الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

مصير أسود ينتظر المسيحيين العرب في الشرق الأوسط

  • تنبئ الصراعات المحتدمة في عدد من بلدان الشرق الأوسط، والتي بدأت تتخذ أبعادا طائفية ومذهبية خطيرة، بمستقبل سوداوي يُهدد تواجد الأقليات ويضرب قيم التعايش التي طالما عرفت بها المنطقة في مقتل. وتجسد المعاناة التي يعيشها المسيحيون العرب، تحديدا، جراء ما لحقهم من تهجير وتشريد، شدّة هذه الأزمة متعددة الأوجه التي تمر بها المنطقة، والتي تنامت حدتها وما زالت تنبئ بالأسوأ، في ظل تفكك الدول وغياب مفهوم المواطنة.

العرب د. حسن مصدق [نُشر في 2015/08/13، العدد: 10006، ص(6)]

الحيرة واليأس يطغيان على نظرة المسيحيين العرب إلى مستقبلهم

أمام تحولات الشرق الأوسط وما يشهده الوضع من تصدع في الأنظمة السياسية والبُنى الاجتماعية والعلاقة بين الطوائف، تُثار وضعية حضور المسيحيين العرب في المنطقة، حيثُ يتأرجح مصيرهم اليوم بين وجود مهمّش وإقصاء وتهجير، يجعل من وضعيتهم الحالية بين المطرقة والسندان.

وتنتاب المسيحيين العرب اليوم حالة من الخوف بسبب ما يتعرضون له من عنف لم يسبق له مثيل في تاريخ المنطقة، جراء ما يُفرض عليهم من إتاوات وما يطالهم من خطف وذبح وتقتيل وتهجير، حيث بات استهدافهم من طرف التنظيمات الإرهابية المتشددة عُملة رائجة.

وهو ما بات يهدد بإفراغ المنطقة من ثرائها الروحي والثقافي والفكري الذي عرفت به منذ قرون. وذلك في مقابل غياب تام لدور عربي وازن، يواجه خطر التحديات المرتبطة بحماية أقلياتها الدينية، واختلال توازن المشهد السياسي تحت ضغط السلاح والعنف واستخدام ميليشيات محلية طائفية.

والحال أنّ كل رؤية سياسية وإعلامية تدفع بوصف مُغاير للآخر وللأقليات، يُغذيه تنوع وتعقد التجمعات المسيحية نفسها، فضلا عن انقسام المسيحيين بين كنيسة أرثوذكسية مشرقية، وكنيسة أرثوذكسية شرقية منذ مدة طويلة.

حالة من عدم الوضوح تعدّدت معها التسميات بين “المسيحيون العرب”، “مسيحيو الشرق”، “مسيحيو الشرق الأوسط”، “مسيحيو المشرق” و”مسيحيو الشرق الأدنى”، وهي تسميات تستبطن رؤية سياسية غير بريئة، تقصد عزلهم عن انتمائهم العروبي، وتجعلهم أقليات دخيلة على النسيج الاجتماعي العربي، وقد تترتب عنها خرائط دينية وسياسية والتزامات إقليمية ودولية خطيرة.

وتعتبر تسمية “المسيحيون العرب”، من بين تلك التسميات، الأقدر حفاظا على الانتماء العروبي الملقح ضد الأيديولوجيات، فهي تعترف بالحق الديني وتجعل منه اعترافا بالحضور والوجود، مما يحفظ للتنوع الديني حقه وشرعيته في رباط الأخوة والمواطنة، وتجعل العرب المسلمين والعرب المسيحيين أخوة في المصير والمستقبل المشترك؛ فهم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي العربي المحلي، وهم أيضا، جزء من معاناة عامة أصابت جميع مواطنيهم على اختلاف انتماءاتهم دون استثناء.

والثابت أنّ الكل في الشرق الأوسط يعاني من ويلات الحرب الأهلية والتعصب ومخاطر انهيار الدولة الوطنية، بالإضافة إلى فوضى التفكيك التي ألمت بالأوطان جراء تدخلات عسكرية أجنبية كارثية، وضعت الاستقطاب الطائفي والمحاصصة على رأس أولوياتها لإضعاف الدولة المركزية.

عروبة مسيحيي المنطقة ضاربة في القدم، وهي محصلة ألفي سنة من التواجد جعلتهم متشبعين بالتقاليد العربية

معاناة متعددة الأوجه

أضحى جليا اليوم أنّ معاناة المسيحيين العرب تزداد بشكل كبير، حيث أن الصراعات وضعتهم في أتون خيارات لا يحسدون عليها؛ دفع الجزية أو الهروب أو تغيير الملة أو الموت. وفي ظل العنف الدائر في المنطقة وقع اعتبارهم مواطنين من درجة ثانية بفعل الجدل الدائر حول الوضع القانوني لغير المسلمين، بعد أن كانت الدولة الوطنية في الشرق العربي قد حسمت هذا الأمر بعد أن دفع المسيحيون العرب مع إخوانهم تضحيات كبيرة في سبيل تحقيق الاستقلال الوطني. لكن لا يمكن حصر أسباب معاناة المسيحيين وأوجهها في دائرة دينية بحتة، بل هي في الأصل معقدة ومركبة تختلط فيها أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، تقف في وجه التعايش المشترك واستمرار الحوار والتواصل، وهي كالتالي:

* أولا استمرار الاستقطاب السياسي الحاد في الوطن العربي، وعدم قدرة الدول على مسايرة تطلعات شعوبها بالشكل المطلوب والعمل على دمج الجميع، فضلا عن غياب أسس الحوار السياسي السليم والسلمي، وغياب رؤية تفصل بين الجماعة الدينية والجماعة السياسية، ممّا يحول دون اندماج واستيعاب الأقليات والمسيحيين بشكل خاص في نسيج الدولة ومؤسساتها على قاعدة المواطنة.

* ثانيا تنامي خطاب إسلامي إقصائي ومتخلف في فهمه لأسس الدولة المدنية الحديثة، يسعى إلى حكم المجال السياسي والمدني باسم الدين، واحتكاره في قاعدة الملة والذمة، فضلا عن إضفاء المقدس على خطابه ومحاولة إقصاء الآخرين، حيث يستوي كل المواطنين الآخرين المختلفين معه أمام هذا الإقصاء، فحتى المسلمون لم يسلموا من توظيف هذه الجماعات لشعارات دينية بغاية التهميش والتشويه والتكفير. فضلا عن حضور طاغ لفقه الذمية بشكل سطحي وفج، وعدم نجاح الإسلام السياسي الذي يدعي النشاط السلمي في تطوير فقه المواطنة.

محاولة بعض الأنظمة استغلال الأقليات الدينية وجعلها ملحقة وتابعة لنظامها

* ثالثا محاولة بعض الأنظمة استغلال الأقليات الدينية وجعلها ملحقة وتابعة لنظامها بروح “أبوية” تبعية ومتوقفة عليها، حيث تدفع ببعض الأعيان والإكليروسات والزعامات إلى الواجهة على قاعدة “الزبونية” والمحاصصة، حيث تتحكم في طائفتها كإقطاعيات متوارثة، فيما تعاني الأغلبية من عدم المساواة القانونية.

* رابعا دخول إشكالية الأقليات في العالم العربي معترك الألاعيب الجيوسياسية والدولية، حيث تحاول القوى الكبرى استغلال أوضاع الأقليات الحالية لمزيد من التدخل والاستقطاب بسبب الوضع القانوني لغير المسلمين وعدم ترسيخ مفهوم المواطنة القانونية والسياسية، وخاصة عدم قبول شهادتهم في المحاكم.

ضعف ثقافة المواطنة

جعل قصور الدولة العربية الحديثة عن استكمال مقومات البناء الوطني وعدم تطور الوضع السياسي وفق قاعدة الانفتاح والإدماج وازدياد احتكار السلطة والثروة قابلية تلك الدولة للتأثر بالأخطار الموجودة والمحدقة كبيرة، حيث أن البناء المعرفي والثقافي والسياسي لم يعد مرتبطا بمرحلة التنوير، لدرجة لم تستطع الدولة معها أن تتحول إلى قوة ناعمة وجاذبة لكل الشرائح الاجتماعية والسياسية، بل إنّ الأخطاء السياسية التي وقعت فيها جعلت من مشاكلها المزمنة كرة لهب متوقدة، وأصبح مصعد السلم الاجتماعي معطلا، وتنامت وتيرة التفاوت الاجتماعي في ظل ازدياد تركز السلطة والثروة، وتوسع نطاق البطالة والتهميش، مما جعل الرايات المرفوعة لتغيير الأوضاع بيد “داعش” وغيره، في وقت تجاوز فيه الزمن هذا النوع من التغيير ووسائله.

والحال أنّ أدبيات الإسلام السياسي فاقمت الأمر، حيث لم تقدم نموذجا جديدا للحكم يراعي حقوق الأقليات الدينية وانتماءها الوطني، فهي تعاملت مع المسيحيين كجماعة دينية، وتجاهلت كليا المواطنة، فيما ساهمت في خلق استقطاب ثقافي وفكري حاد حول عاداتهم ومناسباتهم الدينية، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد ترويج تصورات فقهية شديدة التعصب، تطالب المسلمين بعدم تقديم التهاني لهم في أعياد الميلاد وعدم مصافحتهم، فيما زاد التردي السياسي والاقتصادي وشيوع الفوضى مع حدة الولاء للانتماءات الأولى وتوظيفها في الصراع السياسي الأزمة استفحالا، بدلا من زرع قيم الدولة الوطنية الحديثة، والمواطنة القائمة على قاعدتي تكافؤ الفرص والمساواة.

والواقع أنّ عناصر الانقسام ما زالت مستمرة بأشكال مختلفة في العالم العربي، في تغذية البيئات المنتجة للتطرف والانتقام الأعمي والكراهية ونظرية المؤامرة، نتيجة للجمود والانغلاق على النفس، والعجز عن إطلاق الطاقات، وغياب روح المبادرة لدى الأجيال الجديدة، مما أسهم في انفجار سلوكيات متوحشة وإعداد كتل موقوتة وانفجارية.

أضحى جليا اليوم أنّ معاناة المسيحيين العرب تزداد بشكل كبير، حيث أن الصراعات وضعتهم في أتون خيارات لا يحسدون عليها

أمّا على مستوى الاستقطاب الديني داخل العالم الإسلامي، وبقدر ما ظل فضاؤه ساحة للانقسامات ثم النكسات، بقدر ما نلمس تفجر عنف وعنف مضاد بين الطوائف الدينية والمذهبية والعرقية، يساهم في تأليب من يجيدون الرقص على حبال احتكار الرحمة الربانية بالتقسيط، وبيعها في مزاد السوق الدينية لأغراض سياسية ومذهبية مقيتة.

وتاريخيا، لم تخرج الدولة العربية الحديثة من المعالجة العقيمة لمشاكل الأقليات، فهي ما زالت تتعامل بمنطق قديم ساد لدى السلطنة العثمانية، حيث تجعل كل طائفة مسؤولة على رعاياها وملتها، وتمنح العطايا والمنح وفق مزاج القائمين على السلطة. وهو ما يدلّ على أنّ ما يعانيه المسيحيون اليوم هو جزء من ضعف ثقافة المواطنة ودولة الحق والقانون، ويجعل المشكلة أعقد من علاقة بين مسيحيين ومسلمين، ومسيحية وإسلام.

وقد أسهمت هذه العوامل، بالإضافة إلى العنف المتنامي، في تهجير المسيحيين العرب ودفعهم للرحيل، حيث لم يعد أمامهم من خيار سوى العزلة الشديدة في مناطق جبلية وعرة أو دفع الإتاوة صاغرين، وهو ما يجردهم من مواطنتهم وولائهم لأوطانهم بعدما استطاعوا أن يقيموا علاقات أساسها التعايش مع مواطنيهم من العرب المسلمين طيلة قرون.

ولا يخفى على أحد أنّ عروبة مسيحيي المنطقة ضاربة في القدم، وهي محصلة ألفي سنة من التواجد المتواصل، مما جعلهم متشبعين بعادات وتقاليد عربية محضة، حتى أنّ المبشرين فشلوا في “تمسيحهم” مرارا على الشاكلة الغربية، لأن مسيحيتهم أصيلة وقديمة.

وبالعودة إلى التراجع القوي الذي أصاب التواجد المسيحي العربي، يتجلى أن بدايته تزامنت مع الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، والذي كان له وقع كارثي على هذا الحضور التاريخي، جعل منه مصيدة وفخا في العراك الطائفي الذي تم تفجيره في العراق، حيث غادر 90 بالمئة من المسيحيين العراقيين أراضيهم بين عامي 2003 و2004. ولاحقا، ومع اندلاع الثورة السورية سنة 2011، سُجّل فرار حوالي 300 ألف مسيحي سوري هربا من سعير الحرب.

هذه الموجات المتتالية من الهجرة والتهجير، تسببت في تراجع كبير للحضور المسيحي في العالم العربي، وهو ما يؤشر على انهيار آخر الجسور التي تربط بين الغرب والشرق، مما يجعل من المنطقة صحراء قاحلة فكريا وروحيا، ومهددة بالانكفاء على ثقافة منغلقة ومنعزلة عن العالم.

والحال أن الحضور المسيحي في المنطقة قد شكل على مدى قرون مضت رافدا مهما للحضارة العربية، تمتع فيه المسيحيون بخصوصية حافظت على تواجدهم الديمغرافي والجغرافي عبر مختلف الأحقاب والعصور.

سيناريوهات سوداء

يعود التوزيع الجغرافي للتواجد المسيحي في منطقة الشرق الأوسط إلى أسباب تاريخية، يفسرها تنوعهم الثقافي والديني الكبير. ويتوزع المسيحيون على كامل أنحاء المنطقة تقريبا، بمختلف تشكيلاتهم؛ حيث يحضر الأرثوذكس الشرقيون (الذين يتوزعون بين الأقباط الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس) بكثافة، فيما يتواجد المارونيون في لبنان والأشوريون الكلدانيون في العراق والكاثوليك بين روم أنطاكية والإسكندرية بأفريقيا، والروم الأرثوذكس بالقدس، والروم الأرثوذكس بقبرص، كما يوجد الأقباط الإنجيليون، والأرمن الإنجيليون، وإنجيليو سوريا ولبنان، والأسقفيون في القدس ومصر وإثيوبيا وشمال أفريقيا وقبرص والخليج، والإنجيليون اللوثريون في الأردن، وإنجيليو إيران، وهناك أيضا الأقباط الكاثوليك، والكاثوليك اللاتين، والكلدان الكاثوليك.

ويشكل هذا التواجد التاريخي والجغرافي الممتد والمتنوع شهادة كبرى على انتمائهم المتنوع والضارب في جذور المنطقة، مما يكذب كل دعاوى إلحاقهم بالصليبية القديمة أو الجديدة، وتخوينهم أو جعلهم طابورا من طوابير الإمبريالية في المنطقة.

ويثبت هذا التنوع الشديد واستمراريته بأن الكتلة الدينية المسيحية متنوعة على الرغم من انتمائها إلى جغرافيا دينية مسيحية، كما يلاحظ أنّها انحازت في أغلبيتها إلى العروبة لغة وثقافة، إذا استثنينا كنائس الروم والأرمن الذين يتكلمون اللغتين الأرمنية واليونانية. وهو ما يجعلها حالة مسيحية عربية فريدة، لها ما يميزها من خاصيات؛ فهي ليست ناطقة بلغة واحدة، وتفرق بينها اختلافات عقدية وتغيب فيها قومية جامعة رغم مسيحيتها.

لكن هذه المسيحية العربية المتنوعة، لم تكن لتستمر في وجودها لولا مجتمعات مسلمة تميزت باحترامها لأصحاب الديانات الأخرى، كما أنّ الحكومات العربية المتعاقبة منذ الاستقلال من ربقة الاستعمار، حرصت على أن تستفيد العديد من الكنائس كما الجوامع والمساجد من مجانية مدّها بالماء والكهرباء، ولم تكن الحكومات تعترض في الغالب على بناء أو ترميم كنيسة، بل شاهدنا تسامحا دينيا وسعة صدر كبيرين في التعامل مع الأقليات الدينية ورعايتها.

الموجات المتتالية من الهجرة والتهجير، تسببت في تراجع كبير للحضور المسيحي في العالم العربي، وهو ما يؤشر على انهيار آخر الجسور التي تربط بين الغرب والشرق

لكن الوضع اليوم، اختلف كثيرا في كلّ من العراق وسوريا، حيث لم تعد الدولة قادرة على حمايتهم. وقد دفعهم هذا الواقع الجديد إلى الفرار من مدن عديدة شأن الموصل العراقية ومعلولا السورية غداة الهجوم الذي نفذه تنظيم “داعش”، كما وقع تدنيس الكثير من كنائسهم وتدمير البعض الآخر، وهو ما جعلهم حائرين بين الوقوف في وجه الأنظمة الحالية أو دعمها (خاصة في سوريا)، حيث أضحى الوضع في غاية الصعوبة.

وبدأ الخوف من تقسيم كل من العراق وسوريا يجر إلى أذهانهم صور حرب أهلية قاسية، فضلا عن فقدانهم لأوطانهم وتشتيتهم لا محالة في كل أصقاع الدنيا، فالمسيحيون، على عكس العلويين والأكراد والدروز، لا يتواجدون في مناطق جغرافية واضحة المعالم، بل هم يعيشون في جزر سكانية لا تواصل بينها، تجعل وضعيتهم في غاية الهشاشة والضعف.

هذا المشهد السوداوي، وما سينجرّ عنه من تداعيات، بات يفرض على العالم العربي عموما القيام بثورة ثقافية تتوخى تقديم أجوبة سياسية تجعل من التعددية قيمة ثقافية راسخة تنبذ المفاضلة على قاعدة الانتماء الديني والمذهبي، بما يجعل أرض الأخوة الإسلامية والمسيحية العربية تسير على هدي البيت الشعري القائل: وقرآنها اليوم إنجيلها … وإنجيلها اليوم قرآنها.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر