الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

'الهياط' ظاهرة اجتماعية في السعودية تهدر الطعام بالأطنان

  • في الدول العربية، وخاصة السعودية، تسجل مستويات إهدار عالية للأطعمة بسبب العادات والتقاليد الاجتماعية التي تتحكم في أنماط الاستهلاك، ففي المناسبات الاجتماعية المختلفة، وحتى من دون مناسبات أحيانا، تقام الولائم وتعرض كميات ضخمة من الطعام، عملا بالمثل الشائع "يزيد ولا ينقص"، قد تبلغ ما يناهز النصف طن حسب الإحصائيات.

العرب  [نُشر في 2017/08/18، العدد: 10726، ص(20)]

صحون كثيرة لأفراد قليلين في المناسبات

الرياض - كشفت المنظمة العربية للزراعة عن أن الدول العربية أهدرت حوالي 85 مليون طن من الغذاء عام 2014 وحده، كما كشفت مؤسسة "باريلا " الإيطالية للغذاء والتغذية عن أكثر خمس وعشرين دولة تبذيرا للطعام، حيث تصدرت السعودية هذه الدول بتبذير الفرد الواحد من مواطنيها ما يناهز 427 كيلوغراما من الأطعمة سنويا، وهو ما يتجاوز ضعف المعدل العالمي.

تأتي هذه الأرقام في ظل المجاعة التي تضرب ثلث سكان اليمن الذي يتشارك بحدوده الشمالية مع السعودية، كما تشهد سوريا تدهورا في الإنتاج الداخلي بسبب الصراع الداخلي.

وأشارت الإحصائيات في هذا الصدد إلى إهدار ثلث العالم لحوالي 750 مليار دولار عالميا، في حين يعاني ما يزيد على 800 مليون شخص حول العالم، خاصة في دول الشرق الأوسط التي تشهد صراعات وحروبا، وفي أفريقيا التي تعاني من المجاعة المزمنة.

وبالرغم من التحذيرات المستمرة حول مخاطر هدر الغذاء عالميا، يجهل البعض أن هدر الغذاء يهدد الاقتصاد والبيئة معا، فرمي الفائض من الغذاء في حاويات القمامة هو سبب أساسي لإصدار غاز الميثان الذي يعد أخطر بـ21 مرة من غاز ثاني أكسيد الكربون.

وذكرت منظمة الأغذية والزراعة، المعروفة اختصارا بـ”الفاو”، في تقرير صدر عام 2016 أن 30 بالمئة من الإنتاج العالمي من الأطعمة يهدر سنويا قبل أن يصل إلى موائد المستهلكين.

تجميع الأطعمة السليمة وإعادة تعبئتها لتوزيعها على المحتاجين ضرورة ملحة

تلك الكمية تكفي لإطعام كافة الجوعى في العالم، وعزت المنظمة التابعة للأمم المتحدة، إهدار تلك الأطعمة في الدول النامية والدول الغنية إلى أخطاء في التخزين والنقل، إضافة إلى بعض العادات والتقاليد، وحتى الطقوس المرتبطة باستعمال الأطعمة واستهلاكها.

هدر الطعام في السعودية

في دول الخليج العربي، تسجل مستويات إهدار عالية للأطعمة بسبب العادات والتقاليد الاجتماعية التي تتحكم في أنماط الاستهلاك، ففي المناسبات الاجتماعية المختلفة، وحتى دون مناسبات أحيانا، تقام الولائم، وتعرض كميات ضخمة من أشهى الأطعمة والمشروبات التي تعكس كرم الداعي إلى الوليمة، سواء كان فردا أو من يمثل قبيلة من القبائل، لتلقى بعد ذلك في القمامة متسببة في مخاطر بيئية وخسائر اقتصادية.

وكشف مؤتمر “إطعام الدولي”، الذي عقد في الـ10 من أبريل 2017، وصول حجم الهدر الغذائي في السعودية إلى 173 مليار متر مكعب من الماء سنويا، وهو ما يؤدي إلى انبعاث مليار طن من غاز الميثان، في حين وصلت كمية الهدر في الخبز والمعجنات إلى 35 بالمئة، وفي الأرز المستورد 30 بالمئة، وبلغ المفقود اليومي من الخضروات في أسواق الرياض خمسة أطنان.

وقال الأمين العام لجمعية إطعام الخيرية، عبدالعزيز النغيثر، إن “مجموع الطعام المهدر، وفائض الطعام في البيوت السعودية، يبلغ ثمانية ملايين وجبة يوميا”، علما أن المملكة تستورد أكثر من 60 بالمئة من احتياجاتها الغذائية.

بقايا وجبة الأغنياء تطرد جوع الفقراء

وأضاف، “بينما ترتفع نسب إهدار الطعام في المملكة، يموت إنسان بسبب الجوع كل 3 ثوان ونصف الثانية”، مؤكدا أن “الأسر السعودية تنفق ما يقرب من 26 بالمئة من دخلها على الطعام”.

وطبقا لبعض الإحصائيات، تجد 16 مليون وجبة غذائية طريقها إلى القمامة السعودية يوميا في الرياض وشرق البلاد فقط، حسبما ذكرته وزارة الزراعة السعودية، وكما أشار تقرير جمعية “إطعام” الخيرية.

التباهي والإسراف

تنتشر ظاهرة الإسراف في الطعام في المناسبات العامة والخاصة وفي رمضان، ففي حفلات الزواج مثلا تقام الولائم باهظة التكاليف في حين لا يأكل الناس خلالها إلا كميات قليلة مما قدم إليهم، ثم يذهب معظم ذلك الطعام إلى صناديق القمامة.

يقول أحد المواطنين حضرت زواجا لأحد الأصدقاء، ورأيت الحضور لم يتجاوز عددهم خمسين أو ستين شخصا على أكثر تقدير، في حين أن عائلة العريس ذبحت عشرين خروفا وجملا، وحين جهز العشاء ودخل الضيوف إلى صالة الطعام، كان هناك عدد كبير من الموائد لم يجلس حولها أي أحد، بينما بعضها يوجد عليها طفلان أو ثلاثة. ويقول صاحب العرس إنه كان يتوقع أن يكون عدد الحضور أضعاف ذلك العدد، والمثل يقول “يزيد ولا ينقص”.

وتحدث مواطن آخر يدعى أبونواف إن أحد أصدقائه قص عليه مرة، أن رجلا ثريا، أعد وليمة عشاء لحفل زواج قدم فيها قصاعا كبيرة فيها جمال محشوّة بالخرفان، مشيرا إلى أن الإسراف عادة منبوذة.

ويقول، من شدة الفرحة بالزواج تجد هذا الإسراف واضحا أثناء الأعرس، مقترحا على أصحاب الولائم إذا وجدوا ما يزيد عن حاجات ضيوفهم، عليهم أن يتعاونوا مع الجمعيات الخيرية، على توزيع فائض الوليمة على المساكين والفقراء من مواطنين ومقيمين وهذا حل مؤقت وليس حلا جذريا للمشكلة لأن الحلول الحقيقية تكمن في الوعي بالاستهلاك.

ويقول مواطن آخر، إن الإسراف في ولائم الزواج واقع مريب، فقد رأينا البعض يقدم مائدة طولها تقريبا خمسة أمتار تزينها أنواع عديدة من لحوم الإبل والغنم والتيوس، مؤكدا على وجوب محاربة هذه الظاهرة.

ظاهرة التسابق في الإسراف والبذخ خلال المناسبات وشهر رمضان عادة غير سوية يريد أصحابها المبالغة في التباهي أو التفاخر وذلك ما يسميه السعوديون “الهياط”، وأصل الكلمة مأخوذة من “هيط” وهي عامية تعني فعل ما لا يمكن، ليس لهدف معين إلا للفت الأنظار وجلب الانتباه.

أفواه جائعة وأطنان من الطعام تهدر

ويظهر الهياط في تقديم أحدهم لكل ضيف من ضيوفه ذبيحة كاملة يأكل منها الضيف لوحده دون غيره كما يظهر في المبالغة في أسعار الإبل والأغنام وحمل السلاح في مناسبات الأعراس لتصل إلى الغسيل بدهن العود الثمين ونثر الهيل في المجلس أمام الضيف، وكذلك غلي الأوراق النقدية مع القهوة أو استخدامها بدلا عن “البيز” الذي يستخدم لمقابض الأواني الساخنة، وهو أمر يثير الدهشة حتى في صفوف المجتمع السعودي.

ويرجع الأخصائيون الاجتماعيون أسباب الهياط إلى حب الشهرة والتباهي أمام الناس، فيظهر لهم أنه سخي وجواد، فينال ثناءهم ومدحهم ، لذا ينفق أمواله جزافا، وقد يكون سبب الإسراف محاكاة وتقليد الغير، فينفق الفرد أمواله كيفما كان من غير تبصر أو نظر في العاقبة التي سينتهي إليها. ويعلق عبدالله الزغيبي، أحد العاملين في مجال الصحة النفسية، أن الهياط قد يكون مرضا نفسيا، وهو شعور بالنقص يتولد لدى الإنسان ليكمله بطريقة أو بأخرى.

وقال إن مشهد الغسيل بدهن العود لا يمكن أن يكون مشهدا عاديا وليس له مبرر سوى الهياط، وكذلك لا يمكن أن يكون مشهد إشعال الحطب بالأوراق النقدية سوى الهياط.

ويرى أخصائيون نفسيون أنه لا يمكن علاج الهياط إلا بالقوانين الصارمة التي تجرم بعض الأفعال كما حدث في المقطع التمثيلي للتظاهر بنحر الابن من أجل إرضاء الضيوف.

ويرجع العديد من المهتمين والمغردين السعوديين على موقع التواصل الاجتماعي تويتر انتشار مقاطع الهياط إلى البحث عن الشهرة.

وفي هشتاغ ضد الهياط في تويتر، اعتبر مغردون أن أسوأ أنواع الهياط هي الإسراف الكبير في موائد الطعام لأجل التصوير والتفاخر. وشهدت الحملة نشر صور عن المحتاجين في العالم لأجل الحد من هذه الظاهرة.

مواجهة رسمية وشعبية

الأرقام المفزعة التي أظهرتها الجهات الرسمية، والتقارير الدولية، دفعت المملكة العربية السعودية للتحرك على المستويين الرسمي والشعبي للحد من ظاهرة الإسراف وإهدار الطعام، لما يسببه من أضرار للموارد الطبيعية، وتلوث لمصادر المياه.

اهدار الطعام ظاهرة عالمية

وشهدت السعودية مؤخرا عدة مشاريع ومقترحات، وبدأت وزارة العمل السعودية، في فبراير 2017، بالتعاون مع وزارة الزراعة، وعدد من الجمعيات الخيرية، العمل على الحدّ من هدر الطعام، الذي يكلّف 13 مليار دولار سنويا، بحسب تقديرات وزارة الزراعة.

وبالتعاون مع وزارة الشؤون البلدية، وجمعيّتي “إطعام” و”سكينة” الخيريتين، وضع نظام للاستفادة من أكثر من 34 بالمئة من الطعام الفائض في البلاد، ويشترط النظام التنسيق مع إحدى الجمعيات الحاصلة على ترخيص، لضمان توزيع الطعام على من يستحقه في المملكة.

كما تدخل مجلس الشورى السعودي، وأصدر توصية تلزم الجهات المعنية بسن قوانين لمكافحة التبذير ومعاقبة المبذرين، والترشيد الغذائي.

وطالبت جهات اجتماعية وإعلامية بإنشاء مركز وطني للترشيد ومحاصرة الإسراف، وفرض غرامات مالية بحق الأفراد والأسر التي ترمي فائض الطعام، خصوصا في الأعراس والحفلات الكبيرة.

وشارك نشطاء المجتمع المدني ووسائل الإعلام، والمبادرات التطوعية بقوة في مواجهة القضية، حيث عمد نشطاء التواصل الاجتماعي إلى نشر مقاطع مصورة تظهر الكيفية التي يتم بها الإسراف في الحفلات العائلية العامة.

أما الجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية فقد أسهمت أيضا من خلال وسائل الإعلام بكل ما تملك من أدوات التأثير لتوعية الرأي العام بهذا الأمر.

وأطلق عدد من الشباب مشروع “ماعون” لحفظ الطعام المهدر، والتصدي لظاهرة إهدار الطعام المنتشرة في السعودية.

ويؤكد صاحب الفكرة ومدير المشروع سعود سلامة قائد أن “ماعون”، هو مشروع لحفظ النعمة، نابع من أفكار شباب سعوديين من مختلف المجالات.

وعن الفوائد المتوقعة من تنفيذ هذه الحملات يقول المدير التنفيذي لجمعية إطعام “تقدير الكميات المناسبة عند إعداد الأطعمة سواء للأسرة أو للضيوف، وكذلك كيفية تجنب إهدار بقايا الطعام، من دون إلقائها كمخلفات في صناديق القمامة، وتجميع الأطعمة الجيدة السليمة وإعادة تعبئتها لتوزيعها على المحتاجين، مشيرا إلى أن الجميع شركاء في حفظ الطعام وتجنب الهدر، ابتداء من البيت إلى المدرسة إلى الجامعة إلى المؤسسات بمختلف أعمالها”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر