الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

سمير فرنجية مواطن لبناني مختلف لم يؤمن بالصراع على السلطة

مقاربة السياسي سمير فرنجية تكتسب جدواها وأهميتها النابعة من أنها أسست لضرورة التخلص من أدوات تحليل وقراءة تجاوزها الواقع اللبناني.

العرب شادي علاء الدين [نُشر في 2017/04/16، العدد: 10604، ص(9)]

سمير فرنجية مفكك العنف الداعي إلى إسقاط كل أنواع الرهانات

بيروت- في كتابه “رحلة إلى أقاصي العنف” قال الراحل سمير فرنجية إن “العيش معاً هو في مكان آخر. لا يرتكز على التقاسم إنما على الرابط، الرابط الذي من شأن كل فرد أن يقيمه بين انتماءاته المتعددة والرابط الذي من شأنه أن يقيمه مع الآخرين. إن هذه العلاقة مع الآخر ليست فقط حاجة تفرضها الحياة في مجتمع متنوع، بل هي شرط ذاتيتنا الشخصية. لا وجود لنا إلا عبر الآخر. هو يكوّننا بنفس ما أننا نحن نكوّنه. وهذا الرافد الخارجي يزداد ثراءً بقدر ما يزداد الآخر تنوعا”.

العيش معا

يمكن الانطلاق من هذا المدخل لمحاولة رسم ملامح رجل اختبر خلاصات مراحل عديدة في حياته الممتدة بين العام 1945 إلى حين رحيله في الـ11 من أبريل الجاري عشية ذكرى الحرب الأهلية.

من العيش في كنف والده حميد فرنجية أبرز رجال الاستقلال إلى علاقته الخاصة بعمه الرئيس سليمان فرنجية وخضوعه لغواية اليسار في ستيناتالقرن العشرين، إلى عمله في الصحافة وصولا إلى علاقته المميزة بالرئيس الشهيد رفيق الحريري وإطلاقه ثورة الأرز إثر اغتياله، كان سمير فرنجية يقرأ ملامح العنف ويفكك آثاره وسيروراته وآليات عمله في الفضاء اللبناني العام.

من هنا كان شغله على المفاهيم ومحاولة تأصيلها وضبط معانيها واحدا من أبرز همومه، وفي تلك الخلاصة المستقاة من كتابه يفرّق بين فكرة التقاسم المؤسسة لمنطق تعايش الطوائف مع بعضها البعض وبين مفهوم العيش معا.

تقوم فكرة التقاسم على أنقاض الدولة والوطن وتؤكد على استحالة وجود الكائن الحقوقي الذي يسمّى المواطن بوصفه كائنا متدخلا في السياسة وممارسا لها كشرط عام لوجوده في مجتمع تبادلي يخضع لسلطة القانون.

التقاسم هو نتيجة العزلة وخلاصتها وتعبير واضح عن رفض العيش وربما يكون النسب مقطوعا بين مفردتي التعايش والعيش، فإذا كان العيش يعني الإقامة الدائمة والثابتة فإن التعايش لا يتجاوز حدود المؤقّت والعابر والسطحي.

إنه صيغة تفاهم محدودة تتجهّز فيها القوى المتنافسة للعودة إلى الاحتراب حالما تتنسّم في نفسها من عناصر الغلبة والتمكن، ما يؤهلها للانقضاض على الآخر الذي لا يرى فيه فرنجية سوى الذات نفسها، لا بل يجعله شرطا لوجودها.

الآخر يكثرنا ويجرنا نحو الاكتمال وبدونه نبقى في النقص والخلل. مفهوم العيش معا الذي دافع عنه فرنجية وكرسه كخلاصة لفكره ينطوي على جملة من الأبعاد تتجاوز بل تناقض فكرة التعايش بين الطوائف والمكونات المختلفة.

أن نعيش معا يعني أنه لا يوجد سوى عيش واحد يتشارك الجميع في صناعته دون تمييز، وحينها سيكون التسبب في أيّ خلل في هذه البنية العامة المتصلة والمتماسكة والتي لا يمكن تقسيمها إلى وحدات صغيرة بمثابة تهديد كلّي يفترض من الجميع الوقوف في وجه استفحاله.

الحقوق الطائفية ومجازرها

الرغبة في السلطة في نظر سمير فرنجية هي الرغبة العامة التي يتقاتل الجميع عليها

يثبت واقع العودة إلى خطاب حقوق المسيحيين وحقوق المسلمين وحقوق الدروز الذي تتبناه جلّ التيارات الممثلة للطوائف بوصفه مدخلا لممارسة السياسة، فكم كان سمير فرنجية رائيا في مشروعه. منطق الحقوق الطائفية يقع في نظر فرنجية خارج السياسة أساسا لأنه مرتبط بالعنف الذي كان قد وعى مبكرا أن اندلاعه يعني موت السياسة والدخول في زمن المجازر.

ينطوي كذلك على بعد يكرّس ميزان القوى كناظم أعلى لوجود الجماعات ويجعل من قبول جماعة تمتلك من عناصر القوة ما يجعلها تتفوّق على الآخرين بالتعايش بوصفه نوعا من الكرم الفائض الذي يجب أن يقابله الطرف الآخر بالولاء.

هكذا يكون السّلم الناتج عن لحظة التعايش بصيغته الطائفية إمّا تكريسا لواقع غلبة لطرف معين على باقي الأطراف، وهو ما أثبتت التجارب أنه واقع لا يدوم كثيرا أو تعبيرا عن حالة إنهاك وتفكك في صفوف التيارات المتنازعة يحول دون الحرب ولكنه يجعل التخلص من آثارها والمتمثل في بناء الدولة والمؤسسات مستحيلا.

يروي في إحدى المقابلات سيرة اصطدامه بالعنف مع مجزرة زغرتا التي جرت في 16 يونيو عام 1957 خلال الانتخابات النيابية. وقد أسفرت تلك المجزرة عن مقتل 33 شخصا بشكل مروع داخل كنيسة مزيارة.

خلّفت هذ المجزرة تأثيرا شخصيا على سمير فرنجية الذي كان عمره حين وقوعها لا يتجاوز الـ12 عاما، تمثل في أنها جرحت والده المناهض للعنف في الصميم وتسببت له بنزيف دماغي اضطر إثره إلى الخروج من الحياة السياسية.

خلقت تلك المجزرة المروّعة التي سيتناولها الروائي جبور الدويهي بعد 50 عاما على وقوعها في رواية “مطر حزيران” مناخا من استحالة السياسة خلق الحرب الأهلية الأولى في 1958.

توالت اختبارات العنف في حياة سمير فرنجية وكان أحد فصولها البارزة مجزرة أهدن التي جرت عام 1978، حيث اقتحمت مجموعة مسلحة تنتمي إلى ميليشيا حزب الكتائب منزل طوني فرنجية الابن البكر لرئيس الجمهورية سليمان فرنجية وأردته مع زوجته وابنته وأكثر من ثلاثين شخصا.

ثورة الأرز الكامنة

كانت مجزرة إهدن حدثا تأسيسياً لسلسلة من الأحقاد والعداوات غير القابلة للاندثار ومقدمة لتطوير رؤية تنظر إلى العنف بوصفه فعلا يهدف دوما إلى توكيد ذاته وإلى الاستمرار والخروج من دائرة الاستثناء ليصبح هو القاعدة. كان اغتيال رفيق الحريري عام 2005 فعل العنف الذي فرض ثقله على المرحلة الأخيرة من حياة سمير فرنجية فبعد اغتيال الحريري بأربعة أيام أطلق ثورة الأرز.

شغله على المفاهيم ومحاولة تأصيلها وضبط معانيها يعد واحدا من أبرز همومه، وفي تلك الخلاصات المستقاة من كتابه "رحلة إلى أقاصي العنف" يفرق فرنجية بين فكرة التقاسم المؤسسة لمنطق تعايش الطوائف مع بعضها البعض وبين مفهوم العيش معا

نجحت هذه الثورة في تحقيق مطلب إخراج الجيش السوري من لبنان ولكنها فشلت في بلورة خطاب يلائم بين آمال الناس الذين صنعوا المشهد المليوني في 14 آذار وبين منطق السياسيين والأحزاب.

كان المشاركون في ذلك الحدث ينطلقون من كونهم أفرادا، ولكنّ السياسيين كانوا يريدونهم أن يتحولوا إلى جماعات لا تنطق باسم ذاتها وهمومها وآمالها بل تنيط الأمر إلى القيادات الحزبية. كان فرنجية منحازا إلى الفرد وكان يرى أن فعل التواصل المؤسس للخروج من دوامة العنف إنما هو عمل أفراد.

يشكل الفكر الفرنسي أهم الروافد التي استقى منها سمير فرنجيه قراءته لمسارات العنف اللبناني. كان المفكر رينيه جيرار يعتبر العنف بأنه الرغبة في امتلاك رغبة الآخر بشكل يماثل بين الناس ويغدو فيه كل شخص توأم خصمه أو نسخة عنه.

لقد استخدم فرنجية المقاربة الجيرارية لتفسير العنف اللبناني عموما. وربما يكون واقع اللحظة برهانا ساطعا على مدى صوابية هذه الرؤية التفسيرية التي تتجلّى في اتجاه المناخ العام في البلد إلى التوأمة مع حزب الله، حيث نرى أن القوى السياسية العديدة المتخاصمة معه خضعت لغوايته وباتت تطمح إلى التحول إلى نسخة عنه.

الرغبة في السلطة هي الرغبة العامة التي يتقاتل الجميع عليها وهي إذ توحد بين المتخاصمين تنتج سلوكا منافسا يتبنى العنف. تفوّق أحد الأطراف في معادلة القدرة على الحصول على السلطة لا يعطل آليات عمل الرغبة فيها الخالقة للعنف بل يساهم في تعميقها أكثر وأكثر، وتجعل الأمور في البلد ميالة إلى إعادة التجربة نفسها مرارا وتكرارا بوجوه جديدة.

ينتقل فرنجية من الإطار التفسيري المرتبط بجيرار ليخلص إلى نتيجة مفادها أن لا بديل عن الرفض المطلق للعنف، ويطرح التواصل بين المتخاصمين كبديل فاعل عن الركون إليه.

نقيض العنف كما ورد في مقدمة كتاب فرنجية هو “صلة الوصل بين أفراد ينتمون إلى طوائف وجماعات مختلفة وهنا لا يعود هدف التواصل والحوار هو التوصل إلى تسويات بل بلورة مشروع مشترك للعيش بين مختلفين”.

إن التواصل يقوم بمهمة تحويل الآخر من خصم ومنافس إلى جزء أساسي من الذات، وبذلك لا يعود للتنافس المحموم على السلطة أيّ معنى فعلي، لأنها تصبح ملكا عاما لا يمكن لأيّ طرف إنتاجه وامتلاكه بمعزل عن الآخر.

معنى الهويات

تفوق أحد الأطراف في معادلة القدرة على الحصول على السلطة لا يعطل آليات عمل الرغبة فيها

ما يطرحه فرنجية أبعد من حدود الاعتراف بالآخر والتفاهم معه، فلقد أثبتت الصياغات والتنظيرات المتتالية التي اعتمدت مثل هذه المقاربات عن قصور حاد في فهم عمق الأزمة اللبنانية واستفحالها.

من هنا تكتسب مقاربة فرنجية جدواها وأهميتها النابعة من أنها أسست قبل كل شيء لضرورة التخلص من أدوات تحليل وقراءة تجاوزها الواقع اللبناني الذي يفرز بشكل متواصل عناصر جديدة ومعقدة تتطلب تجديدا دائما لأدوات التفكير. كذلك تبيّن أن خطاب الاعتراف بالآخر لا يلغي آخريته، بل يكرس الاختلاف دون أن يسمح بجعله جزءا من هوية متعددة في ظل عيش واحد.

لم يملّ فرنجية من دعوة اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا إلى إسقاط كل أنواع الرهانات من “الرهان على المقاومة الفلسطينية لبناء نظام أكثر عدالة وتوازنا، إلى الرهان على سوريا لإنقاذ المسيحيين، إلى الرهان على إسرائيل لإنهاء الوجود الفلسطيني في لبنان وصولا اليوم إلى الرهان على إيران لإنقاذ مسيحيي الشرق”.

كل واحد من هذه الرهانات كان عنوانا لمرحلة دموية وتأسيسا لهويات قاتلة ما برحت تتكاثر على الرغم من أنها لم تستجلب لأصحابها ومعتنقيها سوى الخراب والدمار، كما أنها جعلت من تعريف الذات القائم عليها معرضا لشتّى أنواع الغموض والالتباس.

ما معنى الهوية المسيحية أو الهوية الإسلامية في لبنان حاليا؟ نعلم جميعا انطلاقا ممّا أرساه فرنجية من عناصر قراءة وتفكير أن الجواب على هذا السؤال راهنا يكشف عن صيغة هوية تردد أصداء الانحياز إلى أحد أطراف النزاع المشتعل في المنطقة، ما يجعلها بعيدة عن الثبات والاستقرار ومعرّضة لخطر التلاشي والزوال.

يبقى أهم ما كرسه فرنجية هو التأسيس للبنان ما بعد سقوط الرهانات الذي يشكل فيه مفهوم “العيش معا” منطلقا للخروج من أوهام المؤتمرات التأسيسية وهذيانات الاستقواء والغلبة.

كاتب لبناني

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر