، بكت الحاضرات لموتها. وقد اشترك في التمثيلية حقي الشبلي وكان فناناً عراقيًا شاباً يدرس في مصر، وقام بدور أوكتافيوس. وقام عزيز عيد بدور رئيس الكهنة وهو ممثل قدير لكنه كان كبير السن قصير القامة أصلع الرأس، وفي كل مرة يظهر على المسرح تسري بين النساء المتفرجات همهمة أسف مسموعة لكونه زوج فاطمة رشدي الجميلة ويقلن: حيف هذا رجلها”.

يبدو من الكتاب أن مؤلفته كانت تحمل أفكاراً يسارية في شبابها على الرغم من أنها سليلة أسرة مرفهة مقربة من العائلة المالكة. وتنقل، في هذا الصدد، حواراً جرى في جلسة عائلية بينها وبين رئيس الوزراء نوري السعيد. كان السعيد يتحدث عن المشاريع المقررة للري والتعليم والصحة. فاعترضت على كلامه وقالت إن البلد لا ينمو بالسرعة المطلوبة. واشتد في كلامه ورد عليها “انظري إلى نفسك هل كنت تجلسين وتناقشين الرجال الكبار قبل عشرين عامًا؟ أيّ امرأة كانت تفهم في السياسة وغيرها في ذلك الوقت؟ بغداد كانت قرية كبيرة ليست فيها مدارس ومستشفيات ولا بنات يجادلن الكبار”. وعلى الرغم من حدة هذه المواجهة فإن المؤلفة لا تخفي إعجابها بشخصية “الباشا نوري السعيد” وبالعهد الذي كان يتولى المقاليد فيه.

سانحة أمين زكي واحدة من بناة حضارة العراق

تروي كيف أن وزارة المعارف (التربية حالياً) استقدمت معلمة من النرويج لتعلم الطالبات كرة السلة والطائرة وألعاب الميدان والتمارين السويدية. وعندما قبلت تلميذة في كلية الطب كان أول درس تلقته من العميد هو أن عليها الآن كتلميذة طب أن تترك العباءة. والأطرف من ذلك كله أن تدريس الدين في ثانوية البنات أسند إلى صبيحة الشيخ داود التي عرفت بين الناس بالمرأة المسترجلة، فكرست صبيحة دروسها لتلقين طالباتها حقوق المرأة ومساواتها وما تحملته المرأة المسلمة من ظلم وعبودية باسم الدين.

أهدت زكي مؤلفها إلى أحفادها الخمسة الذين هاجروا مع آبائهم ودرسوا في الخارج. وقالت إنهم يسألونها “عن العراق في القرن العشرين. وعن 14 يوليو (تموز)، حين تحول العراق من الحكم الملكي إلى الجمهوري خلال دقائق قليلة، بواسطة البيان الأول في الراديو من قبل ضابط، ومعظم الناس يغطون في نومهم. وقد أعقب ذلك الانقلاب خمسة انقلابات عسكرية. ماذا أقول لأحفادي إذا رغبوا في العودة إلى العراق؟ هل أسألهم أين ترغبون السكن في شيعستان أم سنيستان أم كردستان؟”.

ألّفت إلى جانب كتابها “ذكريات طبيبة عراقية” كتاباً آخر هو “المخدرات-بحث في الإدمان وطرق العلاج” عندما كانت رئيسة قسم الفارمالوجي بالوكالة في الكلية الطبية بجامعة بغداد عام 1965. وهو يتناول جوانب عديدة فسيولوجية ونفسية وصحية واجتماعية، وكتاب “بحث العقاقير الطبية” الذي يتناول عرضاً فنياً للعمليات التي يحصل فيها تأثير العقاقير على خلايا الجسم والعمليات الدقيقة التي تؤدي إلى شفاء المريض وهو ضمن سلسلة أبحاث تهدف إلى تثقيف أبناء الجيل.

برحيل سانحة أمين زكي فقد العراق الرائدة الأخيرة للنهضة النسوية فيه والشاهدة الأخيرة على بناء دولته الحديثة التي أنهاها الاحتلال الأميركي ودمر منجزاتها، والشاهدة الأخيرة أيضاً على الاحتلالين البريطاني للعراق نهاية العقد الثاني من القرن الماضي والاحتلال الأميركي في مستهل القرن الحالي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر