الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

توماس باخ رياضي مهووس بالسلطة والمال والسيادة

الرياضي توماس باخ يوصف من قبل محبيه ومنتقديه بأنه الرجل القوي الذي استفاد من مهارته في المبارزة في اختيار نقطة ضعف خصومه ليتفوق عليهم.

العرب باسل الحمدو [نُشر في 2017/04/15، العدد: 10603، ص(14)]

توماس باخ مبارز ألماني يتربع على عرش اللجنة الأولمبية تطارده الفضائح

برلين- مبارز محنك عرف يوماً بطعناته الدقيقة التي يصطاد بها خصومه على حلبات المصارعة، وخبير استراتيجي يخطط بدقة خطوات النجاح لكل المؤسسات التي تمنحه ثقتها. لم يعرف عنه يوماً الفشل لكن شخصيته كانت دوماً مثاراً للجدل لعدم اتزانها في الفصل بين السلطة والمال والرياضة، رغم أنه اشتهر بمواقفه الداعية إلى فصل السياسة عن الرياضة. وإذا ما وصفت كرة القدم بأنها مالئة الدنيا وشاغلة العالم فإن العجوز الألماني توماس باخ كان الشغل الشاغل لأقلام الصحافة التي تمكنت أخيراً من الإيقاع بالفارس الألماني بفضيحة طعنت في نزاهته.

باخ فارس العالم

ولد باخ في التاسع والعشرين من شهر ديسمبر عام 1953 في مدينة فورتسبورغ الألمانية إحدى مدن الجنوب الغربي التي شكل موقعها الجغرافي بين مدن ميونخ وشتوتغارت وفرانكفورت لعنة لاحقت رياضتها بسبب هجرة شبابها إلى المدن المجاورة والتي تعتبر مركزا اقتصاديا هاما مقارنة بالمدينة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها المئتي ألف نسمة.

إلا أن باخ كان رياضياً استثنائيا فقد بقي في مدينته الصغيرة تلك حتى نال شهادته الجامعية بالقانون والعلوم السياسية من جامعة فورتسبورغ عام 1978 وتوج خلال فترة دراسته الجامعية بالعديد من البطولات بعد أن انضم عام 1971 لصفوف منتخب ألمانيا الغربية للمبارزة وحلّ ثالثاً في بطولة العالم للناشئين في شيكاغو التي جرت في ذات العام، ثم نال وصافة بطولة العالم للمبارزة في غوتنبرغ عام 1973 إلى أن أنصفته الرياضة ليتربع فارساً بعد حصوله على المركز الأول في بطولة العالم للمبارزة في مونتريال الكندية عام 1976.

اكتفى باخ بما حققه من ميداليات وبطولات وعاد ليمارس مهنة المحاماة كمتدرب في الفترة ما بين 1978 حتى 1982، وأتم بعدها بعام الدراسات العليا في الحقوق ليفتتح في ما بعد مكتبه الخاص.

رجل السياسة والمجتمع

لم يكن مكتب المحاماة الصغير الذي أسسه باخ مع عدد من زملائه في مدينة تاوبير بيشوفسهايم يلبّي طموحاته السيادية المتطلعة نحو مكانة مرموقة متأثرا بلقب الفارس الذي اكتسبه بتربعه على عرش مبارزي العالم لسنوات طويلة وشغله منصب المتحدث باسم الاتحاد الألماني للمبارزة، وشهرته التي نالها كإداري رياضي ناجح عندما رفض قرار ألمانيا الغربية بمقاطعة الألعاب الأولمبية التي أقيمت في موسكو عام 1980 وكان حينها توماس باخ ناطقاً باسم الرياضيين الأولمبيين الألمان وطالب يومها حكومة ألمانيا الغربية بفصل الرياضة عن السياسة.

طموحات باخ السيادية لم تقف عند المناصب الرياضية بل كانت السياسة والمال يشغلان حيزا كبيرا من أحلامه البعيدة، فقد استغل شهرته الرياضية في كسب جمهور من الناخبين الذين رأوا فيه الرجل الذي يؤمن بالأخلاق والقيم النبيلة الأولمبية وهو ما يحتاجه حتما مرشح سياسي في برنامجه الانتخابي

لم يكن باخ يضيع أيّ فرصة يجدها أمامه أو كرسي سلطة شاغراً إلا وسعى إلى الوصول إليه، انضم إلى عضوية اللجنة الأولمبية الألمانية عام 1982. ثم التحق باللجنة الأولمبية الدولية ليصبح عضواً فيها بداية التسعينات من القرن العشرين. وشغل عضوية لجنتي التسويق والقانون في اللجنة الأولمبية الدولية، ثم ترأس لجنة الاستئناف عام 1994 ورئاسة لجنة التقييم لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية وانتخب عضواً في اللجنة التنفيذية للجنة الأولمبية الدولية وتم ترفيعه ليصبح نائباً للجنة الأولمبية الدولية.

وكان ضمن اللجنة المشرفة المنظمة لفعاليات كأس العالم في ألمانيا 2006، وبعد توحيد اللجنتين الأولمبيتين في ألمانيا “إن أو كي” و“دي إس بي” عام 2006 ترأس باخ اللجنة الأولمبية الألمانية التي تشرف على ما يقارب 98 اتحاداً و91 ناديا و28 مليون عضو. استمر في منصبه إلى أن اختير رئيساً للجنة الأولمبية الدولية في الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا خلفاً للبلجيكي جاك روج بعد جولتين فقط من الاقتراع السري.

طموحات باخ السيادية لم تقف عند المناصب الرياضية بل كانت السياسة والمال يشغلان حيزاً كبيراً من أحلامه البعيدة، فقد استغل شهرته الرياضية في كسب جمهور من الناخبين الذين رأوا فيه الرجل الذي يؤمن بالأخلاق والقيم النبيلة الأولمبية وهو ما يحتاجه حتماً مرشح سياسي في برنامجه الانتخابي للتوجه إلى ناخبيه ليصبح عضواً في الحزب الديمقراطي الحر “إف دي بي”. ثم أصبح في ما بعد أميناً لخزانة الأعضاء في مؤسسة فريدريش هاينريش التي تحظى في ألمانيا بمكانة اجتماعية مميزة.

عرف المبارز الألماني بحنكته في استغلال الظروف السياسية المحيطة لتسليط الضوء على إنجازاته وأفكاره الخلاقة، ففي الوقت الذي أًصبحت فيه قضية اللاجئين تتصدر المشهد العالمي أعلن توماس باخ من مخيم إيليوناس في أثينا عن مبادرته لتشكيل منتخب يضم اللاجئين أصحاب المهارات العالية ليشارك تحت راية اللجنة الأولمبية في أولمبياد ريو دي جانيرو لتكون رسالة أمل لأكثر من ستين مليون لاجئ حول العالم، كما دعا إلى الإسراع مباشرة في مساعدة اللاجئين قبل التوصل لحلول سياسية لأزمتهم و قال إن الرياضة يمكنها أن تساعد في منح الناس الأمل وأن تسهل اندماجهم في أوطانهم الجديدة، ولهذا ستقدم اللجنة الأولمبية الدولية مليوني دولار من أجل دعم برامج الرياضات القومية والإقليمية من أجل اللاجئين، لقد بدا وكأنه يقود الأمم المتحدة أو هو ناشط إنساني كرس وقته لخدمة الإنسانية ومساعدة الآخرين.

توماس باخ كان رياضياً استثنائيا

غلطة المحنك بألف

لطالما وصف باخ من قبل محبيه ومنتقديه معاً بأنه الرجل القوي الذي استفاد من مهارته في المبارزة في اختيار نقطة ضعف خصومه ليتفوق عليهم، لقد كان سريع البديهة في كل جولاته التي خاضها على حلبات المبارزة وكذلك كان في حياته السياسية والرياضية ولم يكن ليترك ثغرة يتربص بها خصومه الكثر رغم سلسلة الانتقادات التي طالته لمناصبه الإدارية التجارية التي شغلها مع عدة مؤسسات وشركات كبرى لها ارتباطاتها في مجال الاستثمار الرياضي.

بدأت ارتباطات باخ التجارية تكبر بدءاً من العام 1998 عندما عين رئيساً لمجلس الرقابة في شركة ميشيل فينيش العالمية ثم عين عضواً في مجلس إدارة شركة سيمينز لفرعها السويسري، وشغل منصب رئيس غرفة الصناعة والتجارة العربية الألمانية.

أثارت علاقة باخ بشركة سيمينز الكثير من الجدل نتيجة لمصالح الشركة الوثيقة في رعاية النشاطات الرياضية والتي لربما قد استحوذت عليها بفضل علاقات ومنصب باخ وهو ما يجعله ضمن دائرة الشكوك، خاصة بعد أن كشفت تقارير حجم الرواتب التي تقاضاها والتي تجاوزت الحد الطبيعي، حيث نال خلال عامه الأخير فقط مع سيمينز حوالي 400 ألف يورو إضافة إلى بدل يومي يقدر بحوالي 5000 يورو.

أنهى باخ عقده مع سيمينز منتصف عام 2010 عقب الحكم الذي صدر بحق الشركة على خلفية قضايا رشاوى في الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا في الفترة ذاتها التي شغل فيها باخ منصب المستشار للشركة الألمانية العملاقة والتي كلفتها غرامات باهظة.

باخ وأديداس

كل ما سبق كان حقاً مثيراً للانتقاد لكن النظريات المشككة كانت تتهاوى أمام هيمنة المبارز الألماني على مانشيتات الصحف وعناوين نشرات الأخبار الرياضية التي كان يتصدرها مع كل إشارة إلى بطولة أولمبية أو حملة لمكافحة المنشطات الرياضية. إلى أن جاءت الطعنة القاتلة مساء الخميس السادس من شهر أبريل الجاري عندما أًصدرت مؤسسة الصحافة الاستقصائية الألمانية “كوريكتيف” تحقيقاً استقصائياً كشفت من خلاله عن عقد مخفي أبرمه باخ أُثناء فترة ترؤسه للجنة الأولمبية.

طموحات توماس باخ السيادية لم تقف عند المناصب الرياضية بل كانت السياسة والمال يشغلان حيزاً كبيراً من أحلامه

لقد كان يعمل مستشاراً لشركة فيروشتال الألمانية ذات الذراع الطويلة في مختلف أنحاء العالم براتب سنوي يصل إلى 125 ألف يورو إضافة إلى 5000 يورو يتقاضاها كبدل سفر عن كل يوم يقضيه باخ لصالح مؤسسة فيروشتال خارج ألمانيا. ويتضمن العقد بنوداً أخرى توضح مهمة باخ تجاه الشركة والتي كان من ضمنها فتح وإقامة قنوات تواصل وعلاقات وثيقة مع الحكومات والمؤسسات وكل الجهات التي تصب في مصلحة الشركة ومشاريعها المحلية والعالمية، وهو ما يمكّن باخ من استغلال علاقاته وسلطته الشخصية لصالح الشركة وكذلك تستفيد الشركة عكسياً من علاقات باخ الرياضية السيادية.

تقول المصادر إنه وفي عام 2000 قامت الشركة بدفع رشوة لموظف لتسهيل صفقة غواصات عسكرية أبرمت مع اليونان والبرتغال. وحكمت محكمة مدينة ميونخ على الشركة بدفع غرامة مالية قدرت بنحو 140 مليون يورو جراء تلك الصفقة المشبوهة. ليست قضية النقاد الرشاوى التي دفعت والتي تطعن في نزاهة رئيس اللجنة الأولمبية فحسب، بل فضيحة أخلاقية لمبادئ ورسائل متناقضة يحملها توماس باخ في الوقت ذاته بشخصية واحدة ذات مصالح مختلفة، الأخلاق والقيم الأولمبية النبيلة التي قامت على أساسها اللعبة، ودعم الأسلحة الذي يتنافى تماماً مع القيم الأولمبية بل والإنسانية أيضاً.

في العام 1980 ارتبط باخ بعقد مع شركة أديداس العالمية والتي تعد من أبرز الرعاة الرسميين لأبرز الأحداث العالمية والأولمبية أيضاً، نقطة أخرى تضاف إلى سجل رئيس اللجنة الأولمبية في عصر أنفانتينو خليفة بلاتر الذي توعد في برنامجه الإصلاحي بالقضاء على المحسوبيات والفساد في أروقة الفيفا وإعادة ترسيخ القيم الإنسانية والحضارية لكرة القدم لكنه يتجاهل العجوز الألماني المقيم في مبنى اللجنة الأولمبية في لوزان.

ولا يحتاج أنفانتينو سوى إلى ركوب قطار تكلفة تذكرته من زيوريخ، حيث مقر الاتحاد الدولي، إلى لوزان تعادل ثمن فنجان من القهوة في مقهى سويسري فاخر ليقتاده بيده إلى محكمة التحكيم الرياضية المختصة بحل النزاعات الرياضية وقضايا الفساد في الحي المجاور للجنة الأولمبية في مدينة لوزان السويسرية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر