الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

مروان البرغوثي أسير يرعب جميع الخصوم

البرغوثي بإمكانه الانتصار على كل العقليات المتخلفة التي تحكم اليوم سواء في رام الله أو في غزة. عقليات تقايض البسطاء على قوت عيشهم مقابل 'توفير أموال' لسداد عجز سببته السياسات الجوفاء.

العرب أحمد فايز القدوة [نُشر في 2017/04/26، العدد: 10614، ص(8)]

تحوّل القيادي الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي إلى أيقونة تجسد روحا شبابية جديدة قد تعيد الأمل المفقود للساحة السياسية الفلسطينية التي تعاني من ويلات الانقسام والشقاق والفرقة والاختلافات غير المتناهية.

لا يمكن فصل قيادته لأضخم إضراب عن الطعام في سجون الاحتلال عن السجال الحاصل داخل السلطة، وبين فتح وحماس وفصائل الديكور الأخرى. وأيضا لا يمكن عزل حراك الأسرى عن الانحراف الكبير في بوصلة القيادات على مختلف توجهاتها وانتمائها الحزبي.

القضية لم تعد مطالب حياتية لتحسين ظروف السجن. السجن ظلام مهما كانت جدرانه مزينة. ما يريده الأسرى اليوم هو إبلاغ رسالة إلى الجميع في الخارج، وخاصة هؤلاء الذين يتقاتلون على كل أشكال السلطة وينهشون لحم بعضهم البعض من أجل السلطة غير الموجودة أساسا.

الرجل، الذي يقضي عقوبة السجن 5 مؤبدات و40 عاما، يعلم جيدا أن هناك يوما ستشرق فيه الشمس على زنزانته وسينعم خارج أسوارها بحرية ينتظرها منذ زمن. يعرف أكثر من غيره أن الظروف الحالية تخدمه وتقويه وتجعله يحقق أهدافه التي ناضل من أجلها طوال العقود الماضية.

اليوم البرغوثي هو قدوة يقتدي بها شعبه في المخيمات والقرى والمدن داخل فلسطين وخارجها. هناك من يعتقد أن قيادته للإضراب هي مقدمة لإطلاق سراحه وتحضيره لزعامة الشعب الفلسطيني. هؤلاء لا يعرفون مروان. ولا يدركون أن الأحداث والمواقف والأفعال هي التي تصنع الزعماء.

البرغوثي هو ابن فتح ومن مؤسسي شبيبتها الفتحاوية بالضفة الغربية في ثمانينات القرن الماضي. محارب شرس ضد الفساد والفاسدين في أوج ريعان السلطة الفلسطينية ومقاتل في السياسة أثناء الانتفاضتين الأولى والثانية، وكان بارعا في تحويل المعاناة إلى انتصارات يتشوق إليها أبناء شعبه.

الرجل ليس وليد مرحلة بل هو وباقي الأسرى يعبّرون عن مراحل المعاناة التي بدأت منذ نكبة العام 1948. ما يحتاجه اليوم الفلسطيني العادي هو “السلام” وليس غيره. الشعارات لم تعد تنطلي على أحد ولا تعيد أرضا مسلوبة. ما يريده الناس وسيبقون يرددونه هو “الحياة الآمنة المطمئنة”.

أبوالقسام، الذي يمضي عامه الخامس عشر خلف القضبان، يخوض إضرابا مفتوحا عن الطعام وقادر على المضي فيه قُدما إلى النهاية. رسالة الإضراب هي للقيادة الفلسطينية بالأساس، وتعبر عن حالة استهجان واسعة ضدها وفضح لتهاونها واستخفافها بقضايا كثيرة وهامة في حياة الشعب الفلسطيني.

القيادة التي لم تعد موجودة، أصابها العقم وليست لديها أي حلول للسلام المبعثر والمقاومة المهادنة. أضحى الوضع الداخلي في أقسى مراحل السوء والقذارة. ولا تمتلك هذه القيادة سوى الانتظارات واللعب على هامش الوقت، فهي تعوّل كثيرا على لقاء رئيس السلطة مع رئيس البيت الأبيض الجديد، الأخير الذي لن يقدم حلولا لا ترضي تل أبيب.

وأيضا حماس التي لم تولِ الإضراب أهمية بالغة على خلاف عادتها. تسير بحذر شديد من تأييد كامل للإضراب، خاصة أن أسرى فتح هم من يقودونه. ويبدو أنها اليوم تغلب مصلحة الحزب على قضية هامة وجعلت حسابات التنظيم تنتصر على حسابات قضية بحاجة إلى مساندة حقيقية من داخل السجون وخارجها.

صحيح أن مطالب الأسرى تمس حاجتهم إلى تحسين ظروف أسرهم “المهينة” داخل سجون إسرائيل، لكن الأكيد أنها رسالة لفت انتباه موجهة إلى كل المتخاذلين والمتصارعين على السلطة في الخارج.

إسرائيل لا تستطيع تجاهل مطالب أكثر من ستة آلاف أسير، نحو 1500 أسير يخوضون “الإضراب الأكبر” في تاريخ الحركة الأسيرة. سترضخ لبعض المطالب، لكن الأسرى وخاصة قادتهم سيسجلون نقاطا كثيرة ضد خصومهم السياسيين في الداخل الفلسطيني وسيكسبون معركة أمعاء خاوية جديدة.

لم يكن مروان البرغوثي خارج حسابات حركة فتح، ولن تستطيع قيادتها تجاهله لأسباب كثيرة. الرجل لديه شعبية تمكنه من القيادة مستقبلا في حال شغور منصب الرئيس. حتى أن حركة حماس نفسها التي تطمح إلى محو الجميع تعرف أكثر من غيرها أنها لا تستطيع تجاوز البرغوثي في أي انتخابات رئاسية مقبلة.

فتح نفسها ستكون الخاسر الأكبر في حال تمادت في تجاهل قادتها داخل السجون وتجاهلت أبوالقسام في أي انتخابات، مثلما فعلت في تحييده عن المناصب القيادية داخل لجنتها المركزية وبالأخص في منصب نائب رئيس الحركة.

يشكل البرغوثي الآن حالة جامعة غير مفرقة للطيف السياسي الفلسطيني. هناك فكرة قائلة “إن توليه الرئاسة من داخل سجنه” على طريقة نيلسون مانديلا ستعيد الروح إلى القضية المبعثرة منذ سنوات بفعل السلام مقابل بطاقة “كبار الشخصيات” (VIP).

البرغوثي بإمكانه الانتصار على كل العقليات المتخلفة التي تحكم اليوم سواء في رام الله أو في قطاع غزة. العقليات التي تقايض البسطاء على قوت عيشهم مقابل “توفير أموال” لسداد العجز الذي سببته السياسات الجوفاء للقادة وما أكثرهم.

الرجل لا يرفض التفاوض مع المحتل. مفاوضاته قائمة على قرارات الشرعية الدولية واستعادة الحق كاملا لا نقصان فيه، وليس عبارة عن تفـاوض على شركة اتصالات لابن مسؤول مقابل التنسيق الأمني.

الانحدار الكبير الذي تعيشه القضية سببه الرئيسي العلة التي تحكم رام الله وغزة. فتح وحماس لا تعترفان بالمستقبل. ما يهمهما هو إنعاش سلطتيهما المفلستين بلا خارطة طريق لإعادة الأمل للشعب المكلوم. سينتصر البرغوثي وجميع الأسرى في معركتهم مهما كانت نتيجتها.

صحافي فلسطيني

أحمد فايز القدوة

:: مقالات أخرى لـ أحمد فايز القدوة

أحمد فايز القدوة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر