السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

التكنولوجيا تعيد معنى الحقيقة التي نسيها الجمهور

  • تاهت الحقيقة عندما كان الناس مجرد مجموعة صغيرة من المتلقين. اليوم تعيد التكنولوجيا قدرتهم على البحث عنها مرة اخرى، بعدما تحول كل الناس من متلقين إلى صحافيين وإعلاميين محترفين.

العرب إياد بركات [نُشر في 2017/02/20، العدد: 10549، ص(12)]

عين ثاقبة على الأكاذيب

يخترع الإنسان التكنولوجيا، فتعيد التكنولوجيا بدورها اختراع الإنسان، يصنعها ويشكلها، فتقوم مع مرور الوقت بصناعته وتشكيله، يغيرها فتغيره، يطورها فتطوره، وإن تركها أصبح متروكاً ومهملاً.

كلمة أو مصطلح “فيك نيوز”، دخلت المعجم العالمي في أكثر اللغات، وتصاعد رواجها حتى حصلت على لقب “كلمة العام” لعام 2016، في الأشهر القليلة الماضية كان هناك أكثر من ستة ملايين مقال ناقشت جميعها هذا الموضوع وذلك بحسب غوغل نيوز.

شاع استعمال المصطلح مع الانتخابات الأميركية، والاتهامات الكثيرة لفيسبوك بنشرها وتسهيلها، أو لمعسكر دونالد ترامب باستغلالها والاستفادة منها في حملته الانتخابية للبيت الأبيض.

خروج زوكربرغ في شهر نوفمبر من العام الماضي وقوله إنه لا يعتقد أن فيك نيوز وانتشارها على فيسبوك كان له أي تأثير على نتائج الانتخابات، أصبح حدثا إعلاميا عالميا، وناقش الجميع ظاهرة الـ”فيك نيوز” من جميع الجوانب الممكنة، خصوصا دور فيسبوك وشبكات التواصل الاجتماعي في انتشار الاكاذيب.

الأخبار الكاذبة أو الوهمية ليست ظاهرة حديثة، فقد صاحبت الإنسان منذ فجر الحضارة، وانتشرت أكثر مع انتشار وسائل الإعلام المختلفة.

في البداية كانت “وسائل الإعلام الجماهيرية” كالصحف والراديو والتلفزيون، ثم انتشرت “وسائل الإعلام الاجتماعية” مع ظهور عالم الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية.

كما جعلت التكنولوجيا انتشار الأوهام والأكاذيب أسهل، أعطتنا الفرصة للبحث عن الحقيقة

كل هذه الوسائل لم تخل أبدا من الأخبار الكاذبة او الفيك نيوز، وسائل الإعلام الجماهيرية كانت تجعلنا نصدق ذات الخبر الكاذب ونتشارك بمعرفة نفس الحقائق أو الأوهام. وسائل التواصل الاجتماعي نوعت مصادر الحقيقة والوهم والكذب وجعلتنا مشاركين في الصناعة والتوزيع والترويج لها.

هكذا كانت بداية نقاش ظاهرة الأخبار الكاذبة، وكان شبه متعارف عليه أننا نتحدث عن الاستغلال السياسي للأخبار الكاذبة، وبالذات أثناء الانتخابات الأميركية، وأكثر الاتهامات كانت تشير إلى المرشح الفائز ترامب، ودور التكنولوجيا في تحقيقه لفوز لم يكن متوقعا أبداً، سواء عن طريق تدخل مزعوم لفرق من الهاكرز تعمل لصالح روسيا قامت بسرقة معلومات وأسرار فريق المرشحة المنافسة له، أو بشكل مباشر لاستعمال حملة ترامب منذ بدايات الحملة الانتخابية لتكنلوجيا الذكاء الصناعي وروبتات الشات لتضخيم حضوره على تويتر وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي.

بعد أداء الرئيس الأميركي ترامب للقسم الدستوري ودخوله إلى البيت الأبيض، خف الحديث عن ظاهرة الفيك نيوز، حتى لم نعد نسمع الكثير عنها. فجأة قرر الرئيس الأميركي إعادة النقاش والجدل ولكن بشكل معكوس هذه المرة، وقلب السحر على الساحر باتهامه لوسائل الإعلام الكبرى أنها هي من تقف وراء الفيك نيوز، واستغل تكنولوجيا التواصل الاجتماعي مرة أخرى، وبتغريدة واحدة على تويتر سمى كبرى وسائل الإعلام الأميركية بـ”قنوات فيك نيوز″، كأنه أراد إعادة الصفعة إلى نفس وسائل الإعلام التي نشرت دور الأخبار الكاذبة في انتصاره على كلينتون.

وسائل الإعلام الجماهيرية، مثل الصحف والتلفزيون والراديو وتقنياتها المختلفة حولتنا من مجرد أفراد ومجتمعات محلية صغيرة إلى “جمهور” كبير وكانت عاملا أساسيا في تطوير المجتمعات الحديثة وتشكيلها.

التحول الكبير

في المجتمعات المعاصرة قد يمر عام أو أكثر دون أن يكلم الإنسان جاره أو صديقه أو يحتك به، لكن حين يلتقيه يكتشف بأن ذات الأخبار قد وصلت إليه فباتت منتشرة ومعروفة لديه ولدى الآخرين، خصوصا بعد متابعة ذات القنوات التلفزيونية أو الصحف، التي تحمل ذات الآراء وجهات النظر المتقاربة.

التكنولوجيا بكل ما وضعته بين أيدينا من أدوات عظيمة للتواصل ومطالعة الأخبار تعطينا أيضا كل الوسائل لتحري الحقائق

قبل ذلك كان الناس مجرد أفراد ومجتمعات صغيره محلية متباعدة، كل يشاهد أو لا يشاهد العالم بمعزل عن الآخر، يفهمه بطريقته من زاويته ووجهة نظره الخاصة وبحسب إمكانياته وقدراته. لم تكن هناك أحداث وأخبار مشتركة نتشارك بها جميعا إلا ما ندر، وسائل الإعلام الجماهيرية جعلتنا نشاهد ذات الأخبار ونركز على ذات الأحداث التي اختيرت لنا من قبل وسائل الإعلام الجماهيرية.

خلال العقدين الأخيرين، حولتنا تكنولوجيا الإنترنت والتواصل من جمهور يتلقى الأخبار والمعرفة إلى مشاركين ومؤثرين في صناعة الأخبار وتوزيعها ونشرها، بات أي منا يستطيع “ارتكاب عمل إعلامي” وفي أي وقت تمكنه ممارسة دور الصحافي أو الناشر والموزع، أي أن دورنا ومكانتنا وموقعنا كأفراد ومجتمعات تؤثر على خارطة الفضاء الإعلامي تغيرت كلها، ففي السابق كنا نمارس دور الجمهور والآن اصبحنا نمارس دور الصحافي والإعلامي، قد يكون هذا التغيير سلبيا أو إيجابيا، لكن مما لا شك فيه أن هذا التغيير يعطينا جميعا قدرات جديدة على التفاعل والتأثير، بالمقابل يضع على عاتق الجميع مسؤوليات جديدة.

التكنولوجيا التي مكنتنا من ممارسة الإعلام والتأثير متى وكيفما شئنا، جعلت من انتشار الأوهام والأكاذيب أسهل وأسرع، وأعطتنا فرصا كبيرة وإمكانيات هائلة للبحث عن الحقيقة والتدقيق في الأخبار والتأكد من صحتها، والوصول إلى الحقيقة أصبح ممكنا جداً لذا فهو يستحق الجهد والاهتمام.

حكاية جديدة

مكانتنا ودورنا الجديد لم يعد يناسبهما بقاؤنا كمجرد قراء أو مشاهدين ومتلقين، أصبحت هناك ضرورة لممارسة البعض من باقي أدوار الصحافي والإعلامي الممتهن، فمن الضروري أن ننمي فضولنا الإعلامي ونصبح مهرة في مجال تقصي الحقائق وتدقيق المعلومات والبحث عن الحقيقة من أجل الحقيقة كما يفعل الصحافي والإعلامي المحترم المحترف.

التكنولوجيا بكل ما وضعته بين أيدينا من أدوات عظيمة للتواصل ومطالعة الأخبار تعطينا أيضا كل الوسائل لتحري الحقائق، وتجعلنا نرتقي ونصبح كائنات معلوماتية دائمة التواصل والاتصال، هذا الارتقاء يتطلب ابتعادنا عن غرائزنا ونزعاتنا البدائية، فلم يعد مناسبا أن نقوم بتوزيع ونشر وإظهار الإعجاب لأخبار نعرف أنها كاذبة لمجرد تأييدها لوجهة نظرنا أو لأنها تدعم أيدلوجيا نتبناها.

التكنولوجيا وخصوصا تقنيات التواصل والإعلام الجديد حيز مهم جدا لازدهارنا في المستقبل وعلينا ألّا نتركه مرتعا للأكاذيب وعبث المتطرفين

السعي وراء الحقيقة فضيلة بحد ذاتها، تسمو على كل الأيدلوجيات أو وجهات النظر، تكنولوجيا الاتصال والـــتـواصل نعمة من نعم العقل وأهم أدوات الاقتراب من الحقيقة، عدم استغلالنا لهذه التكنولوجيا بالشكل الصحيح يجعلنا ضحية للمتطرفين والمغالين وهدر مسرف لهذه النعمة.

باتت حياتنا مع التكنولوجيا أغنى وأسهل، لذا فنحن نملك اليوم ثراء في المعلومات وتنوع كبير في المصادر، علاقتنا الإنسانية أصبحت واسعة وأكثر تشابكاً من أي وقت مضى.

التكنولوجيا ستمنحنا فرصا هائلة وكبيرة خلال العقود القادمة وستحسن كذلك من مستوى معيشتنا وتمنحنا مصادر رزق جديدة وآفاقا أوسع لممارسة إنسانيتنا، لكن لسنا جميعا أخيارا فالأشرار ينتشرون في ما بيننا منذ خطواتنا الأولى على سطح هذا الكوكب الجميل، التطورات التقنية والفرص تُمنح متساوية للجميع، سواء كانوا أخيارا أو اشرارا، فهم أيضاً يرون في هذه التطورات ومن إقبالنا الشديد على وسائل التواصل الاجتماعي، فرصة ذهبية لبث سمومهم ومكرهم وأخبارهم الكاذبة.

أشرار على شاكلة العنصريين في أوروبا وأميركا والشرق الأوسط؛ أحزاب وحركات فاشية تتستر بالوطنية أو الدين أو الاثنين معاً وجدت ضالتها في شبكات التواصل الاجتماعي، وأصبحت تركز كل جهودها على إعادة إنتاج ذاتها من خلال التقنيات الحديثة.

الشر واحد، والكذب واحد، لا شرير أهون من شرير حتى لو كان يعمل لصالحنا، ففي أي لحظة أو ظرف ينقلب علينا.

التكنولوجيا وخصوصا تقنيات التواصل والإعلام الجديد حيز مهم جدا لازدهارنا في المستقبل وعلينا ألّا نتركه مرتعا للأكاذيب وعبث المتطرفين، فعلينا ألّا نتقن التلقي والتلقين أو احتواء الغضب والسخط فقط، بل يجب أن نطور من أنفسنا كي نلتحق بما تتقدم به التكنولوجيا بهذه السرعة الهائلة كي لا نترك مسافة بيننا وبينها.

باحث في شؤون التكنولوجيا

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر